بوابة الجزائر الاخبارية : عتبر استراتيجية إعادة إعادة تعريف المصطلحات والأماكن واحدة من أبرز أدوات دونالد ترامب في التواصل السياسي؛ حيث لا ينظر إلى اللغة بوصفها مجرد وسيلة لنقل الحقائق، بل كأداة صريحة لإعادة تشكيل الواقع وفرض النفوذ الرمزي.
من محاولات تحويل “خليج المكسيك” و”بحيرة أونتاريو” إلى تسميات ذات طابع محلي مفرط، وصولاً إلى إعادة صياغة المسميات التقنية المعقدة مثل “الذكاء الاصطناعي” لتأخذ طابعاً أكثر هيمنة وجاذبية إعلامية كـ “الذكاء الفائق”، يتضح أن هذا المسار لا يتوقف عند حدود الجغرافيا والتكنولوجيا، بل يمتد ليعكس فلسفة سياسية تسعى باستمرار لإخضاع المفاهيم السائدة للرؤية القومية.
وفي هذا السياق يصرح الدكتور سيد مكاوي زكي، خبير الشؤون الآسيوية والدولية بكلية الدراسات الدولية في جامعة جواهر لال نهرو بنيودلهي، “لبوابة الجزائر”، أن اللغة في منطق دونالد ترامب ليست مجرد أداة وصفية تعكس الواقع القائم، بل تُمارَس كـ “مطرقة” لإعادة تشكيله وصياغته بما يتوافق مع صورة “أمريكا أولاً” الراديكالية. ويرى د. مكاوي أن محاولة إخضاع الجغرافيا — عبر سعي ترامب لتأطير مساحات مثل خليج المكسيك بمسميات ذات طابع محلي مفرط — وإخضاع التكنولوجيا من خلال فرض ألقاب شعبوية واستعراضية كـ “الذكاء الفائق” بدلاً من المصطلحات التقنية المعقدة، تحول الخطاب السياسي إلى ساحة استعراض للقوة الرمزية. ولكن هذا النهج، عند تشريحه جيوسياسياً كما يوضح الخبير الدولي، يكشف عن مفارقة حادة تجسد تأطير عجز أعمق عن القيادة التوافقية والتأثير الحقيقي من خلال صخب إعلامي ولغوي متواصل.

وحول انعكاس احتكار وتأطير المصطلحات التقنية على الصراع الجيوسياسي والدبلوماسي بين الولايات المتحدة والصين، يوضح الدكتور سيد مكاوي زكي لبوابة الجزائر أن تجريد المصطلح التقني — كالذكاء الاصطناعي — من طابعه العلمي المشترك وإعادة إنتاجه داخل أيديولوجيا قومية تبسيطية، يحول الصراع التكنولوجي من منافسة قائمة على الابتكار والتطوير إلى “حروب هوياتية صفرية”.
ويضيف د. مكاوي أن الخطاب القومي يُسَلَّط لشيطنة المفاهيم المقابلة وإقصائها، عبر ترسيخ مقولة أن الذكاء الاصطناعي الغربي أو الأمريكي هو النموذج الوحيد الحر والآمن، بينما يُصنّف النموذج الصيني فوراً كـ “ذكاء سلطوي وخبيث”، مما يلغي المساحات الرمادية ويضغط على الحلفاء للاختيار الثنائي الصارم. كما ينبه الباحث الاستراتيجي إلى أن هذا الإصرار الترامبي على إسباغ أبعاد قومية وفائقة على التسميات يُخفي تحته قلقاً أمريكياً عميقاً من الفجوة التي تضيق مع بيكين في مجالات الأبحاث والتعلم الآلي؛ فبدلاً من صياغة استراتيجية دعم علمي هادئة ورصينة، يلجأ هذا الخطاب إلى “استعراض العضلات البلاغي” للتغطية على تراجع القدرة على صياغة المعايير التقنية عالمياً عبر الطرق الدبلوماسية التقليدية.
ويحذر الدكتور مكاوي من أن عسكرة المفاهيم التكنولوجية المدنية وتحويلها إلى علامات سيادية يُسرّع من عملية السباق والتفكك التكنولوجي الجيوسياسي، مما يمنع حتى الحدود الأدنى من التعاون الدولي في قضايا وجودية حاسمة كالأمن السايبراني والسلامة النووية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وفيما يتعلق بأثر هذا التوجه القومي على التوافق التنظيمي العالمي، يتطرق الدكتور سيد مكاوي زكي إلى تفكيك المعايير والأطر التنظيمية الدولية للحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي التي تسعى منظّمات كالأمم المتحدة واليونسكو والاتحاد الأوروبي لتأسيسها. ويؤكد خبير الشؤون الدولية لبوابة الجزائر أن المحاولات المستمرة لإعادة تسمية العالم تعمل على ضرب مفهوم “المصلحة البشرية المشتركة”؛ فعندما تتشبع المصطلحات بالنزعة القومية، تصبح المعايير الموحدة تُفهم سياسياً كقيود تُفرض على القوة الأمريكية، مما يترتب عليه انسحاب واشنطن أو ازدراؤها للمواثيق الأخلاقية الجماعية.
ويستطرد د. مكاوي مبنياً أن النظرة الترامبية تبدّل التوافق الدولي الشامل بمنطق الصفقات الثنائية، وفرض معايير أمريكية أفقية على الحلفاء مقابل الحماية أو الاتفاقيات التجارية، مما ينشئ “حوكمة الموالاة” بدلاً من “حوكمة المعايير”. وينتهي د. مكاوي في هذا الصدد إلى أن رفض المصطلحات الموحدة وتجاهل الجهد التنظيمي المتعدد الأطراف يعطي الذريعة لباقي القوى العظمى كالصين وروسيا لصياغة مفاهيمها وأطرها الخاصة، مما يولد فوضى تنظيمية تتسبب في تفتيت النظام التنظيمي العالمي للتقنية.
وفي ختام تصريحه لبوابة الجزائر، يستخلص الدكتور سيد مكاوي زكي الإجابة عن التساؤل حول ما إذا كان هذا السعي يمثل فرض هيمنة أمريكية أم أزمة في القوة الناعمة، مؤكداً أن المبالغة في إعادة تسمية الجغرافيا والتكنولوجيا لا تُعبّر عن فيضٍ في القوة الصلبة أو النفوذ الحقيقي، بل تشهد على “استفلاس دبلوماسي ورمزية تعويضية”.
ويفسر د. مكاوي ذلك بالتمييز الجوهري بين “صياغة الواقع” و”إعادة تسميته”؛ فالقوة الهيمنية الحقيقية التي جسدتها أمريكا في منتصف القرن العشرين كانت تصوغ المفاهيم والمعايير وتتبعها الشعوب والمؤسسات طوعاً لأنها تمثل نسقاً استقرارياً وتطورياً، أمّا العجز عن توهيج هذه الجاذبية المتبادلة فيدفع نحو “الهروب إلى التسميات”.
ويرى الخبير الدولي أن هذا النهج يكشف بوضوح عن انكفاء القوة الناعمة الأمريكية؛ فعندما تجد واشنطن نفسها غير قادرة على إقناع العالم بالمسارات الدولية أو كبح الصعود الصيني عبر الطرق الدبلوماسية التقليدية، ينكفئ الخطاب السياسي نحو الداخل ليُمارس “نفوذاً مسرحياً”.
ويختتم الدكتور سيد مكاوي زكي تحليله بالإشارة إلى أن تحويل مسميات الأماكن أو التلاعب بمصطلحات الذكاء الاصطناعي ليس سوى تنفيس بلاغي يُرضي القاعدة الانتخابية القومية، لكنه يبعث برسالة عجز حادة للشركاء الدوليين مفادها أن واشنطن لم تعد قادرة على قيادة العالم فعلياً، فقررت إعادة رسم الخريطة على الورق فقط.




























