بوابة الجزائر الإخبارية : تُشكل التصريحات الأخيرَة الصادرة عن المبعوث الأمريكي توم باراك نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وعواصم الخليج العربي، إذ تحمل في طياتها إعلاناً صريحاً بنهاية معادلة «النفط مقابل الحماية» التي شكلت الركيزة الأساسية للهندسة الأمنية في المنطقة لأكثر من ثمانية عقود.
ومع تزايد الضغوط السياسية والمالية داخل الولايات المتحدة، وإعادة توجيه واشنطن لأولوياتها الدفاعية نحو مواجهة التنافس الجيوسياسي في شرق آسيا، باتت واشنطن ترى أن استمرار توفير مظلة أمنية غير مشروطة وممتدة إلى أجل غير مسمى لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار. يأتي هذا التحول بالتزامن مع تصاعد التوترات والتصعيد العسكري الإيراني المستهدف للمنشآت والمصالح الأمريكية في المنطقة، مما يسلط الضوء على تراجع رغبة البيت الأبيض في الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة لحماية الحلفاء التقليديين.

وبناءً على هذه المعطيات، أصبحت دول الخليج أمام واقع جيوسياسي جديد يفرض عليها التخلي عن مفهوم «الأمن بالوكالة»، والتحرك العاجل لبناء قدرات دفاعية ذاتية وإقامة تحالفات إقليمية متوازنة قادرة على التعامل مع موازين القوى المتغيرة وسد الفراغ الأمني المحتمل.
وفي هذا السياق، يرى الباحث والكاتب في العلاقات الدولية والمتخصص بالسياسة الأمريكية، د. فاضل اليونس، أن المعضلة الخليجية الحقيقية لا تكمن في نقص الموارد أو الترسانات العسكرية، بل تكمن في غياب قيادة سياسية وعسكرية قادرة على توظيف هذه القدرات ضمن استراتيجية دفاعية حاسمة.
ويؤكد د. فاضل اليونس أن المواجهات الأخيرة كشفت بوضوح عن عجز هذه الدول عن بناء ردع فعّال يمنع إيران من استهداف أراضيها ومصالحها، أو حتى تأمين مسارات بديلة لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز دون الاعتماد على الحماية الأمريكية المباشرة؛ ممّا يبرز فجوة عميقة بين امتلاك عناصر القوة والقدرة على اتخاذ قرار سياسي مستقل في أوقات الأزمات.
ويستدل د. فاضل اليونس على هذه المعضلة بمقارنتها بالموقف الباكستاني الذي ردّ بضربات عسكرية داخل الأراضي الإيرانية في يناير 2024 دفاعاً عن السيادة، في حين بقيت دول الخليج مترددة رغم تفوق ترساناتها المتقدمة.
وعلى صعيد التحالفات الإقليمية، يلفت د. فاضل اليونس إلى أن أطراً مثل “حلف مكة” أظهرت فجوة بين الخطاب السياسي والتحرك الميداني، وهو ما تجلى في اضطرار السعودية لطلب دعم مصري لحماية أراضيها .
وبناءً على ذلك، يجزم د. فاضل اليونس بأن هذه التحالفات تُعد أقرب إلى أطر سياسية تهدف لطمأنة الداخل الخليجي واحتواء مخاوفه من كونها منظومات دفاع مشترك فعّالة تُقاس بقدرتها الميدانية على التحرك عند بروز التهديدات.وفيما يتعلق بالتراجع الأمريكي المفترض، يوضح د. فاضل اليونس أن تصريحات المبعوث الأمريكي توم باراك لا تعني إطلاقاً انسحاباً وشيكاً أو إخلاء الساحة لقوى منافسة كالصين وروسيا أو قوى إقليمية كإيران وتركيا.
ويبيّن د. فاضل اليونس أن هناك فارقاً جوهرياً بين التخلي عن منطقة ذات أهمية جيوستراتيجية واقتصادية فائقة حاكمة لأسواق الطاقة العالمية، وبين إعادة تنظيم واشنطن لدورها وتغيير طبيعة التزاماتها؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع الأعباء الأمنية دفعاً لحلفائها نحو امتلاك استقلالية أكبر وتحمّل كلفة المواجهات، مع احتفاظ واشنطن بالنفوذ والتأثير الحاسِمين.
ويختتم د. فاضل اليونس تحليله بالإشارة إلى النموذج الإسرائيلي باعتباره المجسّم العملي لهذه الرؤية الأمريكية؛ حيث تمتلك إسرائيل قدرات عسكرية وتكنولوجية تتيح لها التأثير في موازين القوى خوضاً للمواجهات بالتنسيق مع واشنطن دون الحاجة للتدخل الأمريكي المباشر.
ويرى د. فاضل اليونس أن الاستراتيجية الأمريكية لا تستهدف الانسحاب بقدر ما تسعى لبناء منظومة إقليمية يتولى فيها الحلفاء مسؤولية الدفاع الذاتي، بما يضمن تقليص الكلفة المباشرة على واشنطن وصيانة مصالحها الحيويّة في الشرق الأوسط.





