مقال رأي بقلم ربيع أوروبي ساخن.. الشعوب تنتفض ضد الغلاء وترمب يضاعف أزمات القارة
بوابة الجزائر الإخبارية :من باريس إلى لشبونة وتيرانا ومدريد.. تتسع رقعة الاحتجاجات في أوروبا وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع الثقة بالحكومات. وبينما تدخل إسبانيا أجواء الانتخابات تحت ضغط الشارع تواجه القارة تداعيات حرب إيران والحرب الروسية الأوكرانية والتوتر التجاري مع واشنطن.لم تعد شوارع أوروبا هادئة كما تأمل حكوماتها. ففي فرنسا تحولت الاحتجاجات إلى تعبير عن غضب اجتماعي وسياسي يتجاوز المطالب المعيشية.
وفي البرتغال خرج محتجون للمطالبة بأجور ومعاشات أفضل وسكن بأسعار معقولة. أما في ألبانيا فقد اتسعت التحركات الطلابية لتتحول إلى مواجهة سياسية تطالب برحيل رئيس الوزراء إيدي راما.وفي إسبانيا خرجت مظاهرات في عشرات المدن احتجاجا على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات في وقت دخلت فيه البلاد أجواء انتخابات مبكرة دعا إليها رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.
وشهدت دول أوروبية أخرى تحركات احتجاجية على تكاليف المعيشة والتعليم والخدمات العامة.تتباين أسباب هذه الاحتجاجات من بلد إلى آخر. لكن تزامنها يكشف عن ضغوط اقتصادية واجتماعية تتراكم في القارة وتضع الحكومات أمام اختبار متزايد الصعوبة. فالأسر التي تواجه ارتفاع تكاليف السكن والطاقة والغذاء باتت أكثر تشككا في قدرة السياسات الحكومية على تحسين أوضاعها بينما يتزايد شعور الشباب بأن العمل والتعليم لم يعودا ضمانة كافية لحياة مستقرة.ولا يمكن اعتبار هذه التحركات ربيعا أوروبيا موحدا أو دليلا حتميا على سقوط الحكومات. لكنها تطرح سؤالا يتجاوز حدود كل دولة: هل دخلت أوروبا مرحلة تتراجع فيها قدرة قادتها على إقناع شعوبهم بجدوى سياساتهم الاقتصادية والاجتماعية؟فرنسا على أبواب الانتخابات.. اليسار متهم بتأجيج الشارع واليمين المتطرف يترقب المكاسبفي فرنسا لا تقتصر تداعيات الاحتجاجات على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة. فمع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل تتحول الشوارع إلى ساحة مبكرة للصراع السياسي بين اليسار واليمين واليمين المتطرف في مشهد يعيد إلى الأذهان احتجاجات السترات الصفراء التي هزت البلاد خلال الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون.وقد خرج مئات الآلاف في تحركات امتدت إلى مدن فرنسية عدة للمطالبة بتحسين الأجور وحماية الخدمات العامة ومعالجة تدهور الأوضاع في المدارس. لكن المطالب الاجتماعية تداخلت مع مشاهد العنف والتخريب التي رافقت بعض التجمعات وأسفرت عن اعتقالات وإصابات في صفوف الشرطة.وفي خضم هذه التطورات اتهمت الحكومة اليسار الراديكالي بتأجيج الغضب والمساهمة في توفير مناخ يسمح بالعنف. ووجهت انتقادات إلى حزب فرنسا الأبية بقيادة جان لوك ميلانشون متهمة إياه باستثمار التحركات سياسيا وعدم اتخاذ موقف واضح بما يكفي إزاء أعمال التخريب. في المقابل رفض اليسار تحميل المتظاهرين مسؤولية العنف بصورة جماعية وانتقد أساليب تعامل الشرطة مع الاحتجاجات.وبينما تبقى المطالب الاجتماعية حقيقية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المحتجين فإن تداخلها مع الحسابات الحزبية يفتح الباب أمام معركة على تمثيل الشارع وتحديد المسؤول عن الأزمة. فاليسار يسعى إلى تقديم نفسه مدافعا عن القدرة الشرائية والخدمات العامة فيما تحاول الحكومة تحميل التيارات الراديكالية مسؤولية تصعيد المواجهة.أما اليمين المتطرف فيراقب المشهد بحثا عن مكاسب انتخابية. فقد سارع قادة التجمع الوطني إلى إدانة أعمال الشغب وربطها باليسار الراديكالي وتقديم أنفسهم باعتبارهم المدافعين عن الأمن والنظام. وتمنح صور الحرائق والاشتباكات هذا التيار فرصة لتسويق خطابه المتشدد بشأن الأمن والهجرة وسلطة الدولة واستثمار مخاوف قطاعات من الفرنسيين من اتساع الفوضى.وهكذا قد تتحول الاحتجاجات التي انطلقت للمطالبة بتحسين ظروف المعيشة إلى ورقة انتخابية يستفيد منها خصوم الحكومة واليسار على حد سواء. وفيما يحاول المحتجون إبقاء مطالبهم الاقتصادية في الواجهة يخشى اليسار أن تطغى مشاهد العنف على رسالتهم بينما يرى اليمين المتطرف في هذه المشاهد فرصة لتعزيز روايته عن تراجع سلطة الدولة.وفي قلب هذا المشهد يبرز موقف إيمانويل ماكرون الذي يبدو محدود الحضور في إدارة الأزمة ميدانيا على نحو غير معتاد. فالرئيس الذي اعتاد التدخل المباشر في الملفات الكبرى لم يتصدر مشهد الاحتجاجات بالطريقة التي يتوقعها بعض المراقبين بينما تولى رئيس الوزراء ووزير الداخلية الظهور في الواجهة ومتابعة التطورات الأمنية.ولا يعني ذلك أن ماكرون التزم الصمت تماما أو أنه لم يتخذ موقفا من الأحداث. لكنه يعكس محدودية حضوره السياسي في لحظة تتسع فيها الضغوط على حكومته وتتعمق فيها أزمة الثقة مع قطاعات من الشباب والناخبين. ومع اقتراب نهاية ولايته الثانية وتراجع نفوذ معسكره السياسي تبدو قدرته على احتواء الغضب أقل مما كانت عليه في بداية عهده.وتكشف الأزمة عن مأزق أوسع يواجه الوسط السياسي الفرنسي. فالحكومة مطالبة بإعادة فرض النظام من دون أن تبدو منفصلة عن المطالب الاجتماعية واليسار يسعى إلى تحويل الغضب إلى قوة انتخابية واليمين المتطرف يحاول استثمار الخوف من الفوضى لتعزيز فرصه في الوصول إلى السلطة.وبين هذه الأطراف يبقى السؤال الأهم ما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستقدم مخرجا للأزمة أم ستعمق الانقسام السياسي والاجتماعي في بلد بات الشارع فيه مؤشرا متزايدا على هشاشة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم.من لشبونة إلى تيرانا.. الشارع يرفع سقف المطالبفي البرتغال تصدر ملف السكن المشهد. فقد احتشد محتجون في لشبونة للمطالبة برفع الأجور وتحسين المعاشات والخدمات العامة ووقف تدهور القدرة الشرائية. وأصبحت أسعار المنازل والإيجارات عبئا متزايدا على الشباب والموظفين وأصحاب الدخل المحدود في ظل صعوبة تأمين مسكن يتناسب مع الدخول.
أما في ألبانيا فقد تحولت الاحتجاجات الطلابية إلى تحد سياسي أوسع لرئيس الوزراء إيدي راما. ويطالب المتظاهرون برحيله على خلفية اتهامات بالفساد ونقص فرص العمل وتراجع جودة التعليم. وشهدت تيرانا مواجهات مع الشرطة في وقت تجاوزت فيه المطالب حدود الإصلاحات الطلابية إلى الدعوة لتغيير سياسي أوسع.وفي إيطاليا شهدت مدن عدة تحركات احتجاجية على غلاء المعيشة وتكاليف الخدمات فيما خرج طلاب في بلجيكا اعتراضا على تكاليف التعليم وإصلاحات يخشى المحتجون أن تجعل الوصول إلى الجامعات أكثر صعوبة.ورغم اختلاف المطالب فإن المشترك بينها هو اتساع الفجوة بين ما تتوقعه قطاعات من المواطنين من حكوماتها وما تعيشه فعليا.
فالمشكلة لم تعد محصورة في أسعار مرتفعة بل تمتد إلى الإحساس بأن السياسات العامة لا توفر حلولا كافية للأزمات اليومية.إسبانيا.. احتجاجات السكن تسبق صناديق الاقتراعفي إسبانيا خرجت أزمة السكن من نطاق النقاش الاقتصادي إلى صلب الصراع السياسي.
فقد شهدت مدن عدة احتجاجات على ارتفاع الإيجارات ونقص المساكن المتاحة بأسعار مناسبة وسط غضب متزايد من صعوبة حصول الشباب والعاملين على مسكن مستقر.وجاءت التحركات في ظل تعثر جهود الحكومة لتمرير تدابير تستهدف معالجة أزمة السكن وحماية المستأجرين.
وأعادت الاحتجاجات تسليط الضوء على اتساع الفجوة بين الأجور وأسعار العقارات والإيجارات في مدن كبرى مثل مدريد وبرشلونة.وأمام تعثر تمرير الإجراءات المتعلقة بالسكن دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى انتخابات عامة مبكرة في التاسع والعشرين من نوفمبر المقبل. وبذلك تحولت الأزمة إلى اختبار انتخابي لحكومته الائتلافية التي تحاول تقديم حماية المستأجرين والعدالة الاجتماعية باعتبارهما محورين أساسيين في برنامجها.
ويواجه سانشيز معضلة مزدوجة. فمن جهة يطالب المحتجون بإجراءات أكثر صرامة لضبط سوق السكن وحماية المستأجرين. ومن جهة أخرى يواجه صعوبة في تأمين أغلبية برلمانية تدعم سياساته في ظل خلافات حزبية بشأن كيفية معالجة الأزمة.وتكشف الحالة الإسبانية كيف يمكن لقضية معيشية واحدة أن تتحول إلى عامل يعيد تشكيل المشهد السياسي.
فالسكن ليس مجرد بند في ميزانية الأسرة بل يرتبط بقدرة الشباب على الاستقلال وبناء مستقبل مهني وعائلي. وعندما يصبح الحصول على مسكن مناسب أمرا صعبا رغم العمل والدراسة فإن الغضب ينتقل تلقائيا إلى صناديق الاقتراع.فواتير الطاقة.. حرب إيران تعيد شبح الأزمة الأوروبيةخلف المشهد الاحتجاجي تقف أزمة اقتصادية تتجاوز حدود كل دولة.
فقد عادت الطاقة إلى واجهة المخاوف الأوروبية مع اضطراب الإمدادات العالمية بفعل الحرب المرتبطة بإيران والتوترات في مضيق هرمز.وأدى اضطراب حركة الشحن والمخاوف بشأن إمدادات النفط والغاز إلى زيادة المنافسة على مصادر الطاقة المتاحة في الأسواق العالمية.
وتجد أوروبا نفسها في مواجهة هذه الصدمة بينما تحتاج إلى تأمين احتياجاتها وإعادة ملء مخزونات الغاز استعدادا للشتاء.ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند الغاز المستخدم للتدفئة وتوليد الكهرباء. فارتفاع أسعار النفط والوقود يرفع كلفة النقل والإنتاج والزراعة ويزيد الأعباء على الشركات التي تنقل جزءا من هذه التكاليف إلى المستهلكين. وهكذا تتسلل آثار الحرب إلى فواتير الطاقة وأسعار السلع الأساسية والقدرة الشرائية للأسر.
وتعيد الأزمة إلى الأذهان صدمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 حين اضطرت الدول الأوروبية إلى إعادة ترتيب مصادر إمداداتها وتقليص اعتمادها على الغاز الروسي. لكن القارة تواجه اليوم ضغوطا إضافية ناجمة عن اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط والتنافس العالمي على الغاز الطبيعي المسال.
وتكمن المعضلة في أن أوروبا لا تستطيع عزل نفسها عن الأسواق العالمية. فحتى الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة المتجددة تتأثر بأسعار الغاز الذي يحدد تكلفة الكهرباء في أجزاء من السوق الأوروبية. كما أن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة تواجه منافسة صعبة مع اقتصادات تحصل على الغاز بأسعار أقل.
ترمب يفرض معادلاته.. أوروبا بين الرسوم الجمركية وحرب لم تختره
الم تقتصر الضغوط على الأسواق والطاقة. فقد أعادت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأحادية فتح التساؤلات بشأن قدرة أوروبا على حماية مصالحها في علاقتها مع أقرب حلفائها.ففي التجارة هددت واشنطن بفرض رسوم جمركية إضافية على السلع الأوروبية في سياق الخلافات بشأن الاتفاق التجاري بين الطرفين.
وتضع هذه السياسة الشركات الأوروبية أمام حالة من عدم اليقين بشأن كلفة التصدير والاستثمار والتوظيف.
فالرسوم الجمركية لا تعني مجرد ارتفاع سعر المنتج عند دخوله السوق الأميركية بل قد تدفع الشركات إلى تأجيل قرارات الاستثمار أو نقل جزء من الإنتاج أو خفض العمالة إذا تراجعت قدرتها التنافسية.كما تكشف هذه الخلافات عن اختلال في العلاقة الاقتصادية عبر الأطلسي. فأوروبا تعتمد على السوق الأميركية في قطاعات تصديرية مهمة فيما تسعى واشنطن إلى استخدام حجم سوقها وأدواتها التجارية لانتزاع تنازلات من شركائها. ولا يعني ذلك أن الاتحاد الأوروبي بلا أدوات للرد لكنه يواجه صعوبة في التحرك بسرعة وبموقف موحد عندما تتباين مصالح الدول الأعضاء.أما حرب إيران فقد كشفت عن مشكلة استراتيجية أعمق.
فقد بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات عسكرية ضد إيران من دون مشاورات مسبقة كافية مع الحلفاء الأوروبيين. ووجدت حكومات أوروبية نفسها أمام تصعيد واسع لم تكن شريكة في اتخاذ قرار إطلاقه لكنها اضطرت إلى التعامل مع تداعياته الأمنية والاقتصادية.وتباينت المواقف الأوروبية من الحرب بين التحذير من اتساع الصراع والدعوة إلى خفض التصعيد والتمسك بمواقف مختلفة بشأن استخدام القواعد العسكرية أو المشاركة في الجهود الأمنية. لكن القاسم المشترك كان القلق من أن تؤدي القرارات العسكرية الأميركية إلى جر المنطقة والعالم إلى مواجهة أوسع من دون أن تكون أوروبا قد شاركت في تحديد أهدافها أو مآلاتها.
وهنا تظهر المفارقة: الولايات المتحدة التي تعد الحليف الأمني الأهم لكثير من الدول الأوروبية تتخذ قرارات تجارية وعسكرية قد تزيد الضغوط على اقتصادات تلك الدول وتحد من قدرتها على التأثير في مسار الأحداث.ولا يمكن تحميل ترمب وحده مسؤولية الأزمة الاقتصادية الأوروبية أو اعتبار سياساته السبب المباشر الوحيد لارتفاع الأسعار.
فالقارة تواجه تحديات هيكلية تشمل ضعف نمو الإنتاجية وارتفاع تكاليف الطاقة وأزمة السكن والشيخوخة السكانية. لكن الرسوم الجمركية والحرب في الشرق الأوسط تضيفان طبقات جديدة من عدم اليقين إلى اقتصاد يعاني أصلا من ضغوط متراكمة.من مضيق هرمز إلى محطات الوقود.. من يدفع الفاتورة؟تظهر آثار الأزمة الجيوسياسية بوضوح في ملف الوقود.
فمع ارتفاع الأسعار العالمية وضغط نقص الإمدادات طلبت إدارة ترمب من فرنسا وألمانيا سحب كميات من احتياطيات الديزل الطارئة للمساهمة في تخفيف الأسعار العالمية بحسب تقارير صحفية.ويضع هذا الضغط الحكومات الأوروبية أمام معادلة معقدة. فسحب الاحتياطيات قد يساهم في زيادة المعروض وتخفيف الأسعار على المدى القصير لكنه يقلص المخزون المتاح إذا تفاقمت أزمة الإمدادات أو اشتدت الحاجة إلى الوقود خلال الشتاء.كما يكشف الطلب الأميركي عن مدى تشابك مصالح الطاقة بين الطرفين.
فبعد تقليص أوروبا وارداتها من الوقود الروسي أصبحت أكثر اعتمادا على إمدادات بديلة بينها الوقود الأميركي.
وفي المقابل تريد واشنطن خفض أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة في وقت تواجه فيه ضغوطا سياسية داخلية.وبذلك لا تتعامل أوروبا مع صدمة خارجية فحسب بل تجد نفسها أيضا أمام مطالب أميركية تتعلق بكيفية إدارة مخزوناتها في ظل الأزمة. وهي معادلة تطرح تساؤلات حول استقلال القرار الأوروبي عندما تتقاطع مصالح واشنطن الداخلية مع احتياجات القارة الاستراتيجية.
والأهم أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يبقى في حسابات الحكومات وشركات الاستيراد. فالمواطن الذي يواجه زيادة في فاتورة الكهرباء أو تكلفة التنقل أو أسعار الغذاء قد لا يرى في الخلافات الجيوسياسية سوى نتيجة مباشرة على ميزانيته الشهرية. وعندما تتكرر الصدمات من دون تعويضات كافية يصبح الغضب الاقتصادي قابلا للتحول إلى ضغط سياسي.
أزمة ثقة.. هل انفصل القادة عن شعوبهم؟
لا يمكن تفسير موجة الاحتجاجات بغلاء المعيشة وحده. ففي عدد من الدول الأوروبية تتداخل الضغوط الاقتصادية مع شعور متزايد بأن المؤسسات السياسية لا تستجيب بالسرعة المطلوبة لمخاوف المواطنين وأن الوعود الانتخابية لا تتحول إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية.وفي فرنسا تتقاطع المطالب الاجتماعية مع الانقسام السياسي والإحباط لدى قطاعات من الشباب.
وفي البرتغال باتت أزمة السكن تهدد قدرة العاملين والطلاب على الاستقرار. أما في ألبانيا فتتداخل المطالب الاقتصادية مع اتهامات الفساد والدعوات إلى تغيير القيادة. وفي إسبانيا أصبحت أزمة السكن قضية انتخابية مباشرة تهدد بإعادة رسم موازين القوى.هذه الأزمات ليست متطابقة لكنها تلتقي عند نقطة أساسية: تراجع الثقة بقدرة السياسة على حل المشكلات اليومية.
فحين يشعر المواطن بأن دخله لا يكفي وأن السكن أصبح بعيدا عن متناوله وأن الخدمات العامة تتراجع فإن الخطاب الحكومي عن النمو والاستقرار قد يفقد تأثيره.وتزداد خطورة هذه الفجوة عندما تبدو الحكومات منشغلة بالخلافات الحزبية أو الالتزامات الخارجية أكثر من انشغالها بتكاليف الحياة.
وقد تستغل الأحزاب الشعبوية هذا الشعور لتقديم نفسها بديلا عن المؤسسات التقليدية مستفيدة من الغضب تجاه النخب السياسية والاقتصادية.لكن الاحتجاجات لا تقود بالضرورة إلى نتيجة واحدة. فقد تفرض تنازلات حكومية أو تدفع إلى إصلاحات اجتماعية أو تعيد ترتيب المشهد الانتخابي أو تتراجع إذا لم تتمكن من بناء تنظيم مستدام.
وما يحدد مسارها هو قدرة القوى السياسية والنقابية على تحويل المطالب العامة إلى برامج واضحة ونتائج ملموسة.ربيع أوروبي ساخن.. الشارع يطالب بالتغييرتجد أوروبا نفسها أمام اختبار يتجاوز احتواء المظاهرات وإعادة الهدوء إلى الشوارع.
فالمطلوب هو استجابة اقتصادية واجتماعية تخفف أعباء الطاقة والسكن وتدعم الأجور والخدمات العامة من دون أن تزيد الاختلالات المالية على المدى الطويل.وفي الوقت نفسه تحتاج القارة إلى مراجعة قدرتها على حماية مصالحها الخارجية.
فالتوتر التجاري مع واشنطن والقرارات العسكرية الأميركية بشأن إيران واضطرابات إمدادات الطاقة تضع الاستقلال الأوروبي أمام اختبار عملي. ولا يكفي الحديث عن السيادة الاستراتيجية إذا ظلت الاقتصادات الأوروبية معرضة بقوة لقرارات تتخذ خارجها أو لصدمات لا تمتلك أدوات كافية لاحتوائها.غير أن بناء استقلال أكبر في الطاقة والدفاع والتجارة يحتاج إلى استثمارات وقرارات مشتركة وتوافق بين الدول الأعضاء. وهي مهمة لا تزال تصطدم بتباين الأولويات الوطنية والخلافات بشأن الإنفاق العام والسياسات الصناعية والمناخية.وفي الداخل تبدو الرسالة التي يبعث بها الشارع واضحة: لا يمكن مطالبة المواطنين بتحمل كلفة الحروب والأزمات التجارية والتحولات الاقتصادية إلى ما لا نهاية من دون أن يشعروا بأن الأعباء موزعة بعدالة وأن حكوماتهم تقدم حلولا قابلة للقياس.
ومن باريس إلى مدريد مرورا بلشبونة وتيرانا قد لا تكون الاحتجاجات جزءا من حركة أوروبية واحدة لكنها تضع القادة أمام سؤال مشترك: هل يستطيعون استعادة الثقة قبل أن تتحول الأزمات المعيشية إلى تحولات سياسية أعمق؟إنه ربيع غضب أوروبي قد يمتد أثره إلى صناديق الاقتراع بقدر ما يمتد إلى الشوارع. وفي قارة تواجه ضغوطا داخلية وخارجية متزامنة لن يكون التحدي في إدارة الأزمة الحالية فقط بل في إقناع الشعوب بأن التغيير ممكن وأن مستقبلها لن يبقى رهينة فواتير الطاقة والحروب والقرارات التي تتخذ بعيدا عن إرادتها
مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر











