بوابة الجزائر الإخبارية : تسلط المقالة التحليلية منشورة في شهر الجاري التي نشرها سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالجزائر، ناصر كنعاني، الضوء على القراءة الإيرانية لمسار المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، محددة العوامل التي أدت إلى إفشال أهداف الهجوم. ويرتكز الطرح الإيراني على أن استراتيجية واشنطن وتل أبيب لم تقتصر على تقويض القدرات النووية والعسكرية، بل استهدفت رأس السلطة وإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية عبر ضربات مركزة طالت قيادات الصف الأول والثاني ومؤسسات الدولة الحيوية طيلة 40 يومًا.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه القراءة في إبراز قدرة المنظومة الإيرانية على “امتصاص الصدمة الأولى” والانتقال التدريجي من مرحلة امتصاص الضربات الدفاعية إلى الاستجابة الهجومية. ويتجلى هذا التضاد في الفجوة بين الأهداف المعلنة للإدارة الأمريكية (المتمثلة في تغيير النظام خلال فترة وجيزة) وبين المآلات الميدانية والسياسية التي فرضت التوصل إلى بيان لوقف إطلاق النار في إسلام آباد مع ذات القيادة والنظام المستهدفين.

في إطار القراءة التحليلية للمشهد الإقليمي والدولي المعقد والمتسارع، يصرح الدكتور هاني الجمل، رئيس وحدة الدراسات الأوروبية والاستراتيجية بمركز العرب والباحث في الشؤون الإقليمية والدولية، لـ «بوابة الجزائر»، موضحاً أن مسألة تماسك النظام الإيراني تعود بالأساس إلى العقيدة الاستراتيجية التي تبناها منذ عام 1979، والتي قامت على مبدأ الاكتفاء الذاتي والتأسيس لما يمكن تسميته بـ “الصبر الاستراتيجي المستوحى من حياكة السجاد الإيراني”. فقد مكنت التجارب التاريخية، بدءاً من الحرب العراقية-الإيرانية التي امتدت لثماني سنوات، وصولاً إلى عقود من العقوبات الاقتصادية الصارمة، هذا النظام من امتلاك قدرة عالية على امتصاص الضربات والمناورة عبر مسارات متعددة.ويشير الدكتور هاني الجمل إلى أن هذه المسارات تجلت بوضوح في تطوير البنية النووية والقدرات العسكرية الشاملة برعاية وتنسيق مع المعسكر الشرقي ممثلاً في روسيا والصين، اللتين تعتبران إيران حائط صد أساسي لما بعد منطقة بلاد الرافدين ونقطة مفصلية للمجال الحيوي الأوراسي. كما يلفت رئيس وحدة الدراسات بمركز العرب إلى أن اختبار وتقييم السلاح الإيراني في ساحات متعددة بالمنطقة ساهم في رفعه لمستويات عالية من الفاعلية، يضاف إلى ذلك العائق الجغرافي المعقد لإيران، والذي يجعل أي توغل بري أمريكي أو إسرائيلي أمراً في غاية الصعوبة، مترافقاً مع حقيقة استقرار القيادة الميدانية لدى التيار الأكثر صلابة المتمثل في الحرس الثوري الإيراني (معسكر الصقور)، القادر على امتصاص الضربات والاغتيالات وتكتيك المواجهة السريعة.وعلى الصعيد الجيو-اقتصادي، يرى الدكتور الجمل أن كرت مضيق هرمز يبرز كأداة ضغط استراتيجية حاسمة تشرف من خلالها إيران على نحو 20% من حركة التجارة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية، وهو ما يفرض معادلة الردع ويربك حسابات واشنطن وحلفائها؛ إذ تؤكد قواعد العلوم العسكرية أن الضربات الجوية وحدها لا تحسم المعارك دون سيطرة برية. وفي سياق إدارة الأزمات والدبلوماسية الخلفية، يوضح الخبير في الشؤون الإقليمية أن بروز إسلام آباد كمحطة محورية للوساطة ووقف إطلاق النار يأتي متفوقاً على المسارات التقليدية الأخرى؛ بالنظر إلى امتلاك باكستان للردع النووي ورغبتها المباشرة في منع انهيار النظام الإيراني لتفادي تفاقم الفوضى والاضطرابات الإثنية على حدودها.ختاماً، يؤكد الدكتور هاني الجمل أن تحولات المشهد تتقاطع مع مفهوم “العالم متعدد الأطراف” -وليس فقط متعدد الأقطاب- والذي تفسره قدرة القوى الإقليمية الفاعلة (مثل مصر، تركيا، إيران، وباكستان) على إعادة هندسة التوازنات الأمنية والاقتصادية في المنطقة. ويعتقد الدكتور الجمل أن إسلام آباد استطاعت أن تشكل الممر الآمن وقناة التواصل الخلفية للقيادة الإيرانية في أحلك الظروف الدبلوماسية، بما يحفظ قدرة طهران على الاستمرار والتفاوض ومنع الانهيار الاقتصادي، في ظل صراع إقليمي يحكمه منطق الجغرافيا وحسابات القوة المتوازنة.







