بوابة الجزائر الاخبارية : في مشهد إقليمي وقاري يضج بالتحديات والمتغيرات، يخوض الاقتصاد الجزائري مخاضاً تصاعدياً نحو إعادة التموضع ضمن كبرى القوى الاقتصادية في إفريقيا؛ إذ لم تعد لغة الأرقام في التقارير الدولية مجرد سرد صامت، بل تحولت إلى مرآة تعكس صدى الإصلاحات الهيكلية، حيث تشير أحدث تقارير صندوق النقد الدولي لعام 2026 إلى بلوغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للجزائر مستويات تتراوح بين 317 و331 مليار دولار، متجاوزةً عتبة الـ 269 مليار دولار السابقة، ومتبوأةً الصدارة المغاربية بموقع متقدم بين الأربعة الكبار في القارة الإفريقية. هذه القفزة لم تأتِ صدفة، بل جاءت ثمرة لمعادلة دقيقة تجمع بين ترشيد الواردات التي وفرت نحو 20 مليار دولار، وتفعيل دور القطاع الخاص والمقاولاتية الوطنية، بالتوازي مع رصد مليارات الدولارات لمشاريع استراتيجية كبرى في المناجم، البنية التحتية، والأمن الغذائي والمائي. وفي هذا السياق، أشار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أمس إلى أن الجزائر قد خفضت فاتورة الاستيراد من 62 مليار دولار إلى ما بين 40 و42 مليار دولار بفضل الإنتاج المحلي. وعلى الصعيد الدبلوماسي والصحي، وتحت عنوان “الجزائر دبلوماتيك”، غرّد الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، عقب استقباله السفير إدريس لطرش، الممثل الدائم للجزائر لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف، معرباً عن سعادته بلقائه حيث تناولا المفاوضات الجارية بشأن الملحق المكمّل لاتفاقية الجوائح والمتعلق بإتاحة الوصول إلى مسبّبات الأمراض وتقاسم المنافع الناشئة عن استخدامها، ومبدياً تقديره للدور القيادي الذي تضطلع به الجزائر على رأس المجموعة الإفريقية والالتزام الذي تبديه لاستكمال هذه العملية المهمة بما يسهم في تعزيز قدرة العالم على الوقاية من الجوائح المستقبلية والتصدي لها، فضلاً عن تبادل وجهات النظر بشأن مسار التحول الذي تشهده منظمة الصحة العالمية والإصلاحات الرامية لتطوير المنظومة الصحية العالمية، وإشادتِهِ بالجهود الاستثمارية التي تبذلُها الجزائر لتعزيز التغطية الصحية الشاملة والنهوض بالإنتاج المحلي للأدوية وتطوير منظومة تنظيمها والرقابة عليها. وإزاء هذه التطورات، تجدر الإشارة إلى محطة استراتيجية بالغة الأهمية تتمثل في اجتماع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي، مع ممثلي شركة “إكسون موبيل” لمناقشة الاستثمارات الأمريكية وتوسيع الفرص التجارية في الجزائر وليبيا على وجه الخصوص، بالتزامن مع تأكيده أن الحكومة الأمريكية تعمل على خلق فرص جديدة في قطاع الطاقة بشمال أفريقيا للشركات الأمريكية، وتعزيز علاقاتنا الاقتصادية مع دول المنطقة.
وفي هذا السياق، يرى حسين حسن، المدير العام السابق للتجارة والصناعة بالاتحاد الإفريقي وخبير اقتصاد إفريقيا بمصر، في تصريح خاص لـ “بوابة الجزائر”، أن تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للجزائر حاجز الـ 317 إلى 331 مليار دولار وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، مقارنة بمستوياته السابقة عند 269 مليار دولار، يمثل تحولاً هيكلياً يعكس بجلاء الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة التموضع الاستراتيجي القاري. ويوضح حسين حسن أن الترجمة الاستراتيجية لهذا الارتقاء تجلت في تكريس الصدارة الاقتصادية للجزائر على المستويين المغاربي والإقليمي، وهو ما يمنحها ثقلاً تفاوضياً أكبر في شراكاتها الأورو-متوسطية والإفريقية، إلى جانب ترسيخ موقعها ضمن نادي “الأربعة الكبار” في القارة السمراء إلى جانب مصر وجنوب إفريقيا ونيجيريا، الأمر الذي يُعزز دور الجزائر كمحرك مالي واستثماري محوري في المبادرات القارية الكبرى وفي مقدمتها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA).

ويضيف المسؤول السابق بالاتحاد الإفريقي أن استقرار معدل النمو الحقيقي للاقتصاد الجزائري عند حدود 3.8% إلى 4% في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وضغوط التضخم يحمل دلالات استثمارية وهيكلية جادة، حيث يعكس مرونة الاقتصاد الكلي وتحرره التدريجي من الارتباط المطلق بأسعار المحروقات في الأسواق الدولية بفضل المساهمة التصاعدية للقطاعات الأخرى، مؤكداً أن هذا الاستقرار يثبت أن القفزة الاقتصادية ليست مجرد ظاهرة ظرفية، بل هي تحرك تحفيزي ناتج عن توسع قاعدة الإنتاج المحلي واستعادة ثقة المستثمرين.
وعن أسرار هذه القفزة، يلفت حسين حسن إلى أنها ارتكزت على معادلة مالية واقتصادية مزدوجة جمعت بين كبح فاتورة الاستيراد وتحفيز القوة الإنتاجية؛ إذ سمحت إعادة هيكلة التجارة الخارجية بإنعاش الميزانية وتوفير سيولة بلغت نحو 20 مليار دولار بعد خفض الواردات من 62 مليار دولار إلى حدود 40 إلى 42 مليار دولار، وهي السيولة التي تم توجيهها لدعم الاستثمار العمومي في البنية التحتية وتغطية العجز وتعزيز قوة العملة الوطنية.
ويشدد الخبير الاقتصادي في حديثه لـ “بوابة الجزائر” على أن تحفيز القطاع الخاص والبديل المحلي كان عموداً فقرياً في هذا التحول، خاصة عقب صدور قانون الاستثمار الجديد الذي أحدث مراجعة جذرية للمناخ الاستثماري عبر إلغاء قاعدة (51/49) في القطاعات غير الاستراتيجية وتبسيط الإجراءات وتقديم حوافز ضريبية للمشاريع المستدامة، مما مكّن الإنتاج الوطني من تغطية نسب عالية من حاجيات السوق في مجالات الفلاحة والغذائيات والأدوية ومواد البناء، وتقليل التضخم المستورد.
ويختتم حسين حسن تحليله بالإشارة إلى أن المحرك الرئيسي لنمو الناتج الإجمالي تمثّل في ضخ استثمارات ضخمة في المشاريع المهيكلة الكبرى، لاسيما في قطاعات الأمن المائي والغذائي عبر محطات تحلية المياه وتوسيع المساحات المسقية، إلى جانب القطاع المنجمي والبنية التحتية كـمشاريع الفسفاط المدمج وغارا جبيلات والربط السككي والكهربائي الإقليمي، وهي الخيارات الاستراتيجية التي فتحت آفاقاً واعدة للتصدير والتصنيع المحلي ورسخت مكانة الجزائر الاقتصادية قارياً.
من الإنفاق الاستثماري إلى الإنتاج الفعلي ..معادلة تحول الاقتصاد الوطني
وفي ذات السياق، يؤكد خثير شين، مدير معهد اقتصاد باليزي، في تصريح لـ “بوابة الجزائر”، أن الجزائر تعيش مرحلة اقتصادية مفصلية تتسم بتوسع الاستثمارات وإطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، ضمن مسعى حثيث لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على المحروقات؛ موضحاً أن سر هذه الديناميكية لا يكمن في حجم الأموال المرصودة فحسب، بل في قدرة المشاريع على خلق قيمة مضافة، وتحريك قطاعات متعددة، وتوفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمار والإنتاج، حيث تكتسب مؤشرات النمو إيجابيتها الحقيقية عندما تتحول إلى زيادة مستدامة في الإنتاجية وفرص العمل والصادرات.

ويرى خثير شين في حديثه لـ “بوابة الجزائر” أن المشاريع الكبرى في مجالات المناجم والصناعة والسكك الحديدية والبنية التحتية والفلاحة تؤدي دوراً محورياً في هذا التحول الاستراتيجي، كونها لا تقتصر على مرحلة الإنجاز فقط، بل تمتد آثارها الاقتصادية إلى مجالات النقل واللوجستيك والصيانة والخدمات والمناولة الصناعية؛ لافتاً إلى أن ربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق يساهم مباشرة في تقليص تكاليف النقل، وتحسين تنافسية المنتجات الوطنية، وفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة الفعالة في سلاسل التوريد والإنتاج.
ويضيف مدير معهد اقتصاد باليزي أن انعكاس هذه المشاريع الهيكلية على الناتج المحلي الخام يتوقف بالأساس على قدرتها على الانتقال الميداني من مرحلة الإنفاق الاستثماري إلى الإنتاج الفعلي، مؤكداً لـ “بوابة الجزائر” أن المعيار الأساسي لا يتوقف عند بناء المصانع ومدّ السكك الحديدية وإنجاز المنشآت، بل يشمل تشغيلها بكفاءة عالية، ورفع مستويات الإنتاج المحلي، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتوسيع الصادرات، مشدداً على أنه كلما تقوت الروابط بين المشاريع الكبرى والمؤسسات الوطنية، ارتفع الأثر الاقتصادي للاستثمار وأصبحت عوائده أكثر استدامة.
وعن ملف الاستثمارات الأجنبية، يوضح خثير شين لـ “بوابة الجزائر” أن تحسن مناخ الأعمال وتبسيط الإجراءات الإدارية وتطوير البنية التحتية وتوضيح الإطار القانوني من شأنه تعزيز جاذبية الجزائر لدى المستثمرين الدوليين، غير أن استقطاب رؤوس الأموال يظل مرهوناً بقدرة المستثمر على تجسيد مشروعه في آفاق زمنية معقولة، والحصول على العقار والتجهيزات والكفاءات اللازمة، ضمن بيئة تسودها الشفافية والاستقرار؛ ولذا فإن المقياس الحقيقي لنجاح السياسة الاستثمارية يتجسد في حجم المشاريع التي دخلت فعلياً حيز الإنتاج وما وفرته من وظائف وقيمة مضافة وصادرات.
كما يشير خثير شين في معرض تصريحه لـ “بوابة الجزائر” إلى أن الاستثمار الأجنبي يحقق أثراً اقتصادياً أعظم عندما يتجاوز مجرد ضخ الأموال ليصل إلى نقل التكنولوجيا والخبرة، وتكوين الكفاءات الجزائرية، وتطوير المؤسسات المحلية وإدماجها في سلاسل الإنتاج العالمية، مستدلاً بأهمية ربط المشاريع الكبرى بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والجامعات ومراكز التكوين لتوطين المعرفة وتوسيع الفرص أمام المناولة لخلق منظومة إنتاجية متكاملة.
وفي هذا الإطار، ينبه الخبير الاقتصادي خثير شين لـ “بوابة الجزائر” إلى أن استدامة هذا المسار التنموي تتطلب توجيه الموارد المالية نحو المشاريع ذات المردودية الاقتصادية الواضحة، وتحسين كفاءة الإنفاق العمومي، وتعزيز الصادرات خارج المحروقات، بالتوازي مع المحافظة على التوازنات المالية والخارجية للدولة، إذ إن النمو المستدام لا يقوم على توسع الاستثمار بمفرده، بل على قدرة الاقتصاد على تحويل هذا الاستثمار إلى إنتاج وثروة وفرص عمل مستقرة.
ويختتم خثير شين، مدير معهد اقتصاد باليزي، تصريحه لـ “بوابة الجزائر” بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي للجزائر يكمن في الانتقال السلس من اقتصاد تقوده الاستثمارات والإنفاق إلى اقتصاد تحركه الإنتاجية والتنافسية وتنوع مصادر الدخل، حيث إن تحول المشاريع الكبرى إلى مصانع منتجة وصناعات تحويلية وصادرات متنامية ومؤسسات وطنية أكثر قوة، لن يقتصر أثره على رفع الناتج المحلي الخام فحسب، بل سيمتد ليعزز الاستقلالية الاقتصادية، ويحين مستوى معيشة المواطنين، ويرسخ نمواً شاملاً وأكثر استدامة.

























