الأحد, 18 أكتوبر 2026 • 23:16 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
الجزائر في عهد تبون عازمة على استعادة نفوذها الإقليمي والدولي بعد عقود من الغياب! الجزائر تتحرك لضبط الأسواق وتسريع الاستثمار.. قرارات رئاسية تشمل اللحوم والفوسفات والمياه المغرب لا يبلغ 60% من حجم اقتصاد الجزائر.. توقعات 2026 تكشف فارقًا بـ136 مليار دولار بأمر من الرئيس تبون.. التحقيق يطال هؤلاء المستوردين! ‏الرئيس الجزائري يأمر الحكومة بالتنفيذ الفوري لسبعة تدابير لضبط الأسعار ..إليكم الأوامر الرئاسية الجزائر ترفع صوتها من بغداد.. تحرك إسلامي عاجل لدعم فلسطين ومواجهة الأزمات الإقليمية ! الرئيس الجزائري يأمر بفتح تحقيق في الفارق بين أسعار اللحوم المستوردة! انتخابات جنوب السودان 2026: بوابة الاستقرار أم شرارة الانقسام تواصل فعاليات معرض النيابة العامة الدولي للكتاب في دورته الثالثة في العاصمة الليبية ​بورصة الجزائر والتمويل الأخضر..قراءة في أبعاد النظام رقم 26-01 وآفقه الدولية
شارك المقال

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار للخزينة سنويا ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

• الكاتب(ة): عبد الجبار.ب • 0 تعليق • 294 مشاهدة
الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

بوابة الجزائر الإخبارية: يدخل مشروع «بلدنا الجزائر» لإنتاج الحليب ومشتقاته في ولاية أدرار مرحلة التنفيذ الثقيل باستثمار إجمالي يناهز 3.5 مليارات دولار، في أكبر مشروع فلاحي وصناعي متكامل للألبان في إفريقيا والعالم العربي، وأحد أضخم المشروعات من نوعه عالميًا. ولا تقف قيمته عند إنتاج مسحوق الحليب، بل تمتد إلى بناء منظومة تبدأ بزراعة الأعلاف وتربية الأبقار، وتعبر عبر الحلب والتحويل الصناعي، لتصل في مراحلها اللاحقة إلى إنتاج الأجبان واللبن والرايب والياغورت ومنتجات غذائية أخرى ذات قيمة مضافة.

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

ويغطي المشروع مساحة تبلغ 117 ألف هكتار في ولاية أدرار، وهي مساحة تجعل المنشأة الجزائرية أكبر بكثير من قاعدة «بلدنا» القائمة في قطر. وعلى مستوى القطيع تحديدًا، يستهدف المشروع الجزائري الوصول إلى نحو 270 ألف بقرة، مقابل قرابة 23 ألفًا في منشآت الشركة القطرية الحالية، أي ما يقارب 12 ضعفًا. ومن ثم، فإن وصف مشروع أدرار بأنه أكبر بنحو عشر مرات من تجربة «بلدنا» في الدوحة يصبح أقرب إلى الدقة عند القياس بحجم القطيع والطاقة الزراعية والصناعية، وليس بمجرد المقارنة الشكلية بين المساحات.

وتكشف هذه الأرقام أن الجزائر لا تستنسخ تجربة قطر في تحقيق الاكتفاء من الحليب فحسب، وإنما تنقلها إلى مستوى أوسع يناسب سوقًا يتجاوز عدد سكانها 47 مليون نسمة، ويمتلك طلبًا مرتفعًا على مسحوق الحليب ومشتقاته. ويقوم المشروع على ثلاثة أقطاب متكاملة، يضم كل واحد منها مزرعة لإنتاج الحبوب والأعلاف، ووحدة لتربية الأبقار وإنتاج الحليب واللحوم، ومصنعًا لتحويل الحليب الخام إلى مسحوق ومنتجات مصنعة.

وتنفذ العملية عبر شركة «بلدنا الجزائر» المملوكة بنسبة 51% لمجموعة «بلدنا» القطرية و49% للدولة الجزائرية ممثلة في الصندوق الوطني للاستثمار. ويمنح هذا الهيكل الجزائر موقع الشريك داخل رأس المال، بدل الاكتفاء بمنح الأرض والتسهيلات لمتعامل أجنبي، كما يسمح بتوجيه المشروع لخدمة الاحتياجات الوطنية وربطه بسياسة الأمن الغذائي وتقليص فاتورة الواردات.

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

ويجسد هذا النموذج أحد أبرز ملامح الانفتاح الاقتصادي الذي يقوده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والقائم على استقطاب الاستثمار الأجنبي الذي ينشئ أصولًا إنتاجية وينقل التكنولوجيا ويوطن الخبرة، بدل فتح السوق أمام عمليات الاستيراد وإعادة البيع. فالشريك القطري لن يكتفي بتسويق منتجات «بلدنا» في الجزائر، وإنما يستثمر مليارات الدولارات في الأرض والمياه والمزارع والمصانع والتجهيزات والقطيع، بينما تدخل مؤسسات جزائرية في عمليات الإنجاز والمناولة والخدمات.

وبذلك تنتقل العلاقة مع رأس المال الأجنبي من منطق السوق الاستهلاكية إلى منطق القاعدة الإنتاجية. وهذا التحول هو جوهر السياسة الاستثمارية الجديدة للجزائر في عهد الرئيس تبون؛ إذ تُربط الامتيازات والعقار والتسهيلات بإنجاز مشروعات ملموسة، وتوظيف اليد العاملة، ورفع الإنتاج المحلي، وتقليل التبعية للخارج.

وأكدت شركة «بلدنا» القطرية، في أحدث إفصاح مالي وتشغيلي لها، أن الأشغال في أدرار تقدمت خلال النصف الأول من 2026، مع توسيع منشآت المياه الجوفية وشبكات الري، وبدء الأنشطة الزراعية في موسم الربيع، وزراعة الذرة العلفية والذرة الرفيعة السودانية، فضلًا عن تسجيل أولى عمليات حصاد الشعير والقمح.

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

كما تقدمت الأشغال المدنية المتعلقة بمزارع الأبقار ومرافق التحويل، بالتوازي مع أعمال التصميم والهندسة الخاصة بالمصانع والخدمات المشتركة. ويعني ذلك أن المشروع انتقل من الدراسات والعقود إلى تكوين قاعدته الإنتاجية الفعلية، بعدما بدأت الأرض في إنتاج الأعلاف المخصصة للقطيع قبل وصول أولى دفعات الأبقار.

وصنفت المجموعة القطرية مشروع الجزائر بأنه حجر الزاوية في توسعها الدولي وأحد أهم محركات نموها طويل الأجل خارج السوق القطرية. وهذه المكانة لا تعكس جاذبية السوق الجزائرية فقط، بل تؤكد نجاح السلطات في تحويل الأمن الغذائي إلى قطاع قادر على استقطاب رؤوس الأموال والخبرات العالمية. إفصاح «بلدنا» للنصف الأول من 2026

وقد بلغ مجموع الحزمتين الأوليين من العقود التنفيذية أكثر من 1.135 مليار دولار. وتجاوزت قيمة الحزمة الأولى، الموقعة في جويلية 2025، حاجز 500 مليون دولار، وغطت معدات الزراعة والري وحفر الآبار والهياكل المعدنية ومنظومات الحلب والتصنيع، إلى جانب الهندسة والاستشارة وإدارة المشروع.

أما الحزمة الثانية، التي وُقعت في أفريل 2026، فتجاوزت قيمتها 635 مليون دولار، وشملت الأشغال المدنية والمنشآت الزراعية والمرافق السكنية ومحطات الخرسانة وتسوية الأراضي وتوسيع شبكات الري، فضلًا عن برنامج شراء الأبقار الحلوب ونقلها إلى الجزائر.

وتظهر تركيبة هذه العقود أن المشروع لا يقوم على شركة أجنبية واحدة تنجز كل الأشغال ثم تغادر، بل على شبكة من المؤسسات الجزائرية والدولية. فقد أسندت عقود إلى شركات وطنية تنشط في حفر الآبار والأشغال العمومية وتسوية الأراضي وبناء الهياكل والمساكن، بينما انخرطت مؤسسات محلية أخرى في المناولة المرتبطة بالكهرباء والنقل والأخشاب والتجهيز والصيانة والخدمات اللوجستية.

وتسمح هذه المناولة بتوزيع الأثر الاقتصادي على نطاق أوسع من حدود الشركة المشتركة. فكل مزرعة أو مصنع يحتاج إلى شبكات كهربائية، وطرق داخلية، ومنشآت تخزين وتبريد، ووسائل نقل، وهياكل معدنية وخشبية، وخدمات صيانة ومراقبة وأمن وإطعام وإيواء. ومن ثم، تتحول قيمة الاستثمار إلى طلبيات وأجور وعقود تستفيد منها مؤسسات جزائرية صغيرة ومتوسطة، بدل تسرب كامل الإنفاق نحو موردي المعدات في الخارج.

كما ستوفر مرحلة التشغيل طلبًا دائمًا على الأطباء البيطريين والمهندسين الزراعيين وتقنيي الري والحلب والتبريد والتحويل الغذائي، إلى جانب سائقي الشاحنات وعمال المخابر والصيانة والتغليف والتخزين. وتتحدث التقديرات الأساسية عن نحو خمسة آلاف منصب دائم، بينما ترتفع التقديرات إلى أكثر من 15 ألف فرصة عند احتساب وظائف البناء والمناولة وسلاسل التوريد والخدمات غير المباشرة.

وعليه، لا يُختزل أثر المشروع في عدد العمال داخل المزارع والمصانع، بل يمتد إلى بناء اقتصاد محلي جديد في أدرار. فالولاية التي ارتبط نشاطها تاريخيًا بالفلاحة الصحراوية والخدمات تتحول تدريجيًا إلى قطب يجمع الزراعة الصناعية وتربية الأبقار والتحويل الغذائي والخدمات اللوجستية، ما يرفع الطلب على السكن والنقل والتكوين والصيانة والمؤسسات المساندة.

وسيبدأ المشروع في نوفمبر 2026 تنفيذ برنامج جوي لاستقدام 30 ألف بقرة حلوب من سلالة «هولشتاين فريزيان» من الولايات المتحدة. وتُنقل الأبقار عبر 109 رحلات على امتداد عشرة أشهر، بمعدل يقارب 300 رأس في الرحلة الواحدة ونحو عشر رحلات شهريًا.

وسيأتي القطيع من تسع ولايات أميركية، هي أريزونا ونيو مكسيكو وتكساس وكولورادو وأيداهو وكاليفورنيا وكانساس وآيوا وإنديانا. وتتراوح القيمة المقدرة لبرنامج الشراء والنقل والخدمات اللوجستية بين 250 و300 مليون دولار، بما يكشف ضخامة العملية وتعقيدها البيطري واللوجستي. تفاصيل برنامج استقدام الأبقار

وفي المقابل، تتولى شركة «GEA» الألمانية توفير الحلقة التكنولوجية الأساسية لمنظومة الحلب والتصنيع، ضمن عقد تتراوح قيمته بين 140 و170 مليون يورو، صنفته المجموعة الألمانية ضمن أكبر الطلبات المنفردة التي حصلت عليها في تاريخ عدد من فروعها.

وتشمل تجهيزات الشركة محالب آلية كبيرة، وأنظمة فصل وترشيح ومعالجة حرارية، ووحدات التبخير والتجفيف بالرذاذ، وخطوط التعبئة والأتمتة، فضلًا عن تجهيزات إنتاج دهن الحليب اللامائي. وبهذا تمتد التكنولوجيا من التعامل مع الحليب فور خروجه من المزرعة إلى تحويله وتعبئته منتجًا نهائيًا قابلًا للتخزين والتوزيع.

وتصف «GEA» المنشأة بأنها الأكبر عالميًا من نوعها، وحددت نهاية 2027 موعدًا لبدء أول إنتاج من مسحوق الحليب، قبل رفع الأحجام تدريجيًا. كما قدرت قدرة الوحدة الصناعية المشمولة بعقدها بنحو 100 ألف طن سنويًا، في حين تحدد التصورات الكاملة للمشروع، عبر أقطابه ومراحله المختلفة، هدفًا يصل إلى قرابة 194 ألف طن سنويًا. بيان «GEA» الرسمي

ومن الضروري هنا الفصل بين طاقة أول منشأة تدخل التشغيل والقدرة النهائية لجميع مكونات المشروع. فكمية 194 ألف طن لن تتحقق فور تشغيل المصنع الأول، وإنما بعد اكتمال المراحل وارتفاع عدد الأبقار وتوسع إنتاج الأعلاف ودخول وحدات إضافية حيز الخدمة. أما الهدف الاستراتيجي المثبت، فيتمثل في تغطية ما يصل إلى 50% من احتياجات الجزائر من مسحوق الحليب.

وتقدر فاتورة استيراد مسحوق الحليب، وفق اختلاف السنوات والأسعار والكميات، بما يتراوح عادة بين 800 مليون دولار وأكثر من مليار دولار. كما بلغت قيمة واردات بعض فئات الحليب المركز والمجفف مستويات تجاوزت 1.2 مليار دولار في سنوات ارتفاع الأسعار.

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

لذلك، لا يعني تشغيل المشروع أن الخزينة ستحصل تلقائيًا على 1.2 مليار دولار إيرادات سنوية، وإنما أن الجزائر تستطيع، عند بلوغ الطاقات المستهدفة، الاحتفاظ بجزء معتبر من النقد الأجنبي الذي كان يوجه إلى شراء مسحوق الحليب من الخارج. وبما أن المشروع يستهدف تغطية قرابة نصف الطلب، فإن الوفر المباشر سيُحتسب على أساس قيمة الواردات التي يجري تعويضها فعليًا، بعد خصم تكاليف التشغيل والمعدات والمدخلات المستوردة.

ومع ذلك، فإن المكسب الاقتصادي أوسع من مجرد خفض الفاتورة. فالمبلغ الذي كان يغادر البلاد لشراء منتج نهائي سيُعاد تدوير جزء منه داخل الاقتصاد الوطني في صورة أجور وعقود نقل وكهرباء وصيانة وأعلاف وتغليف وخدمات. كما ستتكون أصول زراعية وصناعية دائمة، بدل استهلاك العملة الصعبة في واردات تنتهي قيمتها بمجرد توزيعها.

ولا يتوقف المشروع عند مسحوق الحليب. فالتركيبة المتكاملة للقطيع والمصانع تفتح المجال، في المراحل اللاحقة، لإنتاج الحليب المبستر واللبن والرايب والياغورت والأجبان والزبدة والقشدة ومكونات غذائية أخرى. كما يرتقب أن يرفد السوق باللحوم الحمراء ويسهم في تنمية القطيع الوطني.

ويمثل التوسع في هذه المنتجات المرحلة الأعلى من حيث القيمة المضافة، لأن إنتاج الجبن والياغورت ومشتقات الحليب يسمح بزيادة العائد المحقق من كل لتر، وبناء علامات تجارية محلية، وتقليل واردات منتجات مصنعة أخرى، وفتح إمكانية التصدير إلى أسواق الساحل وغرب إفريقيا عند تحقيق فائض تنافسي.

كما يمنح موقع أدرار المشروع منفذًا طبيعيًا نحو الأسواق الإفريقية جنوب الجزائر. فإذا نجحت مرحلة تلبية الطلب الوطني وارتفعت الكفاءة الإنتاجية، يمكن تحويل الولاية إلى قاعدة لتصدير مسحوق الحليب ومنتجات طويلة الحفظ نحو دول الساحل التي تعتمد بدورها على الواردات وتعاني ضعف صناعة الألبان المحلية.

أما في فرنسا، فلا توجد معطيات رسمية موثوقة تسمح بالقول إن الحكومة الفرنسية أعلنت رفضها للمشروع. غير أن آثاره التجارية لا يمكن أن تريح المصدرين التقليديين للحليب الأوروبي، ومن بينهم الشركات الفرنسية، لأن تغطية نصف الطلب الجزائري تعني انكماش سوق خارجية كبيرة كانت تستوعب مئات آلاف الأطنان سنويًا.

فالجزائر تُعد من أكبر أسواق مسحوق الحليب عالميًا، وقد تراوحت وارداتها خلال السنوات الماضية بين 350 و440 ألف طن سنويًا. وأظهر تقرير لوزارة الزراعة الأميركية أن البلاد استوردت نحو 419 ألف طن في 2022 وكمية مماثلة تقريبًا في 2023، بقيمة سنوية كانت تقدرها وزارة الفلاحة عند نحو 800 مليون دولار قبل احتساب موجات ارتفاع الأسعار اللاحقة. تقرير سوق الحليب في الجزائر

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

وعندما تنتقل الجزائر من استيراد الكميات إلى إنتاج جزء كبير منها محليًا، فإن الخسارة لا تقع على مورد واحد فقط، بل على منظومة من المصدرين وشركات الوساطة والنقل والتأمين. ولهذا يصبح الانزعاج التجاري مفهومًا لدى الجهات التي اعتادت النظر إلى السوق الجزائرية باعتبارها منفذًا دائمًا لفوائض الصناعة الأوروبية.

وتكمن قوة المقاربة التي يقودها الرئيس تبون في أن الرد لم يأت عبر شعارات أو قرارات منع معزولة، وإنما عبر بناء بديل إنتاجي. فالجزائر لا تستبدل المورد الفرنسي بمورد أجنبي آخر فحسب، بل تستبدل تدريجيًا الحليب المستورد بمزارع ومصانع وقطيع وإنتاج فوق أرضها.

ومع ذلك، يبقى نجاح المشروع مرتبطًا بكفاءة إدارة المياه الجوفية، ومردودية الأعلاف، وصحة القطيع، وقدرة المنشآت على العمل في الظروف المناخية الصحراوية، فضلًا عن التحكم في كلفة الإنتاج. كما يتطلب ضمان إدماج المؤسسات الجزائرية في الصيانة والتصنيع والتغليف، حتى لا تتحول التبعية من استيراد مسحوق الحليب إلى استيراد دائم للتجهيزات وقطع الغيار والخدمات التقنية.

ويظهر المسار المسجل حتى الآن أن المشروع يتقدم وفق تسلسل إنتاجي واضح: حفر الآبار وإنجاز الري، ثم زراعة الأعلاف وحصاد أولى المحاصيل، وبعدها بناء المزارع والمصانع، قبل استقبال القطيع والشروع في الإنتاج نهاية 2027. وهذا التسلسل يمنح المشروع أساسًا ميدانيًا لا يتوفر في مشروعات تظل لسنوات عند مستوى مذكرات التفاهم.

وفي المحصلة، لا يمثل «بلدنا الجزائر» مزرعة أبقار عملاقة فقط، بل مشروعًا لإعادة هيكلة سوق الحليب وبناء صناعة غذائية جديدة في الجنوب. فهو الأكبر في إفريقيا والعالم العربي من حيث نطاقه المتكامل المعلن، ويتجاوز بأضعاف تجربة الشركة الأم في قطر، ويوجه أكثر من 3.5 مليارات دولار إلى الزراعة والتربية والتحويل والخدمات.

الأكبر عربيا وإفريقيا..مشروع بلدنا الجزائري القطري .. يوفر 1.2 مليار دولار  للخزينة سنويا  ويقبر لوبي الاستيراد الفرنسي!

كما يعيد المشروع تموقع أدرار على الخريطة الاقتصادية، ويوفر آلاف الوظائف، ويفتح سوقًا واسعة أمام شركات المناولة الجزائرية في الكهرباء والنقل والأخشاب والبناء والصيانة، ويهيئ للانتقال من مسحوق الحليب إلى الأجبان والياغورت واللبن والرايب وبقية المشتقات.

والأهم أن المشروع يقدم ترجمة عملية لانفتاح الرئيس عبد المجيد تبون على الاستثمار الأجنبي المنتج: شراكة تحتفظ فيها الدولة بنسبة 49%، وتأتي بالتمويل والخبرة العالمية، وتبني القدرات داخل الجزائر، وتواجه فاتورة استيراد ثقيلة بأداة أكثر استدامة من القيود الإدارية. فإذا احترمت آجال نهاية 2027 وارتفعت الطاقات تدريجيًا إلى مستوياتها المستهدفة، ستكون الجزائر قد حولت أحد أكبر بنود تبعيتها الغذائية إلى صناعة وطنية، وحرمت الموردين التقليديين من سوق ظل لسنوات مصدرًا ثابتًا لمداخيلهم

#الجزائر قطر#مشروع بلدنا
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إيكونوميست
شارك المقال

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

بوابة الجزائر الإخبارية: بينما يندفع مستوردون كبار إلى شراء القمح الأسترالي والأرجنتيني بأسعار تصل إلى 330 دولارًا للطن لتعويض تعطل شحنات البحر الأسود، تدخل الجزائر موجة الاضطراب بتحصينات بُنيت قبل اشتداد الأزمة: محصول حبوب متوقع عند 5 ملايين طن، ومناقصة مبكرة أمّنت ما يصل إلى 720 ألف طن بنحو 289 دولارًا للطن، وقاعدة موردين واسعة تسمح بتحويل الطلب من الموانئ الروسية عالية المخاطر إلى رومانيا وبلغاريا. وتعكس هذه العناصر رؤية استباقية كرّسها الرئيس عبد المجيد تبون، تقوم على الجمع بين رفع الإنتاج الوطني وتأمين الواردات بدل ترك غذاء الجزائريين رهينة منشأ واحد أو طريق بحري مضطرب.

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

لم تنتظر الجزائر وصول ارتدادات حرب البحر الأسود إلى مخزوناتها حتى تبدأ التحرك، ولم تتعامل مع وفرة القمح في الأسواق العالمية باعتبارها ضمانًا دائمًا للأمن الغذائي. فقد بُنيت المقاربة المعتمدة خلال السنوات الأخيرة على معادلة أكثر صرامة: إنتاج محلي أكبر، ومخزون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، ومناقصات مفتوحة أمام مناشئ متعددة، وشراء مبكر يأخذ في الحسبان مخاطر الشحن والتأمين، لا السعر الاسمي وحده.

وتتضح قيمة هذه المقاربة اليوم، بعدما تسببت الهجمات المتبادلة على السفن ومرافق تصدير الحبوب الروسية والأوكرانية في تأخير أو إلغاء عشرات الشحنات خلال ذروة الموسم، وأجبرت مستوردين آسيويين على التوجه بصورة عاجلة نحو أستراليا والأرجنتين، متحملين فارقًا سعريًا بلغ في بعض الحالات 70 دولارًا للطن مقارنة بشحنات البحر الأسود.

ولا يعني ذلك أن الجزائر أصبحت بمنأى كامل عن ارتفاع الأسعار؛ فهي لا تزال مستوردًا رئيسيًا للقمح، خاصة القمح اللين الموجه إلى صناعة الدقيق والخبز. غير أن البلاد تدخل الصدمة من وضع أفضل نسبيًا، بعدما رفعت إنتاجها المتوقع، ووسعت خياراتها التجارية، ووجهت أحدث مشترياتها نحو مناشئ أوروبية أقل تعرضًا في الوقت الراهن لمخاطر الموانئ الروسية والأوكرانية.

كما لا توجد، حتى الآن، معطيات رسمية عن نقص في المخزون أو اضطراب في تموين السوق الجزائرية. ويتمثل الخطر المباشر في ارتفاع كلفة الشراء والشحن والتأمين إذا طال أمد الأزمة، لا في انقطاع فوري للإمدادات.

الجزائر اشترت قبل القفزة العالمية

في مناقصة دولية أُغلقت مطلع أوت 2026، اشترى الديوان الجزائري المهني للحبوب كمية من القمح اللين تراوحت تقديراتها بين 540 ألفًا و720 ألف طن، بأسعار دارت حول 289 إلى 290 دولارًا للطن شاملة كلفة الشحن.

ورجح متعاملون أوروبيون أن تكون رومانيا وبلغاريا أبرز مصدري الكميات، رغم تقديم عروض روسية أقل سعرًا. ويعكس هذا الترجيح تغيرًا مهمًا في طريقة تقييم العروض؛ إذ لم يعد السعر الأدنى على الورق كافيًا عندما ترتفع احتمالات تأخر السفن أو تعطل التحميل أو زيادة أقساط التأمين.

فقد يتحول العرض الروسي الأرخص إلى صفقة أعلى كلفة إذا تأخرت الناقلة، أو اضطرت إلى تغيير الميناء، أو تحملت رسوم انتظار، أو أُعيدت برمجة الشحنة. ولذلك منح توجيه المشتريات نحو رومانيا وبلغاريا أفضلية لاستقرار التسليم، حتى وإن كان سعر القمح أعلى قليلًا من بعض العروض المنافسة.

وتبدو أهمية هذا القرار أوضح عند مقارنته بما واجهه المشترون الآسيويون بعد أسابيع قليلة فقط. فقد كشف تقرير لـرويترز، نُشر في 3 سبتمبر، أن مستوردين في آسيا اشتروا ما لا يقل عن 500 ألف طن من القمح الأسترالي والأرجنتيني خلال فترة تراوحت بين أسبوع و10 أيام، لتعويض شحنات روسية وأوكرانية لم تصل في مواعيدها.

ودفع المشترون ما بين 315 و330 دولارًا للطن، شاملًا الشحن، مقابل القمح الأسترالي الممتاز، وما بين 310 و315 دولارًا للقمح الأرجنتيني. في المقابل، كانت شحنات البحر الأسود قد حُجزت سابقًا بأسعار تراوحت بين 260 و280 دولارًا للطن.

وبذلك جاء سعر المناقصة الجزائرية الأخيرة أقل بما بين 20 و41 دولارًا للطن من مستويات الصفقات البديلة التي اضطر مستوردون آسيويون إلى إبرامها خلال سبتمبر. وتظل المقارنة تقريبية بسبب اختلاف الجودة ونسبة البروتين والموانئ ومواعيد التسليم، لكنها تظهر بوضوح القيمة التي حققها التوقيت الجزائري المبكر.

فلو اشترت الجزائر 720 ألف طن بسعر وسطي قدره 289.5 دولار للطن، فإن القيمة الحسابية للشحنة تناهز 208.4 ملايين دولار شاملة الشحن. ولو جرى شراء الكمية نفسها عند 315 دولارًا للطن، لارتفعت الكلفة بنحو 18.4 مليون دولار، بينما يصل الفارق إلى قرابة 29.2 مليون دولار عند سعر 330 دولارًا.

ولا تمثل هذه الحسابات قيمة العقد الرسمية، لأن الحجم النهائي والشروط التفصيلية لم يعلنا، لكنها تكشف مقدار الحساسية المالية التي قد تنتج من فارق بضعة أسابيع في توقيت المشتريات.

وكانت الجزائر قد اشترت قرابة 700 ألف طن في مناقصة أغلقت نهاية مارس بنحو 272 دولارًا للطن شاملًا الشحن. وعلى هذا الأساس، ارتفع سعر مناقصة أوت بنحو 17 إلى 18 دولارًا للطن، أي قرابة 6.4%، لكنه بقي دون الأسعار التي فرضتها موجة الشراء الطارئة من أستراليا والأرجنتين.

وهنا تظهر كفاءة التحوط التجاري: الجزائر لم تمنع ارتفاع السعر العالمي، لكنها قلصت درجة تعرضها للقفزة الحادة عبر الشراء قبل بلوغ السوق مستوياتها الجديدة، واختارت موردين أقرب نسبيًا وأكثر قابلية لضمان مواعيد التسليم.

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

محصول 2026 يمنح الجزائر خط الدفاع الأول

تزامن التحوط في الاستيراد مع تحسن قوي في الإنتاج الوطني. فقد توقعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» أن يبلغ محصول الحبوب في الجزائر خلال 2026 نحو 5 ملايين طن، أي أعلى بنحو 30% من المتوسط، ليسجل أكبر حصيلة منذ 2019.

ولا يمثل هذا الرقم إنجازًا زراعيًا معزولًا، بل خط دفاع اقتصاديًا في مواجهة سوق تتعرض لضغوط جيوسياسية ومناخية ولوجستية متلاحقة. فكل طن يُنتج ويُجمع محليًا يقلل الكميات التي يتعين شراؤها بالدولار، ويحد من انتقال ارتفاع الأسعار الخارجية إلى فاتورة الواردات.

ويعكس التحسن نتائج التوجه الذي وضع الأمن الغذائي ضمن أولويات الدولة تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، عبر توسيع المساحات المسقية، وتشجيع الزراعات الاستراتيجية في الجنوب، واستصلاح الأراضي، واستقطاب الاستثمارات الزراعية الكبرى، وتعزيز التخزين وجمع المحاصيل.

وتقوم النظرة الاستشرافية في هذا المسار على عدم اختزال الأمن الغذائي في موسم ممطر أو محصول استثنائي، بل الانتقال تدريجيًا من زراعة شديدة الارتباط بالتساقطات إلى إنتاج يستند بدرجة أكبر إلى الري والتكنولوجيا والبذور المحسنة والتسيير الدقيق للمياه.

فالجزائر لا تستطيع التحكم في حرب البحر الأسود، ولا في أسعار بورصة شيكاغو، ولا في أقساط التأمين البحري. لكنها تستطيع التحكم في مساحة الأراضي المسقية، ووتيرة إنجاز مخازن الحبوب، ومستوى تجميع الإنتاج، ومردودية الهكتار، وتوقيت المناقصات، وعدد الموردين المؤهلين.

وتكتسب زيادة الإنتاج أهميتها القصوى إذا جرى جمع المحصول بكفاءة وتوجيهه إلى المطاحن وشبكات التخزين. فالإنتاج الموجود في الحقول لا يتحول تلقائيًا إلى أمن غذائي ما لم ترافقه قدرة على الحصاد والنقل والتجميع والتخزين والمحافظة على النوعية.

كما أن تقليص خسائر ما بعد الحصاد يمكن أن يضيف كميات فعلية إلى المعروض من دون توسيع المساحات المزروعة. ولذلك تمثل الصوامع ومراكز التجميع والنقل المتخصص حلقة لا تقل أهمية عن الإنتاج نفسه.

ومع ذلك، ينبغي الفصل بدقة بين محصول الحبوب الإجمالي وإنتاج القمح اللين. فتقدير 5 ملايين طن يشمل القمح الصلب والقمح اللين والشعير ومحاصيل أخرى، بينما تتركز حاجة الجزائر الخارجية أساسًا في القمح اللين المستخدم في صناعة الخبز.

ولهذا لن يلغي تحسن المحصول الاستيراد، لكنه يمنح الدولة قدرة أفضل على خفض الكميات المطلوبة، وتوزيع المشتريات زمنيًا، وانتظار فرص سعرية أكثر ملاءمة بدل الاضطرار إلى الشراء تحت ضغط الحاجة الفورية.

توقعات الواردات القديمة لا تعكس محصول 2026

قدرت وزارة الزراعة الأميركية في تقرير صدر سنة 2025 واردات الجزائر من القمح بنحو 9.2 ملايين طن خلال الموسم التسويقي 2025-2026، بالتزامن مع توقعها إنتاجًا محليًا للقمح عند نحو 3 ملايين طن.

لكن هذه الأرقام تسبق التقييم الأحدث لمنظمة الأغذية والزراعة، الذي يتوقع وصول محصول الحبوب الجزائري في 2026 إلى 5 ملايين طن. كما أن رقم 9.2 ملايين طن يخص موسمًا تسويقيًا محددًا، ولا يمكن نقله تلقائيًا إلى موسم 2026-2027 أو اعتباره فاتورة استيراد ثابتة.

وسيكون مقدار التراجع الممكن في الواردات مرتبطًا بحصة القمح داخل محصول الحبوب، ونسبة القمح اللين منه، والكميات التي يجمعها الديوان، وحجم المخزون المرحّل، ومستوى الاستهلاك، واحتياجات المطاحن.

غير أن الاتجاه العام واضح: كلما ارتفع الإنتاج الوطني القابل للتسويق، اتسعت قدرة الجزائر على تقليص الانكشاف على السوق الدولية، أو على الأقل إدارة المشتريات بمرونة أكبر.

وتعزز هذه المرونة قدرة الدولة على حماية نظام دعم الخبز من الصدمات الخارجية. فإذا ارتفعت الأسعار العالمية بصورة حادة، تستطيع الخزينة امتصاص جزء من الزيادة، لكن ذلك يرفع تكلفة الدعم ويضغط على ميزان المدفوعات. أما رفع الإنتاج المحلي، فيعالج أصل الانكشاف بدل الاكتفاء بتغطية آثاره المالية.

كما أن الأمن الغذائي لا يقاس بنسبة الاكتفاء الذاتي وحدها. فقد يكون الاستيراد جزءًا طبيعيًا من توازن السوق، لكن الخطر يظهر عندما يعتمد بلد على مورد واحد أو ممر واحد أو توقيت شراء ضيق. ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين الإنتاج الوطني وتنويع المناشئ وإدارة المخزون.

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

تنويع الموردين يكسر سلاح المنشأ الواحد

اكتسب قمح البحر الأسود حضورًا متزايدًا في السوق الجزائرية بعد تعديل شروط الاستيراد منذ 2020، بما سمح للموردين الروس بالمنافسة بصورة أوسع وقلص الهيمنة التقليدية للقمح الفرنسي.

كما ارتفعت صادرات أوكرانيا إلى الجزائر بقوة، إذ بلغت نحو 1.6 مليون طن بين جويلية 2025 وفيفري 2026، لتصبح الجزائر ثاني أكبر وجهة للقمح الأوكراني خلال تلك الفترة بعد مصر.

ولا يعني اتساع حصة روسيا وأوكرانيا استبدال تبعية قديمة بتبعية جديدة؛ لأن مناقصات الديوان تتيح التوريد من مناشئ اختيارية متعددة، وفق السعر والجودة وشروط التسليم.

وتستطيع الجزائر المفاضلة بين روسيا وأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا وألمانيا ودول البلطيق وكندا والأرجنتين وأستراليا، إلى جانب أي منشأ آخر يستجيب للمواصفات. وهذه القدرة ليست تفصيلًا إجرائيًا، بل أداة سيادية لحماية التموين.

فعندما ترتفع مخاطر الموانئ الروسية، يمكن توجيه الطلب إلى رومانيا وبلغاريا. وإذا تراجع المحصول الأوروبي أو ارتفعت أسعار المنطقة، يمكن توسيع المنافسة لتشمل أميركا الشمالية والجنوبية وأستراليا. كما تستطيع الجزائر تقسيم المشتريات على فترات وشحنات مختلفة لتجنب وضع كامل الكميات تحت خطر سعري أو لوجستي واحد.

ويعكس هذا المسار تحرر القرار التجاري الجزائري من الارتباط التاريخي بمورد بعينه. فالمعيار أصبح مصلحة السوق الوطنية: السعر، والجودة، وسرعة التسليم، وكلفة الشحن والتأمين، وقدرة المصدر على الوفاء بالتزاماته.

وتنسجم هذه البراغماتية مع رؤية الرئيس تبون لبناء قرار اقتصادي أكثر استقلالًا. فالسيادة الغذائية لا تعني إغلاق السوق أمام الواردات، بل امتلاك القدرة على اختيار المورد والتوقيت والكمية من دون الخضوع لاحتكار أو ضغط سياسي.

البحر الأسود يرفع كلفة المخاطر قبل كلفة القمح

شهدت السوق العالمية تغيرًا حادًا منذ نهاية جوان، إذ ارتفعت العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو بنحو 35% حتى مطلع سبتمبر، مدفوعة بنقص الإمدادات واضطراب حركة الشحن في البحر الأسود.

وتصاعدت المخاطر بعد استهداف سفن ومرافق تصدير روسية وأوكرانية. كما أعلنت مجموعة «ADM» الأميركية أن ضربة بطائرة مسيرة في 31 أوت ألحقت أضرارًا بمحطتها لتصدير الحبوب في ميناء أوديسا الأوكراني.

وأصبح مالكو السفن أكثر تحفظًا تجاه الرسو في الموانئ المعرضة للهجمات، ما أدى إلى تأجيل التحميل أو إلغائه ورفع كلفة التأمين. كما اضطرت بعض السفن التجارية إلى استخدام وسائل بدائية للحماية من الطائرات المسيرة، في مؤشر على انتقال المخاطر العسكرية مباشرة إلى سلاسل الغذاء العالمية.

وفي روسيا، بدأت شركات تصدير الحبوب تحويل بعض الشحنات نحو بحر البلطيق بعد تعرض منشآت البحر الأسود وبحر آزوف لتهديدات متزايدة. غير أن قدرة هذا المسار البديل تبقى محدودة.

فقد تعاملت موانئ البحر الأسود وبحر آزوف مع نحو 46.3 مليون طن من صادرات الحبوب الروسية خلال الموسم السابق، بما يعادل قرابة 90% من الشحنات المنقولة بحرًا. في المقابل، لم تتجاوز صادرات الحبوب عبر موانئ البلطيق الروسية نحو مليون طن، بينما تقدر طاقتها القصوى بنحو 7 ملايين طن سنويًا.

وبذلك لا يستطيع البلطيق تعويض المسار الجنوبي إذا طال الاضطراب، ما يعني أن المشكلة لا تتعلق بتغيير ميناء التحميل فقط، بل باختناق محتمل في قدرة التصدير الروسية نفسها.

وتزيد هذه المعادلة من أهمية قرب الجزائر من رومانيا وبلغاريا وموانئ أوروبا، إذ تستطيع الحصول على شحنات بديلة من مسافات أقصر نسبيًا من تلك التي تفصل أستراليا أو الأرجنتين عن المشترين الآسيويين.

كما تقلل مرونة المنشأ من تعرضها لسيناريو دفع أسعار طارئة مرتفعة. فالجزائر لا تنتظر وصول السفن المتأخرة ثم تبحث عن بديل بأي سعر، بل تستخدم المناقصة لخلق منافسة بين عدة مناطق إنتاج.

كم يمكن أن تكلف صدمة الأسعار الجزائر؟

إذا افترضنا، لأغراض الحساب فقط، استيراد 9 ملايين طن، فإن ارتفاع السعر الوسطي بمقدار 10 دولارات للطن يضيف 90 مليون دولار إلى الفاتورة. وإذا بلغت الزيادة 30 دولارًا، ترتفع التكلفة الإضافية إلى 270 مليون دولار، بينما تعني زيادة 50 دولارًا نحو 450 مليون دولار.

ولا تمثل هذه الأرقام توقعًا للفواتير الجزائرية؛ فهي تفترض انتقال الزيادة إلى جميع الكميات، في حين يشتري الديوان الحبوب على دفعات وبأسعار ومواعيد ومناشئ مختلفة، كما أن جزءًا من الاحتياجات قد يكون مؤمنًا بعقود سابقة أو مغطى بالمخزون والإنتاج المحلي.

ويستطيع محصول 2026 تخفيف أثر الأسعار بطريقتين. تتمثل الأولى في خفض الحجم المطلوب من الخارج، بينما تتعلق الثانية بمنح الديوان وقتًا أوسع لاختيار توقيت المناقصات بدل الشراء العاجل.

فإذا أدى تحسن الإنتاج المحلي، على سبيل المثال، إلى تقليص الواردات بمليون طن، فإن ذلك يوفر قيمة مشتريات تصل إلى 300 مليون دولار عند سعر 300 دولار للطن، قبل احتساب تكاليف التخزين الداخلي وجمع المحصول. ويظل هذا المثال حسابيًا، لأن الخفض الفعلي سيتحدد وفق تركيبة الإنتاج والمخزون والاستهلاك.

ومهما كان الرقم النهائي، فإن الاتجاه الاقتصادي ثابت: الاستثمار في الإنتاج المحلي والتخزين أقل تعرضًا للمفاجآت من تغطية كامل الطلب عبر سوق تتحكم فيها الحروب والمناخ والشحن وأسعار العملات.

تبون يحصّن أمن الجزائر الغذائي.. محصول بـ5 ملايين طن ومناقصات ذكية تكسر صدمة القمح

رؤية تبون تنقل الأمن الغذائي من رد الفعل إلى الاستباق

تكشف أزمة البحر الأسود القيمة العملية للرؤية التي وضعها الرئيس تبون لقطاع الفلاحة، والقائمة على التعامل مع الحبوب بوصفها مسألة سيادة وطنية، لا مجرد نشاط موسمي تحدده الأمطار.

فالتوسع الزراعي في الجنوب، ورفع المساحات المسقية، وتشجيع الاستثمارات الكبرى، وتطوير التخزين، وفتح المنافسة بين الموردين، ليست ملفات منفصلة؛ بل عناصر ضمن منظومة واحدة هدفها حماية السوق الوطنية من الصدمات الخارجية.

كما تُظهر الأزمة أن القرار الصحيح لا يكون دائمًا شراء العرض الأرخص، بل اختيار العرض الأكثر أمانًا عند احتساب جميع المخاطر. وهذا ما تعكسه مناقصة أوت، إذ رجح المتعاملون توجه الكميات نحو رومانيا وبلغاريا رغم وجود عروض روسية أقل سعرًا.

ومن هذه الزاوية، لم تدفع الجزائر علاوة غير مبررة، بل اشترت قدرًا أكبر من اليقين في وقت كانت فيه مخاطر البحر الأسود تتصاعد. وبعد أسابيع، اضطرت أسواق أخرى إلى دفع أسعار بلغت 330 دولارًا للطن للحصول على بدائل عاجلة.

وتمنح حصيلة متوقعة عند 5 ملايين طن البلاد خط دفاع داخليًا، بينما توفر مناقصات المنشأ الاختياري خط دفاع خارجيًا. أما المخزون وقدرات الجمع والتخزين، فيمثلان الحلقة التي تربط الإنتاج بالمستهلك وتمنع الصدمة العالمية من التحول إلى اضطراب محلي.

ومع ذلك، تظل المرحلة المقبلة حاسمة. فنجاح الموسم لن يقاس بحجم المحصول المقدر فقط، وإنما بالكميات التي جرى جمعها فعليًا، ونوعية الحبوب، وقدرة الصوامع على استيعابها، ومدى وصولها إلى المطاحن، وحجم الانخفاض الذي يمكن تحقيقه في الواردات.

كما ستتحدد كلفة الأزمة وفق نتائج المناقصات الجديدة، وتطور أسعار الشحن والتأمين، ومدة تعطل موانئ روسيا وأوكرانيا، ومدى قدرة رومانيا وبلغاريا والموردين الآخرين على توفير الكميات المطلوبة.

غير أن المؤشرات المتاحة حتى الآن تمنح الجزائر موقعًا أكثر أمانًا من كثير من المستوردين. فلا يوجد إعلان رسمي عن نقص أو اضطراب في التموين، في حين يتجه المحصول إلى أعلى مستوى منذ سبع سنوات، وتملك الدولة حرية الانتقال بين موردين متعددين، وقد سبقت موجة الأسعار بشراء كمية كبيرة قبل اشتداد الاضطراب.

وبذلك، لا تواجه الجزائر أزمة البحر الأسود برد فعل ظرفي، بل بمنظومة تحوط تجمع الأرض والمخزون والمناقصة والتوقيت. وهي مقاربة تعكس استشرافًا اقتصاديًا أدرك مبكرًا أن القمح لم يعد سلعة تجارية فقط، بل ورقة جيوسياسية، وأن الدولة التي تريد حماية قرارها لا تترك خبز مواطنيها رهينة حرب بعيدة أو ميناء واحد أو مورد يحتكر شروط البيع.

#الحصاد#القمح#عبد المجيد تبون
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إفريقيا
شارك المقال

توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاع الأشغال العمومية بين الجزائر والنيجر !

توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاع الأشغال العمومية بين الجزائر والنيجر !

بوابة الجزائر الإخبارية : في إطار تجسيد مخرجات الدورة الثانية للجنة المشتركة الكبرى الجزائرية–النيجرية، المنعقدة بنيامي شهر مارس المنصرم ، واستكمالا لما تم الاتفاق عليه خلال زيارة وزير التجهيز والبنية التحتية لجمهورية النيجر، ساليسو ماهامان ساليسو، إلى الجزائر شهر جوان ، استقبل وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، عبد القادر جلاوي، وفدا هاما يقوده الأمين العام لوزارة التجهيز والبنية التحتية لجمهورية النيجر، عبد الله أوما أحمد، مرفوقا بمديرين عامين لمخابر قطاع التجهيز والبنية التحتية بجمهورية النيجر.

توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاع الأشغال العمومية بين الجزائر والنيجر !

وقد خُصص هذا اللقاء لتبادل وجهات النظر حول سبل تجسيد بروتوكول التعاون الموقّع بنيامي ، ومتابعة تنفيذ مذكرات التفاهم بين الهيئة الوطنية للرقابة التقنية للأشغال العمومية (CTTP) والمخبر المركزي للأشغال العمومية (LCTP)، ونظيرتيهما بجمهورية النيجر، بالإضافة إلى بحث آفاق توسيع مجالات الشراكة وتعزيز القدرات التقنية بين الجانبين.

https://twitter.com/algatedz/status/2095568614594085045

وفي ذات السياق، تم التطرق إلى جملة من البرامج المزمع التوقيع عليها، لاسيما مشروع اتفاقية خاصة بين الهيئة الوطنية للرقابة التقنية للأشغال العمومية (CTTP) ومركز جودة الأشغال العمومية للنيجر (CPTP)، ومشروع مخطط عمل بين المؤسستين، إلى جانب مشروع اتفاقية للتكوين وإعادة التأهيل بين المخبر المركزي للأشغال العمومية (LCTP) والمخبر الوطني للأشغال العمومية والبناء بالنيجر (LNTPB)، فضلًا عن مشروع برنامج لتكوين الإطارات التقنية لجمهورية النيجر.

توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في قطاع الأشغال العمومية بين الجزائر والنيجر !

وقد تُوّجت سلسلة المشاورات بالتوصل إلى توقيع اتفاقيات خاصة بين المخابر المذكورة، وكذا اعتماد الصيغة النهائية لمخطط العمل، ومباشرة الانطلاق الفعلي في تجسيده ميدانيا، لا سيما في مجال نقل الخبرات والتكوين التقني في مختلف مجالات قطاع الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، بما يعزز التعاون وتبادل الخبرات ويرتقي بالعلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين.

#الجزائر#النيجر
شارك المقال
الكاتب(ة)
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر وقطر على خط تثمين سبل الشراكة…لقاء إقتصادي يفتح ٱفاقا جديدة أمام رجال الأعمال !

الجزائر وقطر على خط تثمين سبل الشراكة…لقاء إقتصادي يفتح ٱفاقا جديدة أمام رجال الأعمال !


بوابة الجزائر الإخبارية : استقبل وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، البروفيسور كمال رزيق، اليوم ، وفدًا من رجال الأعمال القطريين برئاسة الشيخ محمد بن فهد محمد آل ثاني، وذلك في إطار تعزيز التواصل مع الفاعلين الاقتصاديين، وبحث سبل تطوير التعاون والشراكة بين المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين والقطريين.


وشكل اللقاء مناسبة لاستعراض مختلف فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري المتاحة بين البلدين، لاسيما في المجالات ذات الأولوية، بما من شأنه دعم المبادلات التجارية وفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات ورجال الأعمال من الجانبين.

الجزائر وقطر على خط تثمين سبل الشراكة…لقاء إقتصادي يفتح ٱفاقا جديدة أمام رجال الأعمال !


كما تم التطرق إلى أهمية تعزيز الشراكات بين المؤسسات الجزائرية والقطرية، وتشجيع المبادرات الاقتصادية المشتركة التي من شأنها خلق قيمة مضافة ودعم المصالح الاقتصادية للبلدين.


ويأتي هذا اللقاء في سياق الجهود الرامية إلى ترقية العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجزائر وقطر، وتكثيف التواصل بين رجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين، بما يساهم في بناء شراكات مثمرة ومستدامة وخلق فرص جديدة للتعاون والاستثمار.

#الجزائر#قطر
شارك المقال
الكاتب(ة)
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر تمسك بورقة البرميل داخل «أوبك+».. تثبيت أكتوبر يمهّد لمعركة مليارية على حصص 2027

الجزائر تمسك بورقة البرميل داخل «أوبك+».. تثبيت أكتوبر يمهّد لمعركة مليارية على حصص 2027

بوابة الجزائر الإخبارية: تدخل الجزائر اجتماع الدول السبع المحورية في تحالف «أوبك+»، المقرر الأحد 6 سبتمبر، وهي تدافع عن معادلة دقيقة: حماية قيمة البرميل من أي ضخ متسرع، والمحافظة في الوقت نفسه على كامل قدرتها الإنتاجية تمهيدًا للاستحقاق الأكبر المتعلق بإعادة ضبط خطوط أساس الإنتاج لعام 2027.

الجزائر تمسك بورقة البرميل داخل «أوبك+».. تثبيت أكتوبر يمهّد لمعركة مليارية على حصص 2027

فالاجتماع المرتقب لا يتعلق بكمية إضافية عابرة فحسب، بل يأتي عند نقطة تحول داخل التحالف، بعدما انتهت في سبتمبر عملية إعادة 1.65 مليون برميل يوميًا من التخفيضات الطوعية التي بدأت سنة 2023. وبذلك تنتقل الجزائر، إلى جانب السعودية وروسيا والعراق والكويت وكازاخستان وعُمان، من إدارة الزيادات الشهرية إلى مواجهة أكثر حساسية: من يملك القدرة الحقيقية على الإنتاج، وكم برميلًا سيُسمح لكل دولة بضخه مستقبلًا؟

وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة تحدثت إلى «رويترز»، يتجه الاجتماع الافتراضي، الذي يُنتظر انطلاقه عند منتصف النهار بتوقيت الجزائر، إلى تثبيت سياسة الإنتاج خلال أكتوبر. غير أن هذا السيناريو يظل مرهونًا بالمداولات النهائية وبتقييم بيانات العرض والطلب والمخزونات وحركة الشحن العالمية.

تثبيت أكتوبر.. مكسب جزائري بلا براميل مجانية للسوق

بالنسبة إلى الجزائر، يمثل وقف الزيادات خلال أكتوبر الخيار الأكثر اتزانًا في المرحلة الحالية. فهو يجنب السوق موجة إمدادات جديدة قد تضغط على الأسعار، من دون أن يفرض على البلاد تنازلًا إنتاجيًا إضافيًا أو يقلص قدرتها على الاستفادة من المستويات السعرية المرتفعة.

وكانت الدول السبع قد أقرت رفع أهداف إنتاج سبتمبر بنحو 188 ألف برميل يوميًا، مستكملة بذلك التراجع التدريجي عن التخفيض الطوعي البالغ 1.65 مليون برميل يوميًا. لكن الزيادة المدرجة في الجداول لا تعني أن الكمية نفسها وصلت إلى المشترين؛ إذ بقي الإنتاج الفعلي دون المستويات الاسمية نتيجة اضطراب التدفقات الخليجية عبر مضيق هرمز، وتضرر منشآت روسية، وتعطل جانب من صادرات كازاخستان.

وهنا تبرز صلابة المقاربة التي تدافع عنها الجزائر داخل التحالف: السوق لا تحتاج إلى أرقام مرتفعة على الورق، وإنما إلى براميل قابلة للإنتاج والنقل والتسليم. وأي قرار يتجاهل أمن الممرات وقدرات الدول الفعلية قد يؤدي إلى قراءة خاطئة للمعروض، ثم إلى تصحيح حاد ومكلف في الأسعار.

وقد بلغ خام برنت 95.63 دولارًا للبرميل عند تسوية جلسة الأربعاء، مقابل 91.01 دولارًا لخام غرب تكساس الوسيط، قبل أن يتراجع قليلًا في تعاملات الخميس مع استمرار المخاطر المرتبطة بالمواجهة الأميركية الإيرانية واضطراب الملاحة عبر هرمز.

وعند هذه المستويات، تصبح حماية السعر أحيانًا أكثر جدوى من مطاردة زيادة محدودة في الكميات. فكل دولار إضافي في متوسط سعر البرميل يرفع الإيراد الإجمالي النظري لمبيعات مليون برميل بمليون دولار، قبل احتساب تكاليف الإنتاج والنقل وشروط العقود وفروق الجودة.

كما أن إنتاج عشرة آلاف برميل يوميًا عند سعر 95 دولارًا يعادل رقم أعمال نظريًا يقارب 347 مليون دولار سنويًا. لذلك فإن إدارة البرميل الجزائري لا تُختزل في عدد الوحدات المنتجة، بل في أفضل توازن بين الكمية والسعر والقدرة على التصدير.

وتظهر هنا قيمة وجود الجزائر داخل النواة التنفيذية المصغرة لـ«أوبك+». فهي ليست دولة تتلقى القرارات بعد اكتمالها، وإنما طرف حاضر في المداولات التي تضبط إيقاع الإمدادات، وتراقب الالتزام، وتحدد توقيت إضافة البراميل أو حجبها عن السوق.

معركة 2027.. كل برميل في خط الأساس يساوي مئات ملايين الدولارات

إذا كان قرار أكتوبر مكسبًا تكتيكيًا، فإن تحديد خطوط أساس 2027 يمثل المعركة الاقتصادية والاستراتيجية الأثقل. فهذا الخط ليس حصة إنتاج جاهزة، لكنه المستوى المرجعي الذي تُحسب انطلاقًا منه التخفيضات والزيادات المستقبلية، ولذلك يمكن لأي تعديل فيه أن يوسع أو يضيّق المساحة الإنتاجية المتاحة للدولة لسنوات.

وتخضع القدرات المستدامة للدول الأعضاء حاليًا لمراجعة فنية تتولاها شركة «DeGolyer and MacNaughton» الأميركية المتخصصة في تقييم الاحتياطات والطاقة الإنتاجية. ومن المنتظر تسليم النتائج إلى «أوبك» بنهاية سبتمبر، قبل فتح مفاوضات يُرجح أن تكون من أعقد جولات التفاوض داخل التحالف.

وبالنسبة إلى الجزائر، لا يتعلق الملف بمكانة رمزية على جدول الحصص، بل بأصل اقتصادي وسيادي قابل للتحويل مباشرة إلى إنتاج وصادرات وإيرادات.

فإضافة عشرة آلاف برميل يوميًا إلى الحصة المستقبلية تعادل 3.65 ملايين برميل سنويًا، بقيمة إجمالية نظرية تبلغ نحو 328.5 مليون دولار عند سعر 90 دولارًا للبرميل، وترتفع إلى قرابة 346.8 مليون دولار عند سعر 95 دولارًا.

أما خمسون ألف برميل يوميًا، فتمثل 18.25 مليون برميل في السنة، بقيمة نظرية تقارب 1.64 مليار دولار عند سعر 90 دولارًا. وهذه الحسابات لا تمثل أرباحًا صافية أو توقعًا مسبقًا لما ستحصل عليه الجزائر، لكنها تكشف لماذا تتحول بضعة آلاف من البراميل في مفاوضات خطوط الأساس إلى ملف مالي بالغ الحساسية.

ولا تدخل الجزائر هذه المفاوضات بالشعارات، بل بملف يرتكز على الاستثمار في المنبع، وحفر الآبار، وتحسين مردودية الحقول، واسترجاع الإنتاج المتراجع، وتحديث منشآت المعالجة والنقل. فالقدرة التي سيعترف بها التحالف يجب أن تكون مستدامة وقابلة للقياس، لا مجرد طاقة تصميمية غير مستخدمة.

ولهذا تمثل النتائج الميدانية لاستثمارات «سوناطراك» وشركائها ورقة التفاوض الأهم. فكل بئر تدخل الإنتاج، وكل حقل يستعيد جزءًا من طاقته، وكل انخفاض في فترات التوقف، يتحول إلى دليل فني يدعم حق الجزائر في خط أساس يعكس إمكاناتها الجديدة.

وتنسجم هذه المقاربة مع السياسة الطاقوية التي ترسخت بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، والقائمة على إعادة الاعتبار للاستثمار المنتج، وتجديد الاحتياطات، وتوسيع نشاط الاستكشاف، وتعزيز السيادة على القرار الطاقوي. فحماية الحصة داخل «أوبك+» تبدأ من الحقول الجزائرية، قبل أن تنتقل إلى طاولة المفاوضات الدولية.

الجزائر تمسك بورقة البرميل داخل «أوبك+».. تثبيت أكتوبر يمهّد لمعركة مليارية على حصص 2027

تراجع قدرات منتجين كبار يمنح الجزائر وزنًا إضافيًا

تجري مراجعة خطوط الأساس في وقت تظهر فيه فجوة متزايدة بين الحصص النظرية والقدرات الفعلية لبعض المنتجين الكبار. وقد أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أن إنتاج بلاده سيتراجع قليلًا خلال 2026، عازيًا ذلك جزئيًا إلى أعمال صيانة غير مقررة في المصافي.

كما خفضت مسودة حكومية روسية تقديرات الإنتاج للفترة بين 2026 و2029 بما يتراوح بين 16 و20 مليون طن مقارنة بتوقعات ماي. وتراجع تقدير إنتاج 2026 إلى 494.2 مليون طن، أو نحو 9.88 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى متوقع منذ 17

ويمنح هذا التراجع أهمية أكبر للدول التي تستطيع إثبات قدرتها على تشغيل حصصها بانتظام. فداخل سوق مضطربة، تصبح الموثوقية جزءًا من القوة التفاوضية: الدولة القادرة على الإنتاج والتسليم والمحافظة على منشآتها تختلف عن عضو يملك حصة اسمية لا يستطيع تحويلها إلى براميل فعلية.

وتستفيد الجزائر هنا من عناصر قوة متراكمة: منشآت إنتاج ونقل وتخزين وتصدير قائمة، قطاع خدمات نفطية متطور، خبرة تشغيلية تمتد عقودًا، وموقع قريب من الأسواق الأوروبية، فضلًا عن استقرار مؤسساتي يجعل الإمدادات الجزائرية أكثر قابلية للتوقع.

كما تتيح السياسة الجزائرية القائمة على تنويع الشراكات، مع الإبقاء على «سوناطراك» في مركز القرار، جلب التكنولوجيا ورأس المال والخبرة من دون التفريط في السيادة على الموارد. وهذه المعادلة تمنح الجزائر قدرة على توسيع الإنتاج، وفي الوقت نفسه إبقاء قرار الاستثمار والتسويق منسجمًا مع مصالحها الوطنية.

الجزائر تمسك بورقة البرميل داخل «أوبك+».. تثبيت أكتوبر يمهّد لمعركة مليارية على حصص 2027

الجزائر تفاوض على قيمة البرميل لا على عدده فقط

لن تكون مصلحة الجزائر في الحصول على أعلى حصة ممكنة مهما كان الثمن. فالاندفاع الجماعي نحو رفع خطوط الأساس قد يتحول إلى سباق إنتاج يضعف تماسك «أوبك+» ويفتح الباب أمام وفرة تهوي بالأسعار، فتربح الدول براميل إضافية على الورق وتخسر مليارات الدولارات في السوق.

لهذا تبدو المعادلة الجزائرية أكثر نضجًا: الدفاع عن خط أساس عادل يعكس القدرة الحقيقية، مع المحافظة على الانضباط الذي يصون قيمة النفط. فالبرميل الذي يباع بسعر مستقر ومجزٍ أكثر فائدة من زيادة كمية تؤدي إلى انهيار السعر.

ويظل تثبيت أكتوبر، إذا أقره اجتماع الأحد، رسالة إلى السوق بأن الدول السبع لن تضخ إمدادات إضافية لمجرد أن الجداول تسمح بذلك. كما يمنح التحالف وقتًا لقياس أثر عودة التخفيضات السابقة، ومراقبة حركة هرمز، وتقييم الإنتاج الروسي والكازاخستاني، قبل اتخاذ خطوة جديدة.

أما بالنسبة إلى الجزائر، فإن الاجتماع يمثل مرحلة أولى في مسار تفاوضي أكبر. فهي مطالبة بحماية ثلاثة مكاسب مترابطة: سعر يمنح صادراتها قيمة عادلة، وحصة تسمح باستغلال طاقتها الإنتاجية، وخط أساس لعام 2027 يعترف بالاستثمارات والقدرات التي راكمتها.

وبذلك تدخل الجزائر غرفة قرار «أوبك+» لا بوصفها منتجًا هامشيًا ينتظر تسويات الكبار، بل دولة طاقوية ذات صوت محسوب، وخبرة تفاوضية، وقرار سيادي تدعمه رؤية الرئيس تبون لإعادة تثبيت البلاد قوةً موثوقة في هندسة أمن الطاقة العالمي.

فتثبيت إنتاج أكتوبر قد يحمي السوق لشهر واحد، أما معركة خطوط الأساس فستحدد وزن الجزائر النفطي لسنوات. وبين القرارين، تتمسك البلاد بالقاعدة الأذكى في إدارة الثروة: ليست القوة في ضخ أكبر عدد من البراميل، بل في امتلاك البرميل، وتوقيت إنتاجه، والدفاع عن قيمته.

#أوبك#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

إنجاز تكنولوجي عالمي: الذكاء الاصطناعي الجزائري يتربع على عرش الصدارة عبر تطبيق “Ayor AI”

إنجاز تكنولوجي عالمي: الذكاء الاصطناعي الجزائري يتربع على عرش الصدارة عبر تطبيق “Ayor AI”

في خطوة تؤكد الكفاءة العالية للكوادر الجزائرية وقدرتها على المنافسة والابتكار في أقوى المحافل التكنولوجية الدولية، حقق تطبيق “Ayor AI” الجزائري إنجازاً تاريخياً بانتزاعه المرتبة الأولى في التحدي العالمي “Agentic AI landing page creation” حيث تمكن التطبيق الجزائري من التفوق بجدارة على 752 تطبيقاً ومنصة متخصصة في الذكاء الاصطناعي من مختلف أرجاء العالم , ويعكس هذا الرقم الضخم للمشاركين حجم الإنجاز الذي حققته المنصة، ليثبت أن الكفاءات التكنولوجية الجزائرية قادرة على تجاوز الحدود ووضع بصمتها في صدارة المشهد الرقمي العالمي وابتكار حلول تتفوق على نظيراتها الأجنبية.
ويختص تطبيق “Ayor AI” بتقديم حلول متطورة وخدمات احترافية في بناء صفحات الهبوط (Landing Pages) ومواقع التجارة الإلكترونية بالاعتماد على أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يوفر للمستخدمين تجربة سلسة، سريعة، وعالية الجودة تواكب أحدث المعايير التقنية وتلبي احتياجات السوق الرقمية المتسارعة.

وفي سياق هذا التتويج، عبر السيد “علي مقراني”، مؤسس التطبيق، عن فخره واعتزازه البالغين بهذا الفوز الذي يرفع الراية الوطنية عالياً في سماء التكنولوجيا، مؤكداً أن هذا الإنجاز هو ثمرة جهد وعمل دؤوب لتطوير منتج يضاهي ويتفوق على كبرى المنصات العالمية.


إن هذا الانتصار ليس مجرد نجاح لشركة واحدة، بل هو نقطة انطلاق واعدة وإلهام حقيقي للبيئة التكنولوجية في الجزائر. ويفتح هذا التتويج الباب واسعاً أمام المزيد من التطبيقات والمشاريع الجزائرية الرائدة لتحقيق نمو متسارع، وريادة المشهد التكنولوجي سواء على المستوى المحلي أو العالمي.

#الجزائر#الذكاء الاصطناعي
شارك المقال
الكاتب(ة)
عماري محمد
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر تفتح ممرًا نفطيًا مزدوجًا نحو الساحل.. وقود الطائرات مقابل تسويق مليون برميل من خام النيجر

الجزائر تفتح ممرًا نفطيًا مزدوجًا نحو الساحل.. وقود الطائرات مقابل تسويق مليون برميل من خام النيجر

بوابة الجزائر الإخبارية: في أقل من 24 ساعة، حوّلت الجزائر علاقتها النفطية مع النيجر إلى تجارة تسير في اتجاهين: شحنة من الخام النيجري تُسوّق دوليًا بمشاركة «سوناطراك» عبر الساحل البنيني، ووقود طائرات جزائري يغادر مصفاة أدرار نحو السوق النيجرية. وبهاتين العمليتين، اللتين وضعتا الجزائر ضمن أبرز الصفقات النفطية المسجلة في أوت 2026، بدأت تتشكل سلسلة أعمال إقليمية تجمع التكرير والتسويق والحفر والجيوفيزياء والتوزيع، وتمنح المجمع الجزائري موقعًا متقدمًا في سوق الطاقة بالساحل.

الجزائر تفتح ممرًا نفطيًا مزدوجًا نحو الساحل.. وقود الطائرات مقابل تسويق مليون برميل من خام النيجر

لا تستمد العمليتان أهميتهما من قيمة مالية معلنة، لأن «سوناطراك» والشركة النيجرية للمنتجات النفطية «سونيديب» لم تكشفا أسعار العقود أو حجم برنامج التوريد، وإنما من التحول الذي أحدثتاه في طبيعة العلاقة بين البلدين. فالجزائر لم تعد تتعامل مع النيجر بوصفها سوقًا لبيع منتج نهائي فقط، كما أن النيجر لم تعد بالنسبة إلى «سوناطراك» مجرد بلد يمتلك احتياطات وفرصًا للاستكشاف، بل أصبحت جزءًا من منظومة تجارية تتبادل فيها المواد والخدمات والخبرة.

ويكشف هذا النموذج عن مقاربة جزائرية أكثر نضجًا في التوسع الإفريقي؛ إذ تستثمر البلاد في الأصول التي تمتلكها بالفعل، وفي مقدمتها مصفاة أدرار وقدرات «سوناطراك» التجارية وفروعها المتخصصة، بدل حصر حضورها في تصدير النفط والغاز من الشمال إلى الأسواق التقليدية.

ومن خلال الجمع بين توريد وقود الطائرات والمساهمة في تسويق الخام النيجري، انتقلت الجزائر من اتفاقات التعاون إلى عمليات تتطلب إدارة شحنات فعلية، وتحديد مواصفات، وتنظيم النقل، وضبط الجودة، والتعامل مع المشترين والأسواق الدولية. كما فتحت المجال أمام توسيع النشاط لاحقًا ليشمل الحفر والمسح السيزمي وتوزيع الوقود وصناعة الزفت.

وقد أدرج التقرير الشهري لمنصة «الطاقة» المتخصصة العمليتين ضمن أكبر الصفقات النفطية خلال أوت 2026، إلى جانب اتفاقات سعودية محتملة تجاوزت 3.7 مليار دولار، وبيع 10 ملايين برميل من الخام إلى مصافٍ صينية، واتفاقية تقاسم إنتاج بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية و«شيفرون»، ومشروع مسح سيزمي في مصر يغطي 110 آلاف كيلومتر مربع.

ولا يمكن وضع العمليتين الجزائريتين في ترتيب مالي مباشر مع تلك الصفقات، لأن قيمتهما لم تُعلن. غير أن تصنيفهما بين أبرز عمليات الشهر يعكس ثقلهما التجاري والاستراتيجي، خصوصًا أنهما تنقلان التعاون الجزائري–النيجري من الوعود والمذكرات إلى تدفقات نفطية حقيقية.

تدفقات متعاكسة تصنع ممرًا تجاريًا واحدًا

بدأت أولى حلقات هذا المسار في 14 أوت 2026، عندما حملت «سوناطراك» و«سونيديب» أول شحنة من خام «ميلك» النيجري جرى تسويقها بصورة مشتركة، انطلاقًا من محطة سيمي النفطية في بنين.

ولم يكشف البيان الرسمي لـ«سوناطراك» حجم الشحنة أو قيمتها أو وجهتها النهائية، مكتفيًا بالإعلان عن تنفيذ أول عملية تحميل ضمن التسويق المشترك. غير أن تقارير اقتصادية منشورة في بنين أشارت إلى مغادرة الناقلة «Ottoman Sincerity» محطة سيمي–كبودجي محملة بنحو مليون برميل من الخام، تنفيذًا لعقد مؤرخ في 22 جويلية 2026.

وفي اليوم التالي، بدأت «سوناطراك» تسليم أولى شحنات وقود الطائرات «Jet A1» إلى النيجر، تنفيذًا لعقد بيع وشراء أبرم مع «سونيديب». وانطلقت الإمدادات من مصفاة أدرار «RA1D»، لتتحول المنشأة الواقعة في الجنوب الجزائري إلى قاعدة تموين إقليمية تتجاوز وظيفتها تلبية الطلب الوطني.

وخلال يومين، تشكلت معادلة تجارية متكاملة: النيجر تستفيد من خبرة «سوناطراك» في تسويق خامها والوصول به إلى السوق الدولية، بينما تستفيد الجزائر من فتح منفذ جديد لمنتجاتها المكررة في عمق الساحل.

ويختلف هذا النموذج عن العلاقة التقليدية القائمة على طرف يبيع وطرف يشتري؛ إذ تقوم الشراكة هنا على تبادل الأدوار داخل سلسلة القيمة. فالجزائر تبيع منتجًا عالي المواصفات، وتقدم في الوقت نفسه خبرتها التجارية لخدمة الخام النيجري، بينما تتحول النيجر إلى مورد للخام وسوق للوقود وشريك محتمل في الخدمات النفطية.

ومع ذلك، يجب التمييز بين المشاركة في تسويق الشحنة وشراء مليون برميل لحساب «سوناطراك». فالمعلومة الرسمية المتاحة تؤكد وجود عملية تسويق مشتركة، لكنها لا تثبت أن المجمع الجزائري اشترى كامل الكمية أو تحمل قيمتها التجارية. وقد يكون دوره مرتبطًا بالبحث عن المشترين، أو التفاوض، أو ترتيب الشحنة، أو تقاسم مهام التسويق مع «سونيديب».

كما لم تعلن الشركتان الكميات الدورية من وقود الطائرات، أو مدة عقد التوريد، أو آلية التسعير. ولذلك لا يمكن حتى الآن احتساب رقم الأعمال أو هامش الربح أو القيمة السنوية المتوقعة. أما المعطى المؤكد، فهو بدء التنفيذ وانتقال المنتجات بين البلدين فعليًا.

«سوناطراك» تمنح خام النيجر طريقًا إلى السوق الدولية

تُنتج النيجر خام «ميلك» من حقول أغاديم، ثم تنقله عبر خط أنابيب يمتد قرابة ألفي كيلومتر وصولًا إلى الساحل البنيني، حيث تشكل محطة سيمي منفذه البحري إلى الأسواق الدولية.

ومن خلال دخول «سوناطراك» مسار التسويق، تحصل النيجر على خبرة مؤسسة تدير منذ عقود عقودًا دولية معقدة، وتتعامل مع شركات تكرير وتجار وشركات شحن في أسواق متعددة. كما تملك الجزائر معرفة متقدمة في توقيت البيع، واختيار المشترين، وإدارة المخاطر السعرية واللوجستية، وترتيب التحميل وتسوية العمليات التجارية.

ولا تحتاج الجزائر، في هذه الحالة، إلى إنشاء ميناء أو أنبوب جديد لنقل الخام النيجري، لأن شبكة أغاديم–سيمي قائمة وتصل إلى الساحل البنيني. وهذا يسمح لـ«سوناطراك» بالدخول إلى النشاط من بوابة التجارة والتسويق، مع تقليص النفقات الرأسمالية المباشرة مقارنة بالدخول في مشروع نقل جديد.

كما تمنح العملية المجمع الجزائري فرصة للتعرف ميدانيًا إلى خصائص خام «ميلك»، وسلوك المشترين تجاهه، وفروق تسعيره، وكلفة نقله، ومدى ملاءمته للمصافي المختلفة. وإذا تطور التعاون إلى شحنات منتظمة، تستطيع «سوناطراك» بناء محفظة تجارية جديدة لا تعتمد فقط على تسويق الخام الجزائري.

وهذا المسار ينسجم مع تحول شركات الطاقة الوطنية الكبرى من مؤسسات إنتاجية إلى شركات متكاملة تنشط في التداول والتسويق والخدمات. فالقيمة لا تتحقق دائمًا بامتلاك البرميل، وإنما قد تنشأ من معرفة السوق، والوصول إلى المشترين، وإدارة النقل والتوقيت والمخاطر.

وبذلك تستثمر الجزائر واحدة من نقاط قوتها الأكثر رسوخًا: خبرتها الطويلة في التعامل مع أسواق الطاقة الدولية. وهي خبرة تحولت، في الحالة النيجرية، من مورد داخلي لـ«سوناطراك» إلى خدمة تجارية قابلة للتصدير.

الجزائر تفتح ممرًا نفطيًا مزدوجًا نحو الساحل.. وقود الطائرات مقابل تسويق مليون برميل من خام النيجر

مصفاة أدرار تتحول إلى ذراع تموين للساحل

في الاتجاه المقابل، يحمل تصدير وقود الطائرات «Jet A1» من مصفاة أدرار أهمية تتجاوز الشحنة الأولى. فالعملية تختبر قدرة الجزائر على تحويل منشآت التكرير الجنوبية إلى قاعدة تموين للأسواق الواقعة جنوب الحدود، بدل اقتصار نشاطها على تغطية الطلب الوطني.

ويمنح الموقع الجغرافي للمصفاة أفضلية مقارنة بمنشآت التكرير الموجودة على الساحل الجزائري، لأنها أقرب نسبيًا إلى النيجر وأسواق الساحل. ويمكن لهذا القرب أن يقلص جزءًا من مسافات النقل البري، ويدعم بناء سلسلة إمداد تنطلق من أدرار نحو المعابر الجنوبية.

غير أن الجدوى التجارية ستبقى مرتبطة بكلفة النقل والتأمين، وانتظام الكميات، وجاهزية الصهاريج والمخازن، وسرعة الإجراءات الحدودية، وقدرة الشبكة اللوجستية على المحافظة على مواصفات الوقود حتى نقطة التسليم.

ويُصنف «Jet A1» ضمن المنتجات النفطية التي تخضع لمتطلبات تقنية صارمة، بسبب استعماله في الطيران المدني وتأثير أي خلل في جودته أو تخزينه في السلامة الجوية. ولذلك فإن تصديره لا يقتصر على تحميل شاحنات ونقلها عبر الحدود، بل يتطلب مراقبة النوعية، وتوثيق سلسلة التداول، وضمان سلامة الخزانات ووسائل النقل، وإجراء الفحوص اللازمة عند مختلف نقاط التسليم.

ومن هذه الزاوية، يحمل بدء التوريد دلالة على أن التعاون تجاوز الإعلان السياسي إلى تنفيذ عقد يستند إلى ترتيبات فنية ولوجستية وتجارية. كما يعكس قدرة الصناعة التكريرية الجزائرية على توفير منتج مطابق للمواصفات المطلوبة داخل سوق إقليمية جديدة.

وإذا تحولت الدفعات الأولى إلى برنامج منتظم، يمكن لمصفاة أدرار أن تصبح قاعدة لتزويد أسواق أخرى في الساحل بوقود الطائرات ومنتجات نفطية إضافية. فعدد من دول المنطقة يعاني ضعف قدرات التكرير، ويعتمد على إمدادات تأتي من موانئ بعيدة، ما يرفع كلفة الوقود ويزيد تعرض السوق للاضطرابات اللوجستية.

وتتيح هذه الفجوة للجزائر فرصة بناء مركز توزيع جنوبي يستند إلى إنتاج محلي وخبرة «سوناطراك» وشبكات «نفطال». غير أن توسيع النموذج يحتاج إلى استثمارات في التخزين والنقل، وإلى عقود طويلة نسبيًا تضمن الكميات وتبرر تطوير البنية اللوجستية.

كما يرفع التصدير مستوى استغلال مصفاة أدرار، ويوسع قاعدة عملائها، ويحولها من وحدة مرتبطة بالسوق الداخلية إلى أصل يخدم سياسة الجزائر الاقتصادية تجاه إفريقيا. وهذه نقلة مهمة، لأن القيمة الحقيقية للمنشآت لا تقاس بطاقتها النظرية فقط، بل بقدرتها على الوصول إلى أسواق جديدة وتحقيق تدفقات مستمرة.

من شحنتين إلى سلسلة نفطية متكاملة

لا تمثل عمليتا أوت بداية معزولة، وإنما نتيجة مسار مؤسساتي انطلق بمذكرة تفاهم بين «سوناطراك» و«سونيديب» في الأول من أكتوبر 2024، ثم توسع في 2 جوان 2026 بتوقيع ثلاث مذكرات تعاون بين الشركة النيجرية وعدد من فروع المجمع الجزائري.

وتتعلق المذكرة الأولى، الموقعة مع المؤسسة الوطنية للجيوفيزياء «إيناجيو»، بجمع البيانات السيزمية في النيجر ومعالجتها وتفسيرها. ويتيح تنفيذها للشركة الجزائرية دخول سوق الاستكشاف النيجري بخبرة متراكمة في المسح الجيوفيزيائي ودراسة الأحواض.

أما المذكرة الثانية، المبرمة مع المؤسسة الوطنية للأشغال في الآبار «إينافور»، فتستهدف إنشاء شركة مشتركة لتنفيذ عمليات الحفر. وإذا انتقلت إلى عقد نهائي، فستمنح الجزائر حضورًا مباشرًا في تطوير الحقول، بدل اقتصار دورها على التجارة والتسويق.

وتشمل المذكرة الثالثة تعاون «نفطال» و«سونيديب» في توزيع المنتجات النفطية وإنجاز مراكز التعبئة والتكوين، إلى جانب إنشاء شركة مشتركة لصناعة الزفت وتركيبه وتخزينه وتوزيعه.

ويكشف هذا المسار أن المقاربة الجزائرية لا تبحث عن صفقة منفردة أو سوق مؤقتة، بل تعمل على بناء سلسلة تمتد من المسح السيزمي والحفر إلى إنتاج الخام وتسويقه، ثم توريد الوقود وتخزينه وتوزيعه، وصولًا إلى صناعة الزفت وخدمات الطرق.

وبذلك تستطيع الجزائر تحقيق ثلاثة أصناف من الإيرادات: عائدات بيع المنتجات المكررة، ومداخيل تسويق الخام النيجري، وإيرادات الخدمات النفطية والهندسية. وإذا تحولت المذكرات إلى عقود تنفيذية، ستصبح فروع «سوناطراك» جزءًا من مراحل متعددة داخل الصناعة النفطية النيجرية.

كما يمنح هذا التكامل الجزائر قدرة أعلى على تثبيت حضورها؛ فالشركة التي تبيع شحنة واحدة قد تغادر بانتهاء العقد، أما المجموعة التي تشارك في الجيوفيزياء والحفر والتسويق والتوزيع والتكوين، فإنها تبني مصالح طويلة الأجل يصعب اختزالها في صفقة ظرفية.

ويعكس إدماج عدة فروع أيضًا قدرة المجمع الجزائري على تقديم عرض متكامل. فبدل دخول كل مؤسسة منفردة، تتحرك «سوناطراك» بمنظومة تشمل الاستكشاف والخدمات والتجارة والتكرير والتوزيع، وهي ميزة تنافسية مهمة داخل أسواق تبحث عن شريك يمتلك الخبرة والحلول عبر كامل سلسلة القيمة.

الصفقات الجزائرية تختلف عن سباق المليارات

تصدرت السعودية قائمة الصفقات النفطية في أوت 2026 من حيث القيم المعلنة، عبر اتفاقات محتملة تجاوزت 3.7 مليار دولار لشراء معدات الحفر والأنابيب وتطوير التعاون الرقمي، إلى جانب بيع 10 ملايين برميل من الخام لشركات تكرير صينية.

وفي ليبيا، اتجه النشاط نحو اتفاقية تقاسم إنتاج بين المؤسسة الوطنية للنفط و«شيفرون»، تتعلق باستكشاف مساحة تبلغ 7437 كيلومترًا مربعًا في حوض سرت. أما في مصر، فتمحور المشروع حول تنفيذ مسح سيزمي يغطي نحو 110 آلاف كيلومتر مربع، تمهيدًا لتوفير بيانات جديدة وطرح فرص استثمارية.

في المقابل، اختارت الجزائر مسارًا مختلفًا قائمًا على تحقيق تدفقات تجارية سريعة بالاستناد إلى أصول موجودة: مصفاة تعمل في أدرار، وقدرة تجارية لدى «سوناطراك»، وشبكة تصدير للخام النيجري قائمة عبر بنين، وفروع جزائرية جاهزة لتقديم الخدمات.

ويقلص هذا النموذج الفترة الفاصلة بين التوقيع وتحقيق أول نشاط تجاري، خلافًا لمشروعات الاستكشاف التي تحتاج إلى سنوات من المسح والحفر والتقييم قبل بلوغ الإنتاج.

كما أن عدم إعلان القيمة لا ينتقص من أهمية الصفقتين، لكنه يفرض قراءة دقيقة لهما. فالمؤشر الأساسي حاليًا ليس رقم الإيرادات، وإنما بدء حركة تجارية مزدوجة واختبار قدرة الشركات الجزائرية والنيجرية على تنفيذها.

وسيحدد نجاح المرحلة المقبلة عدد من المؤشرات، أبرزها انتظام شحنات وقود الطائرات، وحجم الكميات السنوية، واستقرار سلسلة النقل، وتكرار عمليات تسويق خام «ميلك»، والقيمة التي تضيفها «سوناطراك» إلى سعر البيع والوصول إلى المشترين.

كذلك سيبقى الانتقال من مذكرات التفاهم إلى العقود التنفيذية معيارًا حاسمًا. فإذا أنشئت شركات مشتركة للحفر والزفت، وبدأت «إيناجيو» تنفيذ المسوح، ودخلت «نفطال» نشاط التخزين والتوزيع، فإن التعاون سيتحول إلى منصة أعمال جزائرية داخل الساحل، وليس مجرد تبادل محدود للشحنات.

الجزائر تفتح ممرًا نفطيًا مزدوجًا نحو الساحل.. وقود الطائرات مقابل تسويق مليون برميل من خام النيجر

الجزائر تحول الجنوب إلى واجهة اقتصادية إفريقية

تتجاوز دلالة صفقات أوت قطاع النفط، لأنها تقدم نموذجًا لكيفية تحويل الجنوب الجزائري من مساحة حدودية إلى قاعدة إنتاج وتصدير وخدمات موجهة نحو إفريقيا.

فمصفاة أدرار لا تصبح مهمة فقط بما تنتجه للسوق الوطنية، بل بقدرتها على تموين دول الجوار. كما لا تقتصر قيمة خبرة «سوناطراك» على بيع المحروقات الجزائرية، بل تمتد إلى إدارة شحنات خام تملكه دول إفريقية أخرى.

وتنسجم هذه المقاربة مع توجه الجزائر نحو بناء علاقات اقتصادية أعمق مع دول الساحل، تقوم على المصالح المتبادلة وربط الاستقرار بالتنمية والطاقة. فالنيجر تحصل على وقود مطابق للمواصفات وخدمات فنية وتجارية، بينما تفتح الجزائر أسواقًا جديدة أمام منتجاتها وشركاتها وخبرتها.

كما تملك هذه الشراكة قابلية للتوسع خارج النيجر. فإذا أثبت المسار البري انطلاقًا من أدرار جدواه، يمكن تطويره لتزويد أسواق أخرى في الساحل بالوقود والزفت والخدمات النفطية. وإذا نجحت تجربة التسويق المشترك لخام «ميلك»، تستطيع «سوناطراك» عرض خبرتها على منتجين أفارقة آخرين يحتاجون إلى النفاذ للأسواق الدولية.

غير أن بناء منصة إقليمية حقيقية يتطلب تجاوز نجاح الشحنة الأولى إلى انتظام العمليات، والإعلان عن عقود واضحة، وتطوير التخزين والنقل، وضبط آليات التسعير، وتأهيل المعابر والخدمات اللوجستية.

كما ينبغي قياس المحتوى الجزائري في المشروعات المشتركة، وعدد الوظائف والتكوينات الناتجة عنها، وحصة المؤسسات الوطنية من الخدمات والمعدات. فالقيمة الاقتصادية الأوسع لا تأتي من المبيعات وحدها، بل من تشغيل سلاسل هندسية ولوجستية وتجارية حولها.

وبهذه الرؤية، لا تمثل عمليتا أوت مجرد إدراج للجزائر في قائمة شهرية لأكبر الصفقات النفطية. إنهما أول اختبار تجاري لنموذج أكثر طموحًا، تتحول فيه «سوناطراك» من مورد للمحروقات إلى منصة متكاملة للتكرير والتسويق والخدمات داخل الساحل.

فالجزائر لم تكتفِ بإرسال وقود الطائرات إلى النيجر، بل ساعدتها أيضًا على إخراج خامها إلى السوق الدولية. وهذا التبادل المتوازن يمنح العلاقة أساسًا اقتصاديًا أكثر صلابة، ويضع الخبرة الجزائرية في قلب سلسلة الطاقة النيجرية.

أما الرهان المقبل، فيتمثل في تحويل أولى الشحنات إلى تدفقات منتظمة، والمذكرات إلى مشروعات، ومصفاة أدرار إلى قطب تموين إقليمي، ووجود «سوناطراك» في النيجر إلى منصة أعمال تمتد من باطن الحقول إلى خزانات الوقود. وعندها تصبح صفقات أوت نقطة انطلاق فعلية لتوسع جزائري مدروس في واحدة من أكثر أسواق الطاقة الإفريقية قابلية للنمو.

#الجزائر#النيجر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

أزيد من 1.200 قنطار في الهكتار الواحد.. ولاية غليزان الجزائرية تحقق إنتاجا قياسيا في الطماطم الصناعية!

أزيد من 1.200 قنطار في الهكتار الواحد.. ولاية غليزان الجزائرية تحقق إنتاجا قياسيا في الطماطم الصناعية!

بوابة الجزائر الإخبارية: اختتمت ولاية غليزان حملة جني الطماطم الصناعية الخاصة بالموسم الفلاحي 2025-2026 على وقع حصيلة إيجابية، بعدما تجاوز حجم الإنتاج 1,2 مليون قنطار، تم جمعها من مساحة إجمالية تقارب 1000 هكتار.

وسجلت هذه الشعبة مردودية معتبرة فاقت 1200 قنطار في الهكتار الواحد، وذلك حسب ما كشف عنه رئيس مصلحة تنظيم الإنتاج والدعم التقني بمديرية المصالح الفلاحية لولاية غليزان، حسين جبار، لوكالة الأنباء الجزائرية، والذي أبرز أن الإنتاج تحقق بفضل الإمكانيات الفلاحية التي تزخر بها المناطق المنتجة.

https://twitter.com/algatedz/status/2095089687480201283

وتنتشر زراعة الطماطم الصناعية عبر عدة بلديات بالولاية، ويتعلق الأمر بسيدي خطاب وبلعسل ووادي رهيو ويلل والمطمر وجديوية والحمادنة، وهي مناطق تعرف بقدراتها الكبيرة في إنتاج هذا المحصول.

وفسر المسؤول وفرة المحصول بالإجراءات الموجهة لمرافقة الفلاحين ودعمهم، سواء من الناحية المادية أو من خلال المتابعة التقنية والمرافقة الميدانية، وهي التدابير التي ساهمت في تحسين الإنتاج ورفع مردودية المساحات المزروعة.

أزيد من 1.200 قنطار في الهكتار الواحد.. ولاية غليزان الجزائرية تحقق إنتاجا قياسيا في الطماطم الصناعية!

كما تستفيد شعبة الطماطم الصناعية من برنامج دعم توفره الدولة لفائدة المنتجين، حيث يحصل الفلاح على إعانة مالية تقدر بأربعة دنانير عن كل كيلوغرام من الطماطم المنتجة، في إطار تشجيع هذه الزراعة وتعزيز مكانتها ضمن الإنتاج الفلاحي.

ويبلغ عدد الفلاحين المنخرطين في برنامج دعم شعبة الطماطم الصناعية على مستوى ولاية غليزان أكثر من 50 فلاحا، وفقا لإحصائيات مصالح مديرية القطاع.

أزيد من 1.200 قنطار في الهكتار الواحد.. ولاية غليزان الجزائرية تحقق إنتاجا قياسيا في الطماطم الصناعية!

وبعد انتهاء عملية الجني، يتم توجيه محصول الطماطم الصناعية نحو وحدات التحويل والإنتاج، سواء الموجودة داخل ولاية غليزان أو المتواجدة بولايات عنابة وسطيف والبليدة وتيبازة وتلمسان، حيث يخضع المحصول لعمليات التحويل والتصنيع.

#الجزائر#الطماطم
شارك المقال
الكاتب(ة)
إيكونوميست
شارك المقال

الجزائر تقود أكبر ممر غازي في إفريقيا.. مشروع بـ13 مليار دولار يعيد رسم خريطة الطاقة من لاغوس إلى أوروبا

الجزائر تقود أكبر ممر غازي في إفريقيا.. مشروع بـ13 مليار دولار يعيد رسم خريطة الطاقة من لاغوس إلى أوروبا

بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد نيجيريا تبحث فقط عن منفذ لتسويق احتياطاتها الغازية، ولم تعد النيجر مجرد حلقة جغرافية بين غرب إفريقيا وشمالها؛ فالبنية التحتية التي شيّدتها الجزائر على مدى عقود جعلت حاسي الرمل نقطة الارتكاز القادرة على تحويل أنبوب الغاز العابر للصحراء إلى منظومة متكاملة للنقل والمعالجة والتسييل والتصدير. ومن هذا الموقع، تتقدم الجزائر لقيادة ممر طاقوي بطول 4128 كيلومترًا واستثمارات تقديرية تقارب 13 مليار دولار، يربط الغاز النيجيري بالأسواق الإفريقية والدولية بطاقة قد تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا.

الجزائر تقود أكبر ممر غازي في إفريقيا.. مشروع بـ13 مليار دولار يعيد رسم خريطة الطاقة من لاغوس إلى أوروبا

ولا تكمن قوة المشروع في الأنبوب وحده، بل في الاقتصاد الذي يمكن أن ينشأ حوله؛ إذ تفتح محطات الضغط والمعالجة، ومصانع الأسمدة والبتروكيمياء، وشبكات الكهرباء، والخدمات الهندسية واللوجستية، مجالًا لتحويل محور الجزائر–النيجر–نيجيريا إلى سلسلة قيمة قارية. أما الجزائر، فلا تدخل هذا المشروع بصفتها دولة عبور، وإنما بوصفها مركزًا للقيادة التقنية والتجارية، مستندة إلى خبرة «سوناطراك» وشبكة تصدير متصلة بأوروبا ومنشآت تسييل تمنح الغاز الإفريقي أكثر من طريق نحو الأسواق العالمية.

وتكشف التطورات المسجلة خلال 2026 أن المشروع بدأ يغادر تدريجيًا دائرة الدراسات والاتفاقات السياسية نحو التنفيذ الميداني. ففي 4 جوان 2026، أطلقت «سوناطراك» رسميًا الأشغال المرتبطة بالمقطع الجزائري انطلاقًا من أولف بولاية أدرار، بحضور وزراء الطاقة في الجزائر ونيجيريا والنيجر ومسؤولي الشركات الوطنية الثلاث المشاركة في المشروع.

ولا يمثل الشروع في المقطع الجزائري مجرد تقدم تقني، بل يعكس قرار الجزائر توظيف قدراتها الهندسية وموقعها المتوسطي وشبكتها الغازية لتحويل المشروع إلى أصل اقتصادي إفريقي. فالرهان يتجاوز مد أنابيب بين ثلاث دول، ليشمل ربط مناطق الإنتاج الواقعة في غرب إفريقيا بمنشآت المعالجة والتصدير الجزائرية، وإقامة سوق طاقة إقليمية تتوزع منافعها على امتداد الممر.

ويمتد المسار الكامل لأنبوب «Trans-Sahara Gas Pipeline» من مناطق إنتاج الغاز في نيجيريا، مرورًا بالنيجر، وصولًا إلى حاسي الرمل، القلب التشغيلي لمنظومة الغاز الجزائرية. وتتراوح قدرته المخططة بين 20 و30 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تقدر كلفته التاريخية بنحو 13 مليار دولار، وهي قيمة تبقى قابلة للمراجعة وفق نتائج الدراسات النهائية وأسعار الأشغال والمعدات وتكاليف التمويل والحماية.

الجزائر تقود أكبر ممر غازي في إفريقيا.. مشروع بـ13 مليار دولار يعيد رسم خريطة الطاقة من لاغوس إلى أوروبا

حاسي الرمل يمنح المشروع منفذًا جاهزًا نحو الأسواق

تتمثل أفضلية الجزائر في أن نهاية الأنبوب لا تقع عند نقطة معزولة، بل داخل منظومة غازية متكاملة جرى تطويرها وتشغيلها على مدى عقود. فمن حاسي الرمل، يستطيع الغاز الوصول إلى شبكة النقل الوطنية، ومحطات الضغط والمعالجة، وأنابيب التصدير العابرة للمتوسط، ومنشآت التسييل في أرزيو وسكيكدة، فضلًا عن الموانئ والخدمات المرتبطة بها.

ويمر المقطع الجزائري المخطط بمحاذاة الطريق العابر للصحراء وبالقرب من بنى تحتية غازية قائمة، انطلاقًا من الحدود مع النيجر وصولًا إلى المركز الوطني لتوزيع الغاز في حاسي الرمل. ويقلص هذا الاختيار الحاجة إلى فتح ممر لوجستي منفصل، ويسمح بالاستفادة من الطرق ومراكز الصيانة والاتصالات وخطوط الإمداد الموجودة.

ومن حاسي الرمل، تملك الجزائر عدة خيارات لتوجيه الكميات. إذ يمكن ضخ الغاز نحو إيطاليا عبر أنبوب «ترانسميد» الممتد من الجزائر عبر تونس، أو نحو إسبانيا من خلال «ميدغاز» الذي يصل بني صاف بألميريا، فضلًا عن تحويل جزء من الغاز إلى شحنات مسالة داخل مركبات أرزيو وسكيكدة ثم توجيهها إلى أسواق خارج نطاق الأنابيب.

وتبلغ قدرة أبرز خطوط الربط المباشر بين الجزائر وأوروبا، ممثلة في «ترانسميد» و«ميدغاز»، قرابة 43 مليار متر مكعب سنويًا، وفق بيانات «سوناطراك». ويمنح ذلك الأنبوب العابر للصحراء نقطة وصول إلى شبكة تصدير تعمل فعليًا، بدل بناء منظومة مستقلة تمتد من مناطق الإنتاج إلى السوق النهائية.

وهنا تظهر القيمة الاقتصادية للموقع الجزائري؛ فالبلاد لا تعرض أراضيها ممرًا جغرافيًا فقط، وإنما تضع تحت تصرف المشروع منظومة كاملة للنقل والضغط والمعالجة والتسييل والتخزين والتسويق. وبذلك تتجاوز العوائد المحتملة رسوم العبور، لتشمل خدمات متعددة تمتد عبر حلقات سلسلة الغاز.

ويمكن للجزائر تحصيل إيرادات مقابل نقل الكميات ومعالجتها وضغطها وتسييلها، فضلًا عن رفع معدلات استغلال منشآتها. كما تستطيع «سوناطراك»، إذا منحتها الصيغة التجارية النهائية للمشروع هذه الصلاحيات، أداء دور في تجميع الغاز وتسويقه وتوجيهه إلى المشترين وفق مستويات الطلب والأسعار وطبيعة عقود التوريد.

غير أن تحويل هذه المزايا إلى إيرادات فعلية يتطلب تحديد المساحة المتاحة داخل الشبكة الجزائرية بعد تلبية الاستهلاك الوطني وعقود التصدير القائمة، إلى جانب ضبط خصائص الغاز النيجيري واحتياجاته من المعالجة والضغط. ولذلك ينبغي أن تفصل العقود المقبلة بوضوح بين ملكية الغاز ورسوم العبور وتكاليف النقل والمعالجة والتسييل والتسويق.

ولا تمثل هذه التفاصيل تعقيدات ثانوية، بل الأساس التجاري للمشروع. فنيجيريا تملك الاحتياطات ومصدر الكميات، والنيجر تضمن الاستمرارية الجغرافية، بينما تقدم الجزائر الخبرة والبنية التحتية ومنافذ الوصول إلى الأسواق. ويتعين أن تعكس الصيغة النهائية وزن كل دولة ومساهمتها والمخاطر التي تتحملها.

الجزائر تقود أكبر ممر غازي في إفريقيا.. مشروع بـ13 مليار دولار يعيد رسم خريطة الطاقة من لاغوس إلى أوروبا

«APPO» تمنح الجزائر موقع القيادة الطاقوية

وضعت منظمة الدول الإفريقية المنتجة للنفط «APPO» مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء في قلب افتتاحيتها الرسمية لشهر سبتمبر 2026 حول دمج أسواق الطاقة الإفريقية، ولم تتعامل معه باعتباره خطًا لتوجيه الغاز النيجيري إلى أوروبا فقط، بل نموذجًا لبناء سوق طاقة إقليمية تولد نشاطًا صناعيًا وتنمويًا على امتداد مساره.

واعتبرت المنظمة أن الجزائر ونيجيريا تمتلكان المقومات التي تؤهلهما لقيادة المشروع. فنيجيريا توفر الاحتياطات والقاعدة الإنتاجية، بينما تملك الجزائر الخبرة التقنية والمؤسساتية في تطوير الحقول وإنجاز الشبكات وتشغيل الأنابيب ومعالجة الغاز وتسييله وتسويقه داخل الأسواق الدولية.

أما النيجر، فلا يقتصر دورها على منح حق المرور؛ إذ تمثل الحلقة الجغرافية الضرورية لربط غرب إفريقيا بشمالها، كما تستطيع الاستفادة من الغاز في توليد الكهرباء وتشغيل الصناعات المحلية، إضافة إلى عائدات العبور وفرص العمل والاستثمارات المرتبطة بمحطات الضغط والصيانة والخدمات.

ويمنح تصور المنظمة الجزائر موقعًا يتجاوز نهاية الأنبوب. فالخبرة التي راكمتها «سوناطراك» في بناء وتشغيل واحدة من أكبر منظومات الغاز في إفريقيا تؤهلها للمساهمة في الدراسات والهندسة والإنجاز والصيانة والتكوين وإدارة التدفقات.

كما أن الجزائر لم تبن مكانتها الطاقوية على امتلاك الاحتياطات فقط، بل على قدرتها على تحويل الغاز ونقله وتسييله والوفاء بعقود طويلة الأجل مع أسواق كبرى. وقد حافظت منشآتها على استمرارية الإمدادات رغم الاضطرابات الحادة التي شهدتها أسواق الطاقة، ما عزز صورة البلاد شريكًا موثوقًا في أمن الطاقة.

وتستطيع الشركات الجزائرية، في حال منح الأولوية للمحتوى الإفريقي، الاستفادة من عقود الهندسة والمراقبة والفحص والحماية من التآكل والصيانة والاتصالات والتحكم الرقمي. كما يمكن لمراكز التكوين الجزائرية المساهمة في إعداد الكفاءات التي ستتولى تشغيل المنشآت في الدول الثلاث.

وبذلك تصبح خبرة الجزائر نفسها أصلًا قابلًا للتصدير، إلى جانب البنية التحتية التي تملكها. فالقيمة لا تتوقف عند مرور الغاز أو تسويقه، وإنما تمتد إلى بيع الخدمات الهندسية ونقل المعرفة وتكوين الموارد البشرية وإدارة الأصول المعقدة.

الجزائر تقود أكبر ممر غازي في إفريقيا.. مشروع بـ13 مليار دولار يعيد رسم خريطة الطاقة من لاغوس إلى أوروبا

ممر للصناعة الإفريقية لا خط تصدير فقط

ترى «APPO» أن نجاح المشروع لن يقاس بعدد الكيلومترات المنجزة أو بحجم الغاز الذي يصل إلى أوروبا وحده، وإنما بمقدار النشاط الاقتصادي الذي ينشأ حوله. ولذلك تدفع المنظمة نحو تحويل الممر إلى سلسلة قيمة تحتفظ بجزء أكبر من ثروة الغاز داخل إفريقيا.

ويمكن للكميات المنقولة أن تغذي محطات لإنتاج الكهرباء في نيجيريا والنيجر، وتدعم إنشاء مصانع للأسمدة والأمونيا والميثانول والبتروكيمياء، فضلًا عن تزويد الصناعات التعدينية والغذائية والتحويلية بالطاقة.

كما تستطيع المدن والمناطق الواقعة على طول المسار الاستفادة من بنى تحتية جديدة في النقل والاتصالات والخدمات اللوجستية، بما يوسع الأثر الاقتصادي للمشروع خارج قطاع المحروقات.

وتشمل المنظومة المرافقة محطات الضغط والمراقبة، ووحدات معالجة الغاز وفصل الشوائب، ومراكز الصيانة والمخازن، إلى جانب أنظمة الاتصالات والتحكم عن بعد والأمن السيبراني. وتحتاج هذه المنشآت إلى مهندسين وتقنيين ومشغلي شبكات وخبراء سلامة وفرق صيانة وحماية طوال فترة تشغيل الأنبوب.

كما تتطلب خطوط الغاز أعمالًا دائمة لفحص اللحام، ومراقبة التآكل والتسرب، وصيانة الصمامات، وقياس الضغط والتدفقات، وتأمين أنظمة التحكم الصناعي. ويمكن للشركات الجزائرية والإفريقية الحصول على حصة معتبرة من هذه الأنشطة إذا تضمنت العقود نسبًا واضحة للمحتوى المحلي.

وتكتسب برامج التكوين أهمية موازية، لأن فرص العمل الناتجة عن الحفر والإنشاء تبقى مؤقتة. أما الوظائف المستدامة فتوجد في التشغيل والصيانة والهندسة والتحكم الرقمي والمخابر ومراكز القيادة، فضلًا عن الصناعات التي تستخدم الغاز مادة أولية أو مصدرًا للطاقة.

وتستطيع الجزائر في هذا الجانب وضع إمكاناتها البشرية ومؤسسات «سوناطراك» ومعاهدها المتخصصة في خدمة المشروع، بما يسمح بإعداد كفاءات جزائرية ونيجرية ونيجيرية قادرة على إدارة المنشآت وفق معايير موحدة.

ومن شأن تخصيص جزء من الغاز للاستهلاك والصناعة داخل الدول الثلاث حماية المشروع من تقلبات الطلب الأوروبي. فكلما اتسعت قاعدة المستهلكين المحليين والإقليميين، انخفض اعتماد الجدوى التجارية على سوق نهائية واحدة، وتحسنت قدرة المشروع على التكيف مع تغير الأسعار وسياسات الطاقة العالمية.

كما يمنح هذا النموذج كل دولة عائدًا يتجاوز رسوم العبور؛ فتحصل نيجيريا على منفذ إضافي لاحتياطاتها، وتستفيد النيجر من الطاقة والاستثمار والصناعة، بينما تعزز الجزائر تشغيل شبكتها ومصانعها وخدماتها الهندسية والتجارية.

الجزائر تقود أكبر ممر غازي في إفريقيا.. مشروع بـ13 مليار دولار يعيد رسم خريطة الطاقة من لاغوس إلى أوروبا

توحيد القوانين يسبق تدفق الغاز

رغم أهمية الأنابيب ومحطات الضغط، فإن التحدي الأكثر تعقيدًا قد يكون تنظيميًا وليس هندسيًا. فالمشروع يعبر ثلاث ولايات قضائية مختلفة، ولكل دولة نظامها الجبائي وقواعدها في التراخيص والاستثمار وتسعير النقل.

وقد حددت منظمة الدول الإفريقية المنتجة للنفط التباين القانوني والتنظيمي بوصفه أحد المخاطر التي يمكن أن تعطل المشروع حتى بعد إنجاز منشآته المادية. فالأنبوب لا يستطيع العمل بكفاءة إذا تغيرت قواعد التشغيل والتسعير والعبور جذريًا عند كل حدود.

ولهذا يحتاج الشركاء إلى الاتفاق على قواعد الوصول إلى الشبكة، وتسعير خدمات النقل والضغط والمعالجة، وتعريفات العبور، وإدارة الازدحام، ومعايير الجودة والسلامة، وتوزيع مسؤوليات الصيانة والحماية.

كما يجب تحديد ملكية الغاز داخل كل مقطع، ونقطة انتقال المسؤولية والمخاطر، وقواعد قياس الكميات، وآليات الفوترة والتسوية، وكيفية التعامل مع الفاقد والتوقفات التقنية واختلاف جودة الغاز.

وتتعاظم أهمية هذه القواعد لأن عقود المشروع قد تمتد لعقود، ما يتطلب ضمانات ضد التغيرات الضريبية والتشريعية المفاجئة. ولذلك اقترحت «APPO» إنشاء آلية إقليمية تتمتع بصلاحيات عملية لمتابعة التنفيذ والتشغيل، إلى جانب نظام واضح وسريع لتسوية النزاعات.

وتشمل الخلافات المحتملة الكميات والجودة والأسعار والتأخير والأضرار والتوقفات التقنية. ومن دون آلية تحكيم متفق عليها، قد يتحول نزاع تجاري محدود إلى توقف يمتد عبر الممر كاملًا.

ولا يعني توحيد القواعد انتقاصًا من سيادة الدول على مواردها، بل إنشاء أرضية مشتركة تسمح بتمويل المشروع وتشغيله. فالمستثمرون والمقرضون يحتاجون إلى رؤية واضحة لكيفية استرجاع التكاليف وتوزيع الإيرادات وحماية العقود وإدارة المخاطر.

وتملك الجزائر أفضلية مهمة في هذا الملف، بالنظر إلى خبرتها في إدارة خطوط غاز عابرة للحدود وعقود توريد طويلة الأجل مع دول أوروبية. ويمكن لهذه الخبرة أن تساعد على بناء نموذج حوكمة يوازن بين سيادة الدول واستقرار العقود ومرونة التشغيل.

أما أمنيًا، فيمر الأنبوب عبر مناطق شهدت نشاط جماعات مسلحة واضطرابات سياسية، خاصة في شمال نيجيريا والنيجر. ولذلك يحتاج المشروع إلى خطة مشتركة لحماية المنشآت والعاملين، وأنظمة مراقبة واستجابة سريعة، وتنسيق أمني بين الدول الثلاث.

غير أن الحماية لا يمكن أن تعتمد على التدابير الأمنية وحدها. فتنمية المجتمعات الواقعة على المسار، وتوفير الطاقة والوظائف والخدمات لها، تمثل جزءًا من منظومة حماية المشروع، لأن إشراك السكان في منافعه يقلل المخاطر الاجتماعية ويرفع قبول المنشآت.

الجزائر تقود أكبر ممر غازي في إفريقيا.. مشروع بـ13 مليار دولار يعيد رسم خريطة الطاقة من لاغوس إلى أوروبا

تمويل بـ13 مليار دولار واختبار لبنك الطاقة الإفريقي

يمثل التمويل أحد أكبر التحديات أمام أنبوب الغاز العابر للصحراء، في ظل كلفته التقديرية التاريخية البالغة نحو 13 مليار دولار، وطول فترة استرداد الاستثمار، وارتفاع النفقات التقنية والأمنية، إلى جانب المخاطر السيادية والتنظيمية.

وتقترح «APPO» بناء حزمة تجمع مساهمات الدول والشركات الوطنية، ورؤوس أموال المستثمرين، والقروض الميسرة، وضمانات الإيرادات، وصناديق تمويل الممرات والبنى التحتية.

كما أشارت المنظمة إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه بنك الطاقة الإفريقي، الذي أسسته بالشراكة مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسيم بنك»، في تمويل مشروعات الطاقة العابرة للحدود.

ويمتلك البنك رأسمالًا مصرحًا به قدره خمسة مليارات دولار، مع خطة للانطلاق بعد تعبئة رأس المال الأولي. غير أن إدراجه في رؤية «APPO» لا يعني حتى الآن صدور قرار نهائي بتمويل الأنبوب أو تحديد قيمة مساهمته؛ إذ يحتاج المشروع إلى تقديم ملفه وتقييمه واعتماد التمويل بصورة رسمية.

ويتوقف الإغلاق المالي على تحديث الكلفة، وتحديد نسب الملكية، والحصول على عقود شراء طويلة الأجل، وضمان حقوق العبور، وتغطية المخاطر السياسية. كما سيطلب المقرضون أدلة على توافر الكميات النيجيرية وقدرة شبكات التجميع على إيصالها إلى نقطة بداية الأنبوب.

وكانت «سوناطراك» والشركة الوطنية النيجيرية للبترول «NNPC» وشركة «SONIDEP» النيجرية قد وقعت اتفاقات لتحديث دراسة الجدوى وتقاسم النفقات المرتبطة بها، إلى جانب اتفاق لحماية سرية البيانات. وشكلت هذه الترتيبات قاعدة لتدقيق المسار والكلفة والطلب والمخاطر الفنية والتجارية.

ثم انتقل المشروع إلى مرحلة أكثر تقدمًا في جوان 2026، مع إطلاق الأشغال المتعلقة بالمقطع الجزائري، الذي يقدر طوله بنحو 1210 كيلومترات. كما أعلنت النيجر أن الأشغال على مقطعها، البالغ قرابة 720 كيلومترًا، ستنطلق في مطلع 2027 بالتعاون مع «سوناطراك».

ولا يعني تقدم المقطع الجزائري أن التمويل الكامل للممر قد أُغلق أو أن موعد تشغيله النهائي أصبح محسومًا؛ إذ ما تزال المقاطع المتبقية، ومحطات الضغط والمعالجة، والربط بين الشبكات، وعقود الشراء والتسويق، بحاجة إلى قرارات وخطط تنفيذية متزامنة.

غير أن الجزائر أثبتت بإطلاق الجزء الواقع على أراضيها أنها انتقلت من انتظار التوافق الكامل إلى صناعة الزخم. فالمشروعات العابرة للحدود تحتاج عادة إلى دولة قاطرة تدفع الدراسات والاتفاقات نحو التنفيذ، وهو الدور الذي تؤديه الجزائر مستندة إلى قوة «سوناطراك» وقدراتها الهندسية وخبرتها التفاوضية.

الجزائر تقود أكبر ممر غازي في إفريقيا.. مشروع بـ13 مليار دولار يعيد رسم خريطة الطاقة من لاغوس إلى أوروبا

محور قاري يجمع الغاز والطريق والألياف البصرية

يتعزز الوزن الاستراتيجي للأنبوب بتقاطعه مع مشروعين قاريين آخرين تقودهما الجزائر: الطريق العابر للصحراء الذي يربط الجزائر بلاغوس، ومحور الألياف البصرية العابر للمنطقة.

ويتيح جمع الطاقة والنقل والاتصالات داخل ممر جغرافي واحد تقليص تكاليف الخدمات والإنجاز والصيانة، ويفتح المجال لتطوير مراكز لوجستية وتجارية وصناعية على طول المحور.

فالطريق يسهل نقل العمال والمعدات ومواد البناء، بينما توفر الألياف البصرية البنية اللازمة لمراقبة الأنبوب والتحكم فيه عن بعد وتأمين بياناته. وفي المقابل، تدعم الطاقة المنتظمة قيام الأنشطة الاقتصادية التي تستفيد من الطريق والاتصالات.

ومن هنا، لا يعود المشروع مجرد وصلة بين حقول نيجيرية ومستهلكين أوروبيين، بل أساسًا لممر تكامل إفريقي يمتد من الجنوب إلى المتوسط. وتحتل الجزائر مركز هذا التصور لاجتماع أربعة عناصر لديها: الموقع الجغرافي، والخبرة التقنية، والبنية التحتية، والقدرة على النفاذ إلى الأسواق الدولية.

وتظهر الرؤية الجزائرية بعيدة المدى في التعامل مع المشروع أداةً لتنظيم المجال الإفريقي اقتصاديًا، وليس مجرد فرصة لزيادة إيرادات المحروقات. فكل محطة كهرباء أو مصنع أسمدة أو مركز لوجستي ينشأ حول الأنبوب يرفع جدواه، ويوسع سوقه، ويمنح المجتمعات المحلية مصلحة مباشرة في استمراره وحمايته.

وبذلك يتجاوز الرهان الجزائري رسوم العبور إلى قيادة سلسلة قيمة قارية، ورفع استغلال شبكة الغاز ومصانع التسييل، وتوسيع نشاط المؤسسات الهندسية، واستقطاب صناعات المعالجة والبتروكيمياء، وتعزيز حضور «سوناطراك» داخل العمق الإفريقي.

أما نجاح المشروع، فلن يقاس فقط بوصول ما بين 20 و30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى حاسي الرمل، بل بحجم الاستثمارات التي يجذبها، ونسبة المحتوى الإفريقي في عقوده، وعدد الوظائف الدائمة التي يخلقها، ومقدار الغاز الذي يوجه إلى الكهرباء والصناعة داخل القارة، وقدرة الدول الثلاث على بناء حوكمة مستقرة للممر.

وإذا استكملت المقاطع الثلاثة، وأغلقت الحزمة المالية، ووحدت القواعد، ووقعت عقود شراء طويلة الأجل، فلن تكون الجزائر النهاية الجغرافية لأنبوب قادم من الجنوب، بل مركز القيادة والمعالجة والتسويق لأحد أكبر مشروعات الطاقة في إفريقيا.

وهذه هي القيمة الاستراتيجية الأعمق للمشروع: أن تحول الجزائر موقعها وخبرتها ومنشآتها إلى منصة تجمع الغاز الإفريقي، وتمنحه مسارات متعددة نحو أوروبا والعالم، وفي الوقت نفسه تحتفظ بجزء متزايد من قيمته الاقتصادية داخل القارة.

#أنبوب الغاز العابر للصحراء#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي
إفريقيا
شارك المقال

الجزائر تتجه لتعزيز حضورها الصيدلاني في النيجر

الجزائر تتجه لتعزيز حضورها الصيدلاني في النيجر

بوابة الجزائر الإخبارية: إستقبل المدير العام لمجمع صيدال الجزائري، يونس بوعرعارة، اليوم الثلاثاء، بمقر المديرية العامة للمجمع، سفير جمهورية النيجر لدى الجزائر، أمينو مالام مانزو، لبحث سبل تعزيز التعاون والشراكة بين البلدين في المجال الصيدلاني.

https://twitter.com/algatedz/status/2094826577616085264

وشكل اللقاء فرصة لبحث احتياجات السوق النيجرية من الأدوية الأساسية المنتجة محليًا في الجزائر، مع التأكيد على أهمية توفيرها في أقرب الآجال، استجابةً لطلب السلطات النيجرية.

كما ناقش الطرفان آفاق إقامة شراكة استراتيجية ومستدامة، تشمل نقل التكنولوجيا والخبرات الجزائرية، وتكوين الكفاءات النيجرية، وإمكانية إنتاج أدوية موجهة للسوق النيجرية عبر الوحدات الصناعية الجزائرية، إلى حين تطوير المنشآت المحلية للإنتاج الصيدلاني في النيجر.

واستعرض المدير العام لمجمع صيدال عددًا من المشاريع الاستراتيجية، خاصة المتعلقة بإنتاج المواد الأولية لصناعة الأدوية، في إطار تعزيز السيادة الصيدلانية الجزائرية وتوسيع حضور المنتجات الجزائرية في الأسواق الإفريقية.

وفي ختام اللقاء، إتفق الجانبان على إنشاء فريق عمل مشترك لمتابعة ملفات التعاون المطروحة، وتسريع الإجراءات الإدارية والتنسيق بين الطرفين، بما يساهم في تحويل فرص الشراكة إلى مشاريع عملية تدعم الأمن الصحي والصيدلاني في البلدين.

#الجزائر#النيجر
شارك المقال
الكاتب(ة)
بوابة الجزائر
طالع مقالاتي
إيكونوميست
شارك المقال

استثمار بـ380 مليون دولار يدخل حقول الجزائر.. برنامج دولي لرفع كفاءة الآبار وتعزيز إنتاج النفط والغاز

استثمار بـ380 مليون دولار يدخل حقول الجزائر.. برنامج دولي لرفع كفاءة الآبار وتعزيز إنتاج النفط والغاز

بوابة الجزائر الإخبارية: بدأت شركة خدمات الطاقة الدولية «Expro» تنفيذ برنامج بقيمة تقارب 380 مليون دولار على امتداد أربع سنوات في عدة حقول جزائرية، لنشر تقنيات متقدمة في تحسين الإنتاج وإدارة الآبار ورفع جاهزيتها التشغيلية. ويضع أحد أكبر عقود الشركة في شمال إفريقيا الجزائر في صدارة أسواقها الإقليمية، بالتزامن مع تنفيذ البلاد استراتيجية طاقوية تجمع بين تعظيم مردودية الحقول القائمة، وتوسيع الاستكشاف، واستقطاب رؤوس الأموال والتكنولوجيا إلى قطاع المنبع.

استثمار بـ380 مليون دولار يدخل حقول الجزائر.. برنامج دولي لرفع كفاءة الآبار وتعزيز إنتاج النفط والغاز

دخل استثمار دولي جديد مرحلة العمليات الميدانية في حقول النفط والغاز الجزائرية، بعدما أعلنت «Expro»، الثلاثاء أول سبتمبر 2026، بدء تنفيذ عقد متعدد المشروعات بقيمة تقارب 380 مليون دولار، لتقديم خدمات متكاملة تهدف إلى الحفاظ على الإنتاج، وتحسين أداء الآبار، وتقليص فترات توقفها، وخفض تكاليف التشغيل.

ولا يتعلق الأمر بإنشاء منشأة واحدة أو تنفيذ أشغال مدنية معزولة، وإنما ببرنامج تشغيلي يمتد عبر حقول وآبار متعددة، ويوجه إنفاقه إلى تعبئة المعدات والفرق الفنية ونشر تقنيات تحسين الإنتاج وإدارة التدفقات والتدخل في الآبار. ويمنح ذلك العقد أثرًا مباشرًا في الأصول المنتجة، لأن الخدمات تستهدف زيادة الكميات المسترجعة أو منع تراجعها، بدل انتظار دورة زمنية طويلة تبدأ بالاستكشاف وتنتهي بتطوير حقل جديد.

وأكدت الشركة أن المشروع دخل حيز التنفيذ، وأن عملية التعبئة تشمل مواقع عدة، مع نشر حلول إنتاج متقدمة وخدمات مترابطة صممت لرفع الكفاءة ومساندة المسعى الجزائري لزيادة إنتاج المحروقات. كما صنفت الصفقة ضمن أكبر عقودها في شمال إفريقيا حتى الآن. الإعلان الرسمي لشركة Expro

وتكتسب الخطوة وزنًا يتجاوز قيمتها المالية، لأنها تؤكد قدرة السوق الجزائرية على اجتذاب أحد أكبر التزامات الشركة عالميًا، وتحويل الطلب الوطني على التكنولوجيا والخدمات المتخصصة إلى استثمار طويل الأجل يمتد أربع سنوات. كما تعكس الثقة في استمرارية النشاط داخل الحقول الجزائرية وفي حجم البرامج المقرر تنفيذها للحفاظ على قاعدة الإنتاج وتطويرها.

استثمار بـ380 مليون دولار يدخل حقول الجزائر.. برنامج دولي لرفع كفاءة الآبار وتعزيز إنتاج النفط والغاز

عقد يعادل 95 مليون دولار سنويًا

تعادل القيمة الإجمالية للعقد متوسطًا حسابيًا يبلغ 95 مليون دولار سنويًا إذا وُزعت بالتساوي على سنوات التنفيذ الأربع. غير أن التدفقات المالية الفعلية لن تأتي بالضرورة بهذه الوتيرة، لأنها ستتحدد وفق جدول تعبئة المعدات، وعدد العمليات، وحجم الخدمات المنجزة في كل موقع، وشروط احتساب الإيرادات داخل الاتفاق.

وستتوزع القيمة على مشروعات وخدمات تشمل المعدات والتكنولوجيا والعمليات الميدانية والخبرات الهندسية والتدخلات الفنية المرتبطة بالآبار. ولذلك لا يمكن التعامل مع المبلغ باعتباره تكلفة منشأة واحدة، بل غلافًا تمويليًا لبرنامج إنتاجي يغطي عدة أصول.

ولم تكشف «Expro» اسم المشغل الذي منحها العقد، واكتفت بوصفه بأنه «مشغل رئيسي في شمال إفريقيا». ومن ثم، لا يصح مهنيًا إسناد الصفقة إلى سوناطراك أو إلى شركة دولية بعينها قبل صدور إعلان رسمي عن العميل أو السلطات الجزائرية.

كما لم يحدد البيان عدد الحقول والآبار المعنية، أو مواقعها، أو حصة كل مشروع من القيمة الإجمالية. لكنه أكد أن التنفيذ يشمل عدة حقول جزائرية، ويتطلب انتقالًا سريعًا للمعدات والفرق الفنية إلى مواقع التطوير المستهدفة.

وتوضح طبيعة الاتفاق أنه لا يركز على مضاعفة الإنفاق الرأسمالي فقط، بل على رفع العائد من الأصول الموجودة. فالاستثمار في بئر تعمل دون كامل إمكاناتها قد يضيف إنتاجًا في وقت أقصر وبكلفة أقل من حفر بئر بديلة، خصوصًا عندما يكون سبب التراجع مرتبطًا باختناق فني أو انخفاض الكفاءة أو تكرار التوقفات.

استثمار بـ380 مليون دولار يدخل حقول الجزائر.. برنامج دولي لرفع كفاءة الآبار وتعزيز إنتاج النفط والغاز

استرجاع إنتاج الحقول بدل خسارته تدريجيًا

تواجه الحقول الناضجة عادة انخفاضًا طبيعيًا في الضغط وتغيرًا في خصائص السوائل وارتفاعًا في إنتاج المياه أو الغاز المصاحب، إلى جانب تراكم الرمال والترسبات وظهور اختناقات داخل البئر أو شبكة التجميع. وإذا لم تُعالج هذه المتغيرات، تنخفض التدفقات وتزداد ساعات التوقف وترتفع كلفة إنتاج البرميل أو المتر المكعب.

وتعمل خدمات تحسين الإنتاج على جمع بيانات الضغط والتدفق وخصائص الموائع، وتشخيص مصادر الخلل، ثم اختيار التدخل الذي يحقق أعلى عائد. وقد يشمل ذلك تعديل نظام الإنتاج، أو معالجة الاختناقات، أو تحسين التحكم في السوائل، أو صيانة مكونات البئر، أو استعادة سلامتها التشغيلية.

أما إدارة الآبار، فترتبط بمتابعة أدائها على امتداد دورة حياتها، وتحديد التدخلات الوقائية قبل تحول الخلل إلى توقف كامل. كما تسمح البيانات الميدانية بترتيب الآبار وفق جدوى التدخل، وتوجيه الإنفاق إلى المواقع التي تستطيع استرجاع أكبر كمية من الإنتاج أو منع فقدانها.

ويعني تعظيم الجاهزية زيادة عدد الأيام التي تبقى فيها الآبار والمنشآت متاحة للإنتاج خلال السنة، بينما يؤدي تقليص التوقفات غير المخطط لها إلى تحسين استخدام شبكات التجميع والمعالجة والنقل. ولذلك يمكن أن ترتفع الكميات المسوقة حتى من دون تغيير الطاقة الاسمية للحقل.

ومن هنا تبرز أهمية العقد بالنسبة إلى الجزائر. فكل برميل يُسترجع من تراجع تقني، وكل متر مكعب من الغاز يُحافظ عليه عبر تحسين الجاهزية، يمثل إيرادًا إضافيًا محتملًا من أصل قائم، من دون انتظار سنوات لإنجاز مشروع جديد.

كما يساعد خفض تكلفة التشغيل على حماية ربحية الحقول عند تقلب الأسعار، ويمنح المشغل هامشًا أوسع لتمويل الصيانة والاستثمار. ولا يقاس نجاح البرنامج، تبعًا لذلك، بقيمة الصفقة نفسها، بل بمقدار الإنتاج الذي يحافظ عليه، وساعات التوقف التي يقلصها، والتكلفة التي يخفضها.

استثمار بـ380 مليون دولار يدخل حقول الجزائر.. برنامج دولي لرفع كفاءة الآبار وتعزيز إنتاج النفط والغاز

الجزائر تتحول إلى ركيزة في أعمال «Expro»

تعود الجذور التجارية للعقد إلى الربع الرابع من 2025، عندما حصلت الشركة على واحد من أكبر العقود الممنوحة لعميل واحد في تاريخها. وفي نتائجها السنوية الصادرة يوم 19 فيفري 2026، كشفت «Expro» عن صفقة بقيمة تقارب 380 مليون دولار لتحسين الإنتاج وإدارة الآبار في شمال إفريقيا، من دون تحديد الدولة المعنية آنذاك.

وجاء إعلان أول سبتمبر ليضيف عنصرين حاسمين: تأكيد أن العمليات تخص الجزائر، والإعلان عن انتقال الصفقة من مرحلة الإسناد والتحضير إلى التنفيذ الفعلي داخل الحقول.

ويمثل المبلغ نحو 23.6% من إيرادات الشركة خلال 2025، التي بلغت 1.607 مليار دولار، كما يعادل قرابة 15.2% من محفظة طلبياتها البالغة 2.5 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2025. وتكشف هاتان النسبتان الوزن الاستثنائي للمشروع الجزائري داخل النشاط العالمي للشركة.

ويعادل العقد وحده أكثر من أربعة أضعاف إيرادات «Expro» الفصلية المسجلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال الربع الرابع من 2025، والبالغة 93 مليون دولار. وكانت إيرادات المنطقة قد ارتفعت 8% على أساس فصلي، فيما بلغت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء 36 مليون دولار، بهامش 39%.

وأرجعت الشركة جانبًا من أداء المنطقة آنذاك إلى ارتفاع نشاط إدارة تدفق الآبار في الجزائر والسعودية، ما يوضح أن السوق الجزائرية كانت بالفعل عنصرًا مؤثرًا في أعمالها الإقليمية قبل انطلاق البرنامج الجديد.

ويُرجح أن يرفع التنفيذ على امتداد أربعة أعوام حصة الجزائر داخل إيرادات الشركة بالمنطقة، خصوصًا أن المشروع يشمل مواقع عدة ويحتاج إلى تعبئة مستمرة للمعدات والأطقم والخدمات المساندة.

كما يستند الاتفاق إلى تعاون يتجاوز عشر سنوات مع العميل، بحسب مدير العمليات في «Expro» أليستر غيديس. وتؤكد هذه المدة أن الصفقة ليست دخولًا تجريبيًا إلى الجزائر، بل توسعًا كبيرًا لعلاقة فنية بنتها الشركة داخل السوق على مدى عقد كامل.

وقال غيديس إن المشروع يعكس قوة الشراكة مع العميل في تقديم حلول إنتاج آمنة وفعالة، مؤكدًا اعتزاز الشركة بمواصلة دعم الطموحات الطاقوية الجزائرية بأنظمة صممت للمحافظة على الإنتاج، وتعظيم الجاهزية، وتقليص تكاليف التشغيل.

كما أشار إلى أن البرنامج يبرز قدرة «Expro» على تعبئة التكنولوجيا والخبرة بسرعة في بيئة تشغيلية وسوقية متغيرة. وتمنح هذه السرعة الجزائر إمكانية تقليص الفاصل بين تشخيص الحاجات وبدء التدخلات، بدل إبقاء الآبار المتراجعة أو المتوقفة خارج الإنتاج لفترات طويلة.

استثمار بـ380 مليون دولار يدخل حقول الجزائر.. برنامج دولي لرفع كفاءة الآبار وتعزيز إنتاج النفط والغاز

استراتيجية جزائرية تجمع الحقول القائمة والاستكشاف الجديد

يأتي المشروع في توقيت تدفع فيه الجزائر نحو استراتيجية مزدوجة لرفع إنتاج النفط والغاز. يقوم المسار الأول على تحسين مردودية الحقول العاملة واسترجاع الكميات التي تفقد بسبب تراجع الضغط أو الأعطال والاختناقات، فيما يركز الثاني على اكتشاف احتياطيات جديدة وتطوير محيطات إضافية بالشراكة مع المستثمرين الدوليين.

ويعكس عقد «Expro» المسار الأول، لأنه يوجه استثمارًا ضخمًا إلى الآبار والأصول القائمة، ويستهدف الحصول على أثر إنتاجي خلال فترة أقصر. أما المسار الثاني، فتقوده جولة «Algeria Bid Round 2026»، التي طرحت سبعة محيطات للاستكشاف والتطوير في ورقلة وإليزي وتقرت والبيض.

وانطلقت المرحلة التقنية للجولة في جوان، على أن تستمر جلسات البيانات والتوضيحات إلى نهاية أكتوبر، ثم تودع العروض يوم 26 نوفمبر 2026، قبل توقيع العقود في 31 جانفي 2027 وفق صيغ تقاسم الإنتاج أو المشاركة، تبعًا لطبيعة كل محيط.

وأكد وزير الدولة، وزير المحروقات محمد عرقاب، عند إطلاق الجولة، أنها تستهدف تعزيز أمن الطاقة العالمي وترسيخ دور الجزائر مركزًا إقليميًا للطاقة. تفاصيل جولة الاستثمار الجزائرية

وبذلك لا تعتمد الجزائر على انتظار نتائج الاستكشافات وحدها، بل تعمل في الوقت نفسه على استخراج قيمة إضافية من الحقول الموجودة. ويقلص هذا التوازي الفاصل الزمني بين الاستثمار والعائد، لأن برامج تحسين الآبار قد تحافظ على الإنتاج أو ترفعه بينما تمر الرقع الجديدة بمراحل الدراسات والحفر والتقييم والتطوير.

وتنسجم هذه المقاربة مع مكانة الجزائر موردًا موثوقًا للطاقة، خصوصًا للأسواق الأوروبية، ومع امتلاكها بنية تصديرية متنوعة تشمل خطوط أنابيب مباشرة ومنشآت للغاز الطبيعي المسال وصادرات النفط والمنتجات البترولية.

كما تمنحها موقعًا جغرافيًا خارج نقاط الاختناق التي تواجه الإمدادات القادمة من الخليج عبر مضيق هرمز، وهو عامل عزز خلال الأزمة الأخيرة أهمية الإنتاج الواقع في شمال إفريقيا وقرب الأسواق الأوروبية.

ومن ثم، فإن الاستثمار في جاهزية الآبار الجزائرية لا يخدم أهداف الإنتاج الوطنية فقط، بل يدعم أمن الإمدادات الإقليمي في وقت تتعرض فيه تجارة الطاقة العالمية لمخاطر الحرب وتعطل الممرات البحرية.

التكنولوجيا تتحول إلى إنتاج وإيرادات

تملك خدمات الحقول النفطية أثرًا اقتصاديًا يختلف عن الاستثمار في المباني أو المنشآت غير المنتجة، لأنها تتعامل مباشرة مع التدفقات التي تتحول إلى مبيعات وصادرات وإيرادات.

فإذا نجح البرنامج في تقليص توقف الآبار، فإن عدد أيام الإنتاج سيرتفع. وإذا عالج الاختناقات الفنية، يمكن استرجاع كميات كانت مفقودة. وإذا خفض تكاليف التشغيل، تتحسن ربحية البرميل أو المتر المكعب المنتج، حتى من دون زيادة كبيرة في الحجم.

ولهذا يستهدف المشروع ثلاثة متغيرات متصلة: الإنتاج، والجاهزية، والكلفة. ويُفترض أن يؤدي تحسينها بصورة متزامنة إلى رفع القيمة الاقتصادية للأصول وإطالة عمرها وتقليص الحاجة إلى استثمارات تعويضية أكثر تكلفة.

وتوفر «Expro» خدمات تغطي مراحل متعددة من دورة البئر، بما يشمل الإنشاء وإدارة التدفق والتدخل والسلامة وحلول الإنتاج. كما تنشط في تقنيات إدارة المياه وخفض الانبعاثات، وهما مجالان يرتبطان بكفاءة الحقول وامتثالها للمتطلبات البيئية المتزايدة.

وتتيح إدارة المياه تقليص الأعباء المرتبطة بارتفاع إنتاجها داخل الحقول الناضجة، بينما تخفض الحلول الموجهة للانبعاثات كميات الغاز المهدرة وتدعم الأداء البيئي. ويمكن لهذه الجوانب أن تضيف قيمة تشغيلية تتجاوز الزيادة المباشرة في الإنتاج.

غير أن إعلان الشركة لم يتضمن تقديرًا لعدد البراميل أو الأمتار المكعبة التي سيضيفها البرنامج، ولم يحدد مستوى الإنتاج الحالي في الحقول المشمولة أو أهداف كل مشروع. ولذلك لا يمكن تحويل مبلغ 380 مليون دولار إلى زيادة كمية دقيقة قبل نشر مؤشرات التشغيل.

كما لم تعلن «Expro» نسبة المحتوى المحلي، وعدد العاملين الجزائريين، وحجم المعدات التي ستصنع أو تجمع محليًا، أو حصة المؤسسات الوطنية من خدمات المناولة. وتبقى هذه البيانات ضرورية لتقييم الأثر الكامل للعقد خارج الإنتاج.

فرصة لتوطين الخدمات ونقل المعرفة

يفتح تنفيذ برنامج بهذا الحجم طلبًا يمتد إلى النقل والصيانة واللوجستيك والمخازن والإقامة والمرافق الميدانية والخدمات الهندسية، فضلًا عن عمليات المعايرة والمراقبة والسلامة والتكوين.

ويعني امتداد المشروع أربع سنوات وتوزعه على مواقع عدة أن الأثر المحلي لا ينبغي أن يقتصر على شراء خدمات ظرفية، بل يمكن أن يتحول إلى قاعدة لتكوين فرق جزائرية متخصصة ونقل المعرفة في تشخيص الآبار وتحليل بياناتها وإدارة التدفقات والتدخلات الفنية.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة داخل السياسة الطاقوية الجزائرية التي لا تستهدف جذب رؤوس الأموال فحسب، وإنما رفع الإدماج الوطني وبناء القدرات التقنية المحلية. فالعقد يصبح أكثر قيمة للاقتصاد عندما يجمع بين تحسين الإنتاج وتوسيع مساهمة المؤسسات والمهندسين والفنيين الجزائريين في التنفيذ.

كما أن العلاقة التي تتجاوز عشر سنوات مع العميل توفر بيئة مناسبة للانتقال من الاستعانة بالخدمة إلى توطين جزء من المعرفة المرتبطة بها، خصوصًا أن احتياجات إدارة الحقول الناضجة ستستمر بعد نهاية العقد الحالي.

وتستطيع الجزائر، بما تملكه من قاعدة جامعية ومؤسسات وطنية عاملة في الحفر والصيانة والهندسة، تحويل الطلب الناتج عن البرامج الدولية الكبرى إلى سوق محلية لخدمات الحقول، بدل إبقاء الجزء الأكبر من القيمة المضافة خارج الاقتصاد الوطني.

ولا توجد حتى الآن أرقام معلنة تسمح بقياس هذا الأثر، لكن طول مدة العقد واتساع نطاقه يمنحان المشغل والدولة فرصة لرفع المشاركة المحلية بصورة تدريجية وربطها بخطط التكوين ونقل التكنولوجيا.

عقد كبير داخل سوق طاقة تفرض شروطها

لا يمثل دخول «Expro» مرحلة التنفيذ مجرد خبر عن صفقة أجنبية جديدة، بل يعكس الوزن الذي اكتسبته الجزائر داخل خريطة الاستثمار الطاقوي في شمال إفريقيا. فقد اختارت الشركة تخصيص عقد يعادل أكثر من خمس إيراداتها السنوية المسجلة في 2025 لبرنامج داخل الحقول الجزائرية، واستندت في ذلك إلى علاقة فنية ممتدة وفرص عمل تستمر أربع سنوات.

كما أن العقد يرسل إشارة إلى السوق الدولية بشأن وجود قاعدة واسعة من الأصول والآبار القابلة لتحسين الإنتاج، وحاجة مستمرة إلى الحلول التقنية المتقدمة، إلى جانب الفرص التي تفتحها الرقع الجديدة المطروحة للاستثمار.

وتدير الجزائر هذه المرحلة من موقع دولة طاقوية تملك الاحتياطيات والبنية التحتية والأسواق وخبرة التفاوض، ولا تكتفي بتصدير الخام والغاز، بل تعمل على رفع القيمة المستخرجة من كل حقل وتحسين الكفاءة وتوسيع الشراكات ضمن أهداف سيادية واضحة.

كما أن الجمع بين برنامج «Expro» وجولة 2026 وعقود التطوير الموقعة مع شركات دولية يكشف أن السياسة الجزائرية لا تراهن على مسار واحد. فهي ترفع إنتاجية الحقول القائمة، وتبحث عن اكتشافات جديدة، وتطور المحيطات المؤكدة، وتستقطب التكنولوجيا، وتحافظ في الوقت نفسه على الدور المركزي للمؤسسات الوطنية داخل قطاع المحروقات.

وسيظهر الحكم التشغيلي على عقد الـ380 مليون دولار تدريجيًا من خلال مقدار الإنتاج الذي تم الحفاظ عليه أو استرجاعه، وتحسن جاهزية الآبار، وانخفاض فترات التوقف وكلفة التشغيل.

أما الحكم الاقتصادي الأوسع، فسيتوقف على حجم الخدمات المسندة إلى المؤسسات الجزائرية، وعدد الوظائف والكفاءات التي يخلقها البرنامج، ومدى نقل التكنولوجيا والمعرفة إلى الداخل.

ومع ذلك، فإن بدء التنفيذ يضع الاستثمار منذ يومه الأول داخل اقتصاد الإنتاج الحقيقي. فالمعدات والفرق والتقنيات تتجه إلى آبار قائمة، والهدف المعلن هو دعم زيادة إنتاج الجزائر وتحسين كفاءة أصولها.

وبذلك تدخل الـ380 مليون دولار دورة تشغيلية تمس مباشرة قدرة الحقول الجزائرية على إنتاج النفط والغاز، في وقت تكرس فيه البلاد مكانتها موردًا موثوقًا وشريكًا طاقويًا مطلوبًا، وتحوّل موقعها ومواردها وخبرتها إلى استثمارات تدعم الإنتاج وتزيد صلابة أمن الطاقة الوطني والإقليمي.

#الجزائر#النفط
شارك المقال
الكاتب(ة)
عبد الجبار.ب
طالع مقالاتي