مقال رأي بقلم الكاتبة والباحثة الجزائرية: سارة محمد مرزوقي
بوابة الجزائر الإخبارية: ليست كل الحدود مرسومة على الخرائط. هناك حدود تستطيع الجيوش حراستها والسلطات إغلاقها والاتفاقيات تنظيم العبور منها. وهناك حدود أخرى لا تستطيع كل هذه الأشياء أن تفعل أمامها شيئا. حدود تصنعها الذاكرة ويعبرها الصوت والصورة والكلمة.

من هنا يمكن أن نفهم شيئا من الحضور الجزائري في الوجدان المغاربي. فالجزائر لم تدخل المغرب العربي من بوابة السياسة وحدها. دخلته من أبواب أكثر هدوءا وأكثر بقاء. دخلته بأغنية وفيلم ولهجة وحكاية وشخصيات فنية تحولت مع الوقت إلى جزء من الذاكرة المشتركة للمنطقة.
كان الكاسيت في زمن ما أشبه بجواز سفر لا يحتاج إلى ختم. صوت الشاب حسني الذي خرج من وهران لم يبق في وهران. حملته الأشرطة إلى مدن وبلدان بعيدة عن مسقط رأسه. كان يغني عن الحب والفراق والغيرة والوحدة وهي مشاعر لا تحتاج إلى مترجم ولا تعترف بالحدود السياسية.

وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات الثقافة إثارة. قد يختلف الناس حول السياسة لكنهم يتفقون على أغنية. قد تختلف الحكومات لكن ذاكرة المستمع لا تدخل في مفاوضات دبلوماسية.
ولهذا أصبح حسني بالنسبة إلى أجيال مغاربية أكثر من مجرد مطرب جزائري. صار صوتا لمرحلة كاملة من الشباب والحنين والحب الممنوع والقصص التي كانت تجد طريقها إلى الناس عبر شريط صغير يدور داخل جهاز تسجيل.

لم يكن حسني وحده. فالراي نفسه تحول من لون موسيقي خرج من البيئة الجزائرية إلى ظاهرة عبرت الحدود. ومع أصوات مثل خالد ومامي وحسني وغيرهم أصبح للجزائر حضور موسيقي واضح في المجال المغاربي وخارجه.
لكن القصة لم تكن موسيقية فقط. فالسينما الجزائرية حملت معها صورة أخرى للبلد والمنطقة. صورة الإنسان الذي خرج من الاستعمار إلى الاستقلال وهو يحمل أسئلة الذاكرة والهوية والحب والمدينة والريف والحرب والحرية.

لم تكن الشاشة تعرض الجزائر فقط. كانت تعرض جزءا من تاريخ المنطقة. فالمغرب العربي عاش تاريخا متشابكا جعل كثيرا من أسئلته الكبرى متقاربة حتى عندما اختلفت تجاربه الوطنية. ولذلك استطاعت السينما الجزائرية أن تجد جمهورا خارج حدودها لأنها كانت تتحدث عن ذاكرة يمكن للآخر أن يتعرف على بعض ملامحها في نفسه.
ثم جاءت اللهجة. وهي ربما أكثر أدوات النفوذ الثقافي خفاء. فاللهجة لا تدخل عليك باعتبارها مشروع تأثير. لا تعلن عن نفسها. لا تحمل عنوانا سياسيا. تبدأ بكلمة ثم تصبح عبارة ثم تصبح نبرة مألوفة.
وهكذا تحولت مفردات جزائرية كثيرة إلى جزء من قاموس التداول الشعبي في فضاء مغاربي واسع.
إنها القوة الناعمة في أبسط صورها. أن تجعل الآخر يستمع إليك دون أن تطلب منه ذلك. أن يردد أغنيتك دون أن يشعر أنه يستقبل رسالة سياسية. أن يشاهد فيلمك لأنه يريد الحكاية لا لأن أحدا طلب منه أن يشاهد صورة بلدك. أن يتعرف على لهجتك من خلال الفنان قبل أن يتعرف على خطاب الدولة.

وهنا تصبح الثقافة أكثر ذكاء من الدبلوماسية نفسها. الدبلوماسية تحتاج إلى طاولة. أما الأغنية فلا تحتاج إلا إلى أذن. الدبلوماسية تحتاج إلى قاعة. أما الفيلم فيحتاج إلى شاشة. والدبلوماسية تحتاج إلى لغة مشتركة. أما الفن فيصنع لغته الخاصة.
لهذا فإن الحديث عن الحضور الجزائري في المغرب العربي لا ينبغي أن يتحول إلى حديث عن «تفوق» ثقافي على الآخرين. فالثقافات المغاربية جميعها أنتجت فنونها وأصواتها وسينماتها وذاكرتها، وتأثرت ببعضها بعضا بدرجات مختلفة.
لكن خصوصية التجربة الجزائرية تكمن في حجم المادة الثقافية التي خرجت من مجتمع شديد التنوع. من وهران جاء الراي. ومن القبائل جاءت أصوات ومدارس موسيقية حملت لغة وثقافة وخصوصية إلى خارج الحدود. ومن قسنطينة والعاصمة ومن الأوراس والصحراء جاءت طبقات أخرى من الثقافة الجزائرية.

بل إن الجزائر نفسها لم تكن ثقافة واحدة حتى يكون تأثيرها صوتا واحدا. كانت فسيفساء. وربما كان سر قوتها في هذا التعدد.
لقد استطاعت أن تقدم للمغاربي صورة جزائرية مختلفة كل مرة. صورة المدينة. صورة القرية. صورة الشاب. صورة المرأة. صورة المهاجر. صورة العاشق. وصورة الإنسان الذي يحمل تاريخا ثقيلا ويحاول أن يعيش حياة عادية.

ومن هنا تصبح الثقافة الجزائرية أكثر من إنتاج فني. تصبح ذاكرة قابلة للتصدير دون أن تفقد أصالتها.
والأهم أن هذا النفوذ لم يكن دائما نتيجة قرار رسمي. لم تجلس مجموعة من المسؤولين لتقرر أن أغنية جزائرية يجب أن تصل إلى موريتانيا أو ليبيا أو تونس أو المغرب. الفنان هو الذي فعل ذلك. والجمهور هو الذي أكمل المهمة. والكاسيت كان الوسيط. ثم جاءت القنوات الفضائية والإنترنت والمنصات الرقمية لتضاعف المسافة التي تستطيع الثقافة قطعها.
لقد تغيرت الوسائل لكن الفكرة بقيت نفسها:
ما تحجزه الحدود تستطيع الثقافة أن تعبره.
وهنا ربما علينا أن نعيد التفكير في معنى النفوذ. فالدول لا تؤثر فقط عندما تمتلك المال أو السلاح أو النفوذ السياسي. أحيانا تؤثر عندما تجعل الآخرين يتذكرونها.

وحين تصبح أغنية من بلد ما جزءا من طفولة شخص في بلد آخر فإن ذلك البلد يكون قد ترك أثرا لا تستطيع الأرقام وحدها قياسه. وحين يصبح فيلم جزءا من ذاكرة المشاهد يصبح المخرج شريكا في تشكيل صورة ذلك البلد في ذهنه. وحين تدخل لهجة إلى الكلام اليومي فإن الحدود تكون قد خسرت معركة صغيرة دون أن يطلق أحد رصاصة.
لهذا ربما كانت الثقافة الجزائرية واحدة من أكثر السفراء صمتا وأطولهم عمرا. سفير لا يحمل حقيبة دبلوماسية. ولا يحتاج إلى منصب. ولا ينتظر موافقة أحد. يكفيه أن تكون هناك أغنية جميلة وفيلم صادق وكلمة قادرة على أن تعبر من فم إلى آخر.

وفي النهاية قد تنجح السياسة في صناعة اتفاق. لكن الثقافة تستطيع أن تصنع ألفة. والاتفاق قد ينتهي بتغير الحكومات. أما الألفة التي تصنعها أغنية في ذاكرة إنسان فقد تبقى معه طوال العمر.
وربما لهذا كله لم تكن الجزائر بحاجة إلى أن تطرق أبواب المغرب العربي. لقد دخلته من النافذة التي لا تستطيع السياسة إغلاقها: نافذة الثقافة.




















