بوابة الجزائر الإخبارية : تأتي التحركات الدبلوماسية الجزائرية في أروقة الأمم المتحدة لتسليط الضوء على إحدى أكثر القضايا تعقيداً وأهمية في منظومة الحوكمة العالمية، وهي إعادة هيكلة مجلس الأمن الدولي. وفي ظل التحديات الجيوسياسية المتزايدة، تعيد الجزائر التذكير بالظلم التاريخي الممارس بحق القارة الإفريقية جراء غياب تمثيلها الدائم في مركز القرار الدولي، مؤكدةً أن استقرار النظام العالمي يمر حتماً عبر معالجة هذا الاختلال البنيوي وإرساء قواعد أكثر عدلاً وتوازناً بين الأمم.
وفي هذا السياق، يقدم رئيس كلية العلوم السياسية بجامعة تلمسان، تلي عبد الله، قراءة تحليلية شاملة تبرز أبعاد الموقف الجزائري المدافع عن الحقوق المشروعة للقارة السمراء، محددًا ملامح الضغط الممارس والعقبات الجيوسياسية التي تواجه هذا المسار.

ويرى تلي عبد الله أن التحركات الجزائرية المتجددة تشكل رأس حربة في مسار الضغط الإقليمي والدولي لإصلاح مجلس الأمن، مستندة في ذلك إلى عدة مرتكزات استراتيجية تمنح طرحها قوة وديناميكية عالية.
وفي هذا الصدد، يقدم تلي عبد الله قراءة في القوة الرقمية للطرح الجزائري، مشيراً إلى أنه يستند بالكامل إلى الموقف الإفريقي الموحد المتمثل في “توافق إزولويني” و”إعلان سرت”.ويؤكد عبد الله أن هذا الطرح يحظى بإجماع قارة بأكملها تضم 54 دولة (ما يمثل نحو 28% من أصوات الجمعية العامة)، مما يمنح المبادرة الجزائرية قدرة تفاوضية وتعطيلية صلبة لا يمكن التغاضي عنها، إذ يستحيل تمرير أي إصلاح يرتقبه المجلس دون موافقة التكتل الإفريقي.
كما يلفت تلي عبد الله إلى الدور المحوري الذي تلعبه الجزائر عبر وجودها كعضو غير دائم في مجلس الأمن، حيث تعمل على نقل صوت القارة وتجسيد مبدأ “حل المشاكل الإفريقية بأيادٍ إفريقية”. ويضيف عبد الله أن التنسيق الجزائري الدائم ضمن مجموعة (A3+) أثبت للجميع أن القارة الإفريقية لم تعد مجرد موضوع للنقاش بل طرف فاعل ورئيسي في صنع القرار الأمني والدولي.وفي تحليله لطبيعة المرحلة، يوضح تلي عبد الله أن الجزائر تستغل حالة الاستقطاب غير المسبوقة والشلل الميداني الذي يعانيه مجلس الأمن أمام الأزمات العالمية الراهنة.
ويؤكد عبد الله أن الدبلوماسية الجزائرية تبين للقوى الكبرى أن استمرار التهميش التاريخي لإفريقيا يستنزف ما تبقى من مصداقية المنظمة الأممية، متحررةً بذلك من منطق المطالبة بـ “المنحة” إلى فرض الإصلاح كـ “ضرورة حيوية” لاستعادة الاستقرار العالمي.
ويختتم تلي عبد الله هذا الجزء بالإشارة إلى نجاح الجزائر في ربط المطلب الإفريقي بتحركات الجنوب العالمي مثل حركة عدم الانحياز ومجموعة 77 والصين، ويرى عبد الله أن هذا الربط يحشر الدول الخمس دائمة العضوية في زاوية حرجة أخلاقياً وسياسياً إذا ما واصلت استخدام “الفيتو” لعرقلة العدالة التمثيلية.على صعيد آخر، لا يغفل تلي عبد الله التعقيدات الميدانية، مؤكداً أن الطريق نحو إعادة هيكلة مجلس الأمن يصطدم بكوابح جيوسياسية وهيكلية حادة تؤطرها التوازنات الدولية.
ويشير تلي عبد الله إلى أن الفجوة الجوهرية تكمن بين مطالبات إعلان إزولويني التي تشترط الحصول على مقعدين دائمين بكامل الامتيازات بما فيها الفيتو، وبين تحفظ الدول دائمة العضوية.
ويشرح عبد الله أن بعض القوى العظمى تحاول الالتفاف عبر عرض مقاعد دائمة “صورية” دون حق الفيتو، وهو ما ترفضه الجزائر والقارة قاطبةً منعاً لتكريس درجة ثانية من العضوية.
ويضيف تلي عبد الله أن القوى الكبرى تستغل حالة الانقسام الدولي ووجود مشاريع إصلاح موازية — كـ “مجموعة الأربع” ومجموعة “الاتحاد من أجل التوافق” لتعطيل الوصول إلى إجماع دولي، وهو ما يعرقل ويركّد مسار المفاوضات الحكومية الدولية. كما ينبه تلي عبد الله إلى المحاولات الخارجية للعب على وتر المنافسة الإقليمية حول من يمثل إفريقيا في حال منحها مقعدين دائمين، إلا أن عبد الله يبرز التصدي الجزائري الحازم لهذه المحاولات من خلال التشديد على أن المطلب الإفريقي يتسامى فوق الطموحات الوطنية الضيقة ليركز أولاً على استحقاق القارة ككل وفق رؤية الاتحاد الإفريقي.
وفي ختام تحليله المتعلق بالتحديات، تؤكد قراءة تلي عبد الله أن بعض القوى النافذة ما زالت تنظر إلى القارة الإفريقية كمنطقة نفوذ ومسرح للصراع على الموارد، ويرى عبد الله أن هذه الدول تخشى أن منح إفريقيا استقلالية القرار داخل مجلس الأمن سيفقدها أدوات التحكم المباشر والسيطرة على ملفات النزاعات الإفريقية.
ويخلص رئيس كلية العلوم السياسية بجامعة تلمسان، الأستاذ تلي عبد الله، إلى أن الموقف الجزائري يُكرس حقيقة مفادها أن إصلاح مجلس الأمن لم يعد مجرد خيار ثانوي بل هو شرط لا مناص منه لتحقيق العدالة الدولية، ويرى أن القارة الإفريقية بفضل الأصوات الجريئة والمبدئية التي تقودها الجزائر أضحت رقماً صعباً ومعادلة رئيسية لا يمكن تجاوزها في أي مشروع قادم لرسم معالم الحوكمة العالمية.















