بوابة الجزائر الإخبارية : في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي تتسامى الشراكة الدفاعية والأمنية بين الجزائر والنيجر لتتجاوز الترتيبات التكتيكية التقليدية نحو بناء “درع أمني مشترك” يعيد صياغة معادلة حماية الحدود واستقرار المنطقة وفق عقيدة تقوم على أولوية المقاربات الأفريقية الخالصة بعيداً عن التدخلات العسكرية الأجنبية. ولم تكن هذه الشراكة مجرد استجابة لضرورات الجغرافيا الممتدة عبر شريط حدودي شاسع، بل تجسيداً لوعي استراتيجي متكامل يعتبر أمن النيجر واستقرارها امتداداً مباشراً للأمن القومي الجزائري، وصمام أمان للنيجر في مواجهة التهديدات الأمنية المعقدة. وقد ترجم هذا التوجه عبر محطات ومؤشرات ميدانية وسياسية رفيعة المستوى، تجلت بوضوح في الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس المجلس الوطني لحماية الوطن والرئيس الانتقالي للنيجر، الجنرال عبد الرحمن تياني، إلى الجزائر في فبراير 2026 بدعوة من الرئيس عبد المجيد تبون، حيث وضعت تلك الزيارة اللبنات الأساسية لتجاوز التباينات وتدشين مرحلة جديدة من التنسيق الوثيق. وتوج هذا المسار الدبلوماسي والعسكري المحثوث بالتوقيع الرسمي على بروتوكول اتفاق لتعزيز التعاون العسكري الدفاعي والتنسيق الميداني والاستخباراتي المباشر بين البلدين في 21 أكتوبر 2026 بالعاصمة الجزائر، عقب زيارة رسمية رفيعة المستوى أجراها وزير الدولة وزير الدفاع الوطني لجمهورية النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، والتي التقى خلالها بكل من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون والفريق أول السعيد شنقريحة. يعكس هذا الاتفاق العسكري النوعي قدرة البلدين على تحويل الحدود المشتركة من نقاط هشاشة أمنية إلى محور للردع والاستباق العسكري ضد شبكات الجريمة المنظمة والتنظيمات المسلحة العابرة للحدود، مؤكداً استمرارية الدعم التقني واللوجستي والبرامج التدريبية المتبادلة التي تعزز جاهزية وقدرات جيشي المباشرين في الميدان.
وفي هذا السياق أكد أبو زيد بارميني مايو، الخبير في الأمن الإفريقي، في تصريح “لبوابة الجزائر”، أن الشراكة الدفاعية المتنامية بين الجزائر والنيجر تمثل تجسيداً عملياً لمبدأ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”، وتعكس توجهاً استراتيجياً نحو تمكين دول القارة من امتلاك زمام المبادرة في إدارة تحدياتها الأمنية، وحماية سيادتها، وتعزيز استقلالية قرارها بعيداً عن إملاءات القوى الخارجية.

وأوضح أن الترابط الوثيق بين المصالح الأمنية للجزائر والنيجر يجعل من التنسيق العسكري والاستخباراتي، وتأمين الحدود المشتركة، وتبادل الخبرات والتدريب، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، ركائز أساسية لبناء منظومة دفاعية إقليمية أكثر فاعلية. واعتبر أن إعادة تفعيل آليات التعاون الأمني الثنائي خلال سنة 2026، والتوقيع على بروتوكول للتعاون العسكري، يعكسان إرادة سياسية مشتركة للانتقال من التنسيق التقليدي إلى شراكة استراتيجية قادرة على مواجهة التحديات المتصاعدة في منطقة الساحل.
وشدد الخبير الإفريقي على أن الأهمية الحقيقية لهذا التقارب تتجاوز البعد العسكري، لتشمل بناء القدرات الوطنية وتطوير المؤسسات الأمنية وتعزيز آليات التعاون الدبلوماسي، بما يسمح للدول الإفريقية بتقليص اعتمادها المفرط على التدخلات العسكرية الأجنبية وترسيخ استقلاليتها الاستراتيجية. غير أنه أكد أن التحرر من التبعية الأمنية لا يعني رفض الشراكات الدولية، بل إعادة صياغتها على أسس متوازنة تحترم السيادة الوطنية وتستجيب للأولويات الإفريقية، دون تكريس أشكال جديدة من الارتهان للخارج.
وفي السياق ذاته، نبه أبو زيد بارميني مايو إلى أن القوة العسكرية، مهما بلغت فعاليتها، لا يمكنها بمفردها ضمان استقرار مستدام في الساحل الإفريقي، ما لم تتكامل مع الحوار السياسي والمصالحة الوطنية والوقاية من النزاعات، إلى جانب الاستثمار في التعليم والتشغيل والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية، باعتبارها أدوات أساسية لمعالجة الجذور العميقة للأزمات الأمنية.
واعتبر أن نجاح الشراكة الجزائرية النيجرية لن يقاس بعدد الاتفاقيات العسكرية الموقعة فحسب، وإنما بمدى انعكاسها على حماية المدنيين، وضبط الحدود، وتعزيز كفاءة المؤسسات الوطنية، وترسيخ الثقة بين دول المنطقة، وخلق فرص اقتصادية وتنموية حقيقية لشعوبها.
وختم الخبير إلى أن الرهان الاستراتيجي لا يكمن في مجرد استبدال الوجود العسكري الأجنبي بقوات إفريقية، بل في تأسيس منظومة أمنية إفريقية مستقلة تمتلك الإرادة السياسية والقدرات الدفاعية والمؤسسات الجماعية اللازمة لمنع الأزمات وتسوية النزاعات سلمياً. ومن هذا المنطلق، يمكن للتقارب الجزائري النيجري أن يشكل نموذجاً متقدماً لإعادة صياغة المعادلة الأمنية في الساحل، وفق رؤية إفريقية تقوم على السيادة والتضامن الإقليمي والتكامل بين الأمن والتنمية، بما يعزز قدرة شعوب القارة على تقرير مستقبلها بعيداً عن الوصاية والتدخلات الخارجية.
الجزائر والنيجر.. درع السيادة يُعيد رسم أمن الساحل
أكد البروفيسور بن نوار بن صايم، المتخصص في الدراسات الاستراتيجية، في تصريح لبوابة الجزائر، أن المقاربة الأمنية الجزائرية تجاه منطقة الساحل، ولا سيما النيجر، شهدت تحولاً استراتيجياً مهماً عقب التعديل الدستوري لسنة 2020، من خلال تعزيز البعد العسكري والدفاعي بوصفه سنداً للمقاربات التقليدية القائمة على الحوار السياسي والتنمية والتعاون الحدودي والتنسيق القانوني.

وأوضح أن خصوصية النموذج الجزائري تكمن في الجمع بين الحلول الإفريقية والتعاون العسكري القائم على المصالح المشتركة واحترام القانون الدولي، بعيداً عن منطق فرض الأجندات الخارجية. وشدد على أن هذه المقاربة المتجددة تعزز قدرة الدول الإفريقية على إدارة تحدياتها الأمنية بنفسها، وترسخ سيادة دول الساحل واستقلالية قرارها السياسي والاقتصادي، بما يمهد لبناء منظومة أمنية إفريقية مستقلة تدعم الاستقرار والتنمية الشاملة وتخدم تطلعات شعوب المنطقة.
الجزائر والنيجر.. شراكة دفاعية تُرسّخ العقيدة الأمنية الإفريقية وتُضيّق الخناق على التدخلات الأجنبية في الساحل
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ الدكتور عبدالمهيمن محمد الأمين، مؤسس ومدير جامعة المغيلي الأهلية الدولية بالنيجر، في تصريح لـ«بوابة الجزائر»، أن التعاون الأمني الصادق والمدروس بين الجزائر والنيجر يمثل ركيزة استراتيجية لمواجهة التحديات الأمنية المتفاقمة في منطقة الساحل الإفريقي، مشيراً إلى أن النيجر تواجه تهديدات معقدة، خاصة في منطقة الحدود الثلاثية التي تجمعها بمالي وبوركينا فاسو، حيث تنشط الجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة، إلى جانب شبكات الجريمة المنظمة والتهريب والهجرة غير النظامية.
وأوضح عبدالمهيمن محمد الأمين أن إرساء تنسيق أمني فعّال ومخطط له بين الجزائر والنيجر من شأنه أن يعزز قدرة البلدين على التصدي لهذه التهديدات العابرة للحدود، ويسهم في تضييق المجال أمام التدخلات العسكرية الأجنبية، لافتاً إلى أن الجزائر تمتلك إمكانيات تكنولوجية وخبرات أمنية وعسكرية مهمة تؤهلها للاضطلاع بدور محوري في دعم الاستقرار الإقليمي ومرافقة دول الجوار في مواجهة التحديات المشتركة.
وشدد مؤسس ومدير جامعة المغيلي الأهلية الدولية بالنيجر على أن الشراكة الدفاعية بين الجزائر ونيامي تجسد بصورة عملية مبدأ «الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية»، باعتبارها مقاربة تقوم على توظيف القدرات والخبرات الإفريقية لمعالجة الأزمات الأمنية بعيداً عن الارتهان للقوى الخارجية، معتبراً أن نجاح هذا النموذج يمكن أن يشجع بقية الدول الإفريقية على تبني شراكات مماثلة تعزز سيادتها واستقلالية قرارها الأمني.

وأشار عبدالمهيمن محمد الأمين إلى أن العلاقات الجزائرية النيجرية تستند أيضاً إلى رصيد مهم من الروابط التاريخية والبشرية والعلمية، مبرزاً أن عدداً من النخب والكوادر النيجرية تلقوا تعليمهم وتكوينهم في الجزائر، وهو ما يشكل عاملاً مساعداً على تعزيز الثقة المتبادلة وتسهيل التواصل والتنسيق بين المؤسسات في البلدين، بما يضمن قدراً أكبر من المرونة والانسجام في تنفيذ برامج التعاون المشترك.
وخلص الخبير النيجري عبدالمهيمن محمد الأمين إلى أن تطوير التعاون الأمني بين الجزائر والنيجر لا يمثل مجرد استجابة ظرفية للتهديدات الحدودية، بل يمكن أن يشكل نواة لمقاربة أمنية إفريقية أكثر استقلالية وفاعلية، قادرة على مواجهة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وترسيخ الاستقرار الإقليمي وفق رؤية تستند إلى التكامل الإفريقي واحترام السيادة الوطنية والحد من التدخلات الأجنبية.













