مقال رأي بقلم: محمد قنديل – مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: منذ أن بدأت التسريبات الإعلامية تتحدث عن زيارة مرتقبة لمحمد السادس إلى فرنسا وما قد يرافقها من توقيع ما وُصف بإتفاقيات أو ترتيبات إستثنائية، حتى دخلت الآلة الدعائية المخزنية في حالة إستنفار قصوى، وعادت الأبواق الإعلامية نفسها التي لا تمل من إعادة تدوير الشعارات ذاتها، لتحدث المغاربة مرة أخرى عن {المكانة الدولية للمغرب } و { الإنتصارات الدبلوماسية } و { العلاقات التاريخية المتميزة } و { النجاحات الإستراتيجية }، وكأننا أمام حدث سيغير وجه المنطقة ويقلب موازين القوى الدولية.

لكن خلف هذا الضجيج المعتاد، يبرز سؤال أكثر أهمية.. لماذا يُطلب من المغاربة الإحتفال قبل أن يعرفوا ماذا يُحضَّر بإسمهم؟؟ ولماذا يجري الترويج لما يسمى بالمعاهدة الإستثنائية وكأنها فتح مبين، بينما لا أحد يعرف حدودها ولا إلتزاماتها ولا آثارها الحقيقية على مستقبل البلاد؟؟
بالنسبة للمعارضة الجمهورية المغربية، فإن القضية لا تتعلق بزيارة بروتوكولية عادية، ولا بمجرد لقاء دبلوماسي بين دولتين مستقلتين، بل تتعلق بطبيعة العلاقة التي تربط النظام المغربي بمراكز النفوذ الدولية التي ظلت لعقود طويلة تمارس تأثيرها المباشر وغير المباشر على القرار المغربي.

ومن هذا المنطلق، يرى كثير من الجمهوريين أن محمد السادس لا يمثل مشروعاً وطنياً مستقلاً بقدر ما يمثل إستمرارية منظومة سياسية وإقتصادية نشأت وترعرعت داخل شبكة معقدة من المصالح الخارجية، تتقاطع فيها حسابات باريس وواشنطن وتل أبيب ومراكز النفوذ المالية والإقتصادية الكبرى.

ولهذا السبب تحديداً لا ينظر هؤلاء إلى الزيارة المرتقبة بإعتبارها زيارة دولة بالمعنى التقليدي، بل بإعتبارها محطة جديدة داخل علاقة وظيفية قديمة، يُعاد خلالها ترتيب المصالح وتوزيع الأدوار وتثبيت التوازنات التي تضمن إستمرار النظام وحمايته، وإستمرار الجهات المستفيدة منه في الوقت نفسه.
لقد أصبح عدد متزايد من المغاربة يعتقدون أن أزمة البلاد لم تعد مرتبطة بسوء التدبير أو فشل السياسات العمومية فقط، بل بطبيعة النظام نفسه.. نظام يرى منتقدوه أنه حول المغرب تدريجياً إلى مجال مفتوح للمصالح الخارجية، وربط قراراته الكبرى بتوازنات لا يملك الشعب المغربي أي سلطة حقيقية عليها.

فحين يتعلق الأمر بالإقتصاد، يجد المواطن نفسه أمام قطاعات إستراتيجية تتحكم فيها شبكات مصالح عابرة للحدود.
وحين يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، يكتشف أن القرارات المصيرية تُتخذ بعيداً عن أي نقاش شعبي حقيقي.
وحين يتعلق الأمر بالأمن أو التحالفات الإستراتيجية، يجد نفسه أمام إتفاقيات وترتيبات لا يعلم عنها شيئاً إلا بعد أن تصبح أمراً واقعاً.
ومن هنا يطرح الجمهوريون سؤالاً بسيطاً لكنه مزعج.. إذا كانت السيادة الوطنية قائمة بالفعل، فلماذا يبدو المواطن المغربي دائماً آخر من يعلم؟
أما الشق الثاني والأكثر أهمية فيتعلق بما يجري تداوله حول المعاهدة الإستثنائية المرتقبة.
صحيح أن تفاصيلها الكاملة لم تُعلن بعد، لكن مجرد الحديث عن إتفاق يوصف بأنه إستثنائي يفتح الباب أمام كل المخاوف والأسئلة المشروعة.
ففي الذاكرة السياسية للمعارضة المغربية، لا تمثل إتفاقيات الماضي مجرد أحداث تاريخية منتهية، بل تمثل نمطاً متكرراً من إدارة العلاقة بين السلطة والقوى الخارجية.. نمط يقوم على إتخاذ قرارات كبرى خلف الأبواب المغلقة، ثم تقديمها لاحقاً بإعتبارها إنتصارات وطنية لا يجوز التشكيك فيها.
ولهذا يرى كثير من المعارضين أن ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد إتفاق إقتصادي أو دبلوماسي عابر، بل محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين باريس ومنظومة الحكم في المغرب لعقود قادمة.
وبالنسبة لهم، فإن جوهر المسألة لا يكمن في عدد الإتفاقيات التي سيتم توقيعها، بل في طبيعة الإلتزامات التي ستترتب عنها، والجهات التي ستستفيد منها، والثمن السياسي والإقتصادي الذي قد يُطلب من المغاربة دفعه مستقبلاً.
فهل نحن أمام شراكة متكافئة بين طرفين مستقلين؟؟… أم أمام مرحلة جديدة من إعادة إنتاج التبعية في ثوب أكثر حداثة ونعومة؟؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
إن فرنسا تدافع عن مصالحها، وهذا أمر طبيعي في منطق الدول، والولايات المتحدة تدافع عن مصالحها، وهذا أيضاً أمر طبيعي، والكيان الصهيوني المحتل يدافع عن مصالحه وفق رؤيته الخاصة، وهذا ليس سراً على أحد.
لكن الإشكال الذي تطرحه المعارضة الجمهورية لا يتعلق بهذان الدولتان والكيان ، بل بمنظومة الحكم المغربية نفسها، فالدول تبحث دائماً عن مصالحها، أما الشعوب فتبحث عمن يدافع عن مصالحها هي، وهنا تحديداً يكمن جوهر الأزمة.

إذ يرى كثير من المنتقدين أن المؤسسة الملكية تحولت مع مرور الوقت من مؤسسة يفترض أن تحمي السيادة الوطنية إلى مؤسسة أصبحت في نظرهم، جزءاً من شبكة المصالح التي تدير العلاقة بين المغرب وهذه القوى الخارجية، أو إن صح التعبير { وكالة سمسرة ووساطة عامة }.
ولهذا لم يعد السؤال بالنسبة لهم ماذا تريد باريس من المغرب؟؟ ولا ماذا تريد واشنطن؟؟ ولا ماذا تريد تل أبيب؟؟ بل أصبح السؤال ماذا بقي للمغاربة أنفسهم داخل هذه المعادلة؟؟
غير أن المسؤولية لا تقع على منظومة الحكم وحدها، فهناك مسؤولية أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في الإنهيار التاريخي الذي أصاب جزءاً كبيراً من النخب السياسية والثقافية والإقتصادية، أي حوالي 99،99% منها !؟
لقد كان من المفترض أن تشكل الأحزاب والنقابات والمثقفون والإعلاميون خط الدفاع الأول عن السيادة والكرامة الوطنية، لكن ما حدث في نظر كثير من المغاربة هو العكس تماماً.
- أحزاب تحولت إلى ديكور إنتخابي.
- نخب فضلت الإمتيازات على المبادئ.
- ️مثقفون إختاروا الصمت حين كان المطلوب منهم الكلام.
- إعلاميون إستبدلوا وظيفة الرقابة بوظيفة التبرير.
وهكذا وجد المواطن المغربي نفسه وحيداً تقريباً في مواجهة منظومة تجمع السلطة والثروة والنفوذ الخارجي في شبكة واحدة متماسكة.
لقد أصبح أخطر ما يهدد المغرب اليوم ليس فقط حجم النفوذ الخارجي، بل غياب القوى الداخلية القادرة على مواجهته أو حتى مساءلته، وحين تنهار مؤسسات الوساطة المجتمعية، يصبح الطريق ممهداً أمام أي سلطة كي تتصرف في مصير البلاد دون رقيب حقيقي.
ولهذا فإن الجدل حول المعاهدة المرتقبة لا يتعلق فقط بمضمونها، بل يتعلق أيضاً بالبيئة السياسية التي ستولد فيها.
- ️بيئة يغيب عنها النقاش الحر.
- تغيب عنها المحاسبة الفعلية.
- ️يغيب عنها حق الشعب في معرفة ما يجري بإسمه.
إن القضية في نهاية المطاف أكبر من زيارة وأكبر من معاهدة وأكبر من لقاء بروتوكولي في باريس.
إنها تتعلق بالسؤال الذي يزداد حضوره داخل الوعي السياسي المغربي عاماً بعد عام :
- ️️من يملك القرار الحقيقي في المغرب؟؟
- من يرسم مستقبله؟؟
- من يحدد أولوياته؟؟
وهل ما زال الشعب المغربي صاحب الكلمة الأولى في قضاياه المصيرية، أم أن دوره إقتصر على التصفيق لقرارات لم يشارك في صنعها؟؟
إن الشعوب لا تفقد سيادتها دفعة واحدة، بل تفقدها تدريجياً عندما تتخلى عن حقها في المعرفة، وعن حقها في المحاسبة، وعن حقها في مساءلة من يتحدث بإسمها.
ولهذا فإن القضية الحقيقية ليست ما إذا كانت باريس ستستقبل محمد السادس إستقبالاً كبيراً أو صغيراً، وليست عدد الإتفاقيات التي ستوقع أو الصور التي ستُلتقط، بل القضية الحقيقية هي ما إذا كان المغاربة مستعدين لإستعادة حقهم في أن يكونوا أصحاب القرار في وطنهم.
لأن كل منظومة تبعية، مهما بدت قوية ومحصنة، لا تستمر إلى الأبد، وكل سلطة تستمد شرعيتها من الخارج أكثر مما تستمدها من شعبها، تبقى في نهاية المطاف رهينة لذلك الخارج.
أما الأوطان فلا يحميها إلا مواطنون أحرار، يعرفون حقوقهم، ويدافعون عنها، ويرفضون أن تتحول بلادهم إلى مجرد ساحة لتقاطع المصالح الدولية أو إلى ملف تفاوضي على موائد الآخرين.

















