بوابة الجزائر الإخبارية : تُشكل التصريحات الأخيرَة الصادرة عن المبعوث الأمريكي توم باراك نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وعواصم الخليج العربي، إذ تحمل في طياتها إعلاناً صريحاً بنهاية معادلة «النفط مقابل الحماية» التي شكلت الركيزة الأساسية للهندسة الأمنية في المنطقة لأكثر من ثمانية عقود.
ومع تزايد الضغوط السياسية والمالية داخل الولايات المتحدة، وإعادة توجيه واشنطن لأولوياتها الدفاعية نحو مواجهة التنافس الجيوسياسي في شرق آسيا، باتت واشنطن ترى أن استمرار توفير مظلة أمنية غير مشروطة وممتدة إلى أجل غير مسمى لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار. يأتي هذا التحول بالتزامن مع تصاعد التوترات والتصعيد العسكري الإيراني المستهدف للمنشآت والمصالح الأمريكية في المنطقة، مما يسلط الضوء على تراجع رغبة البيت الأبيض في الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة لحماية الحلفاء التقليديين.

وبناءً على هذه المعطيات، أصبحت دول الخليج أمام واقع جيوسياسي جديد يفرض عليها التخلي عن مفهوم «الأمن بالوكالة»، والتحرك العاجل لبناء قدرات دفاعية ذاتية وإقامة تحالفات إقليمية متوازنة قادرة على التعامل مع موازين القوى المتغيرة وسد الفراغ الأمني المحتمل.
وفي تصريحات خاصة لبوابة الجزائر، تسلط الضوء على عمق التحولات الجارية في الشرق الأوسط، أكدت الدكتورة شيرين النجار، العضو في الحزب الديمقراطي الأمريكي، أن تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك تشكل مؤشراً لافتاً على تغييرات هيكلية تشهدها الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
وأوضح د. النجار أن هذه التغييرات تتجه نحو إنهاء الصيغة التقليدية التاريخية المتمثلة في «النفط مقابل الحماية»، والمطالبة بالانتقال العملي من منطق «السيطرة والتملك» إلى رؤية تقوم على «الرعاية والمسؤولية المشتركة».وفي تحليلها للواقع العسكري والدفاعي، بيّنت الدكتورة شيرين النجار أن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، باتت تمتلك أسطولاً جوياً وأنظمة دفاع صاروخي وبحري تُصنف بين الأحدث عالمياً، مثل منظومات “باتريوت” و”ثاد” والأنظمة الأوروبية الحديثة.
وأشار إلى أن هذه المنظومات أثبتت فاعلية عالية في استراتيجية “الإنكار الدفاعي” لصد الهجمات الصاروخية وحماية البنية التحتية الحيوية. غير أن النجار لفتت إلى أنه رغم هذا التطور، لا تزال هناك فجوات في مجالات متخصصة تعتمد فيها المنطقة على الدعم الأمريكي، مثل القيادة والسيطرة والاستخبارات (C4ISR)، التغطية الإنذارية المبكرة، الأقمار الصناعية الاستراتيجية، اللوجستيات، قطع الغيار، الدعم الفني المتقدم، بالإضافة إلى الحرب الإلكترونية والدفاع السيبراني الذي تتفوق فيه واشنطن بفضل بنيتها الاستخباراتية العالمية.
وحول آليات الردع الإقليمي أمام التهديدات الإيرانية، أوضح الدكتور النجار أن التحالفات الإقليمية ومجلس التعاون الخليجي قادرون على توفير ردع تقليدي موجه للصد والدفاع، إلا أن توفير ردع استراتيجي كامل يمنع المغامرات الإيرانية تماماً لا يزال يتطلب شبكة أمان دولية.
ولهذا السبب، أدركت عواصم الخليج أن الردع العسكري وحده قد لا يكفي في غياب المظلة الأمريكية الكاملة، مما دفعها للجوء إلى الدبلوماسية الوقائية وتهدئة التوترات المباشرة مع طهران عبر الاتفاقيات والوساطات الإقليمية، كخيار استراتيجي لخفض فرص المواجهة الشاملة بالتوازي مع الحفاظ على جاهزية دفاعها الجوي والصاروخي.
وعن القوى الدولية المنافسة، تطرقت الدكتورة شيرين النجار إلى حدود الأدوار الشرقية، مؤكداً أن الاستراتيجية الصينية ترتكز بالأساس على الأبعاد الاقتصادية ومشاريع الطاقة والبنية التحتية، ورغم قدرتها على توريد بعض التكنولوجيات كالمسيرات وأنظمة الصواريخ واستخدام ثقلها السياسي، إلا أن بكين لا تملك الرغبة ولا القدرة اللوجستية لتكون ضامناً أمنياً عسكرياً بدلاً عن واشنطن، وتتجنب التورط في ترتيبات أمنية معقدة في المنطقة.
وفي السياق ذاته، أشار النجار إلى أن موسكو تواجه قيوداً عسكرية واقتصادية نتيجة انشغالها في أزمات جيو-سياسية أخرى، ويقتصر دورها في الخليج على التنسيق في أسواق الطاقة عبر “أوبك+” وتصدير الأسلحة، دون التطلع لبناء قواعد عسكرية أو تقديم مظلة أمنية بديلةوفيما يتعلق بالخيارات المستقبلية للمنطقة، شددت الدكتورة النجار على أن السيناريو الأكثر واقعية وتحققاً اليوم هو عدم استبدال حليف بأخر، بل تطبيق استراتيجية التنوع والتحوط الاستراتيجي (Strategic Hedging). وتظل الولايات المتحدة، في رؤية النجار، الشريك الدفاعي والأمني الأول والأهم للخليج من حيث القواعد والتجهيزات، ولكن دون الارتهان الكامل للقرارات السياسية الأمريكية المتغيرة.
ويظهر ذلك جلياً في اعتماد دول المنطقة سياسة التعددية للشراكات الدولية، من خلال تعميق العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية مع الصين، والتعاون النفطي مع روسيا، والشراكة العسكرية مع القوى الأوروبية والآسيوية كفرنسا والهند واليابان، واتخاذ سياسات محايدة ومستقلة تفرض توازناتها على القوى الكبرى دون انحياز تام.
واختتمت الدكتورة شيرين النجار تصريحاته لبوابة الجزائر بالتيقن من أن تحول الخطاب الأمريكي يدفع دول الخليج نحو حقبة جديدة من الاعتماد على الذات. فلم تعد هذه الدول تكتفي بدور المستهلك التقليدي للترسانات الغربية، بل اتجهت بقوة نحو توطين التصنيع العسكري ونقل التقنية عبر هيئاتها الدفاعية الوطنية لتأمين سلاسل الإمداد بعيداً عن تقلبات القرار السياسي الغربي.
كما يركز الاستراتيج الخليجي اليوم على تحصين الأجواء وتطوير قدرات التعامل مع الطائرات المسيرة والتهديدات غير التقليدية، وتوسيع الشراكات مع عواصم متعددة منها الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية لزيادة المرونة الدبلوماسية.
وأكد النجار في النهاية أن القرار السيادي الخليجي يظل منوطاً بخدمة الاستقرار الداخلي والمصالح الاقتصادية العليا، مما يجعل التعاون الدولي أداة للتنمية والتوازن، وليس بديلًا عن بناء القدرات الذاتية الصلبة.












