بوابة الجزائر الإخبارية: لا تكمن أهمية برنامج الـ3 مليارات دولار الذي تعمل الجزائر ومجموعة البنك الإسلامي للتنمية على تسريعه حتى نهاية 2027 في حجم التمويل وحده، بل في تغير طبيعة الأدوات المستخدمة. فبعد عقود تركز خلالها التعاون بدرجة كبيرة على تمويل الصناعة والطاقة والزراعة والبنية التحتية، يتجه الإطار الجديد إلى إضافة تمويل الشركات الخاصة والتجارة وائتمان الصادرات وضمان الاستثمار، بما يسمح باستخدام موارد المجموعة لتعبئة تمويل أوسع من قيمة القروض المباشرة نفسها.
وجاء هذا الملف في صدارة المحادثات التي جمعت في الدوحة رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية محمد الجاسر بوزير المالية الجزائري ومحافظ البنك عن الجزائر محمد لمين لبو، بحضور المحافظ المناوب نوال العماري، على هامش الاجتماعات السنوية للبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.
وتركز اللقاء على تسريع تنفيذ إطار التعاون القطري الموقع للفترة 2025–2027، الذي يتيح تعبئة نحو 3 مليارات دولار من الخدمات المالية والتأمينية وفق حاجات الاقتصاد الجزائري.
ولم يصدر عن اجتماع الدوحة إعلان عن قرض جديد، لأن الغلاف المالي يعود إلى الاتفاق الذي وقع خلال الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية في الجزائر في ماي 2025. وتتمثل المهمة الحالية في الانتقال من الإطار العام إلى العمليات الفعلية، عبر اختيار المشاريع وترتيب التمويل والتأمين والضمانات ثم استكمال إجراءات الاعتماد والصرف.
ويضع البرنامج الجديد العلاقة مع مجموعة البنك أمام صيغة مختلفة عن المحفظة التاريخية. فقد بلغ إجمالي التمويلات التراكمية الموجهة إلى الجزائر نحو 3.1 مليارات دولار منذ بداية الشراكة، فيما يستهدف الإطار الحالي تعبئة مبلغ قريب جدًا من هذه القيمة خلال ثلاث سنوات فقط.
لكن مقارنة الرقمين لا تعني أن الجزائر ستحصل على 3 مليارات دولار في شكل قروض مباشرة. فالغلاف الجديد يشمل مجموعة من الخدمات التي تختلف اقتصاديًا ومحاسبيًا، من تمويل المشروعات إلى تمويل التجارة، مرورًا بضمان الاستثمارات وتأمين الصادرات.
وعلى مدى العقود الماضية، كان تركيز المجموعة واضحًا على تمويل الأصول. فقد استفادت الصناعة والمناجم من نحو 2.2 مليار دولار، وهي الحصة الأكبر من المحفظة، في حين حصلت الزراعة على قرابة 313.7 مليون دولار، والطاقة على نحو 230.8 مليون دولار.
كما شارك البنك بنحو 454 مليون دولار في تمويل الطريق العابر للصحراء، بما ربط التمويل الإسلامي بمشروع يمتد أثره إلى التجارة بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل وغرب القارة.
أما البرنامج الجديد، فيضيف إلى هذه الوظيفة التقليدية بعدًا يتعلق بدورة النشاط الاقتصادي نفسها.
فالمؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص تستطيع الدخول في تمويل المؤسسات والمشروعات من خلال القروض والمساهمات وخطوط التمويل، ما يسمح بتوجيه جزء من التعاون نحو توسعات الشركات والاستثمارات الخاصة بدل حصره في المشروعات العمومية.
كما توفر المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة أدوات لتمويل المواد الأولية والمدخلات وسلاسل التوريد والصادرات قبل الشحن وبعده، إلى جانب ائتمان المشترين.
وهذه الآلية تختلف عن تمويل إنشاء مصنع أو طريق؛ فهي توفر السيولة اللازمة لتشغيل المصنع وشراء المدخلات وإتمام الصفقة ثم تحصيل قيمة الصادرات، بما يجعل التمويل مرتبطًا مباشرة بحركة الإنتاج والتجارة الخارجية.
أما الحلقة الثالثة فتتعلق بتقليل المخاطر عبر المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات.
وقد بلغت قيمة التغطية التأمينية التراكمية التي قدمتها المؤسسة للعمليات المرتبطة بالجزائر نحو 10 مليارات دولار حتى منتصف أفريل 2025، في مجالات شملت الصناعة والصيدلة والحديد والصلب وغيرها.
ولا تمثل هذه الـ10 مليارات دولار قروضًا أو تحويلات مالية إلى الاقتصاد الجزائري، ولذلك لا يمكن جمعها مع التمويلات التراكمية البالغة 3.1 مليارات دولار.
اقتصاديًا، وظيفتها مختلفة: حماية جزء من المعاملة ضد مخاطر عدم الدفع أو الأحداث السياسية والتجارية، بما يسمح للبنك أو المستثمر أو المصدر بتنفيذ صفقة ربما كان سيتجنبها دون وجود تغطية.
وتظهر أهمية هذه الأداة في بيانات 2024، عندما سهلت المؤسسة معاملات تجارية تجاوزت 267 مليون دولار، إضافة إلى صادرات قدرت بنحو 1.8 مليار دولار في الصناعة والزراعة والمنتجات الصيدلانية.
ومن هنا، يستطيع البرنامج الجديد توليد أثر مالي أكبر من المبلغ الذي تقدمه المجموعة مباشرة إذا استخدمت أدوات الضمان والتأمين لجذب مصارف ومستثمرين وممولين إضافيين إلى المشروعات الجزائرية.
كما يدخل تمويل الصادرات ضمن هذه المعادلة. فالمؤسسة الجزائرية التي تحصل على عقد خارجي تحتاج إلى تمويل الإنتاج والشحن وفترة انتظار السداد، فيما يحتاج البنك الممول إلى تغطية مخاطر المشتري والسوق. والجمع بين تمويل التجارة وائتمان الصادرات والتأمين يسمح بالتعامل مع هذه السلسلة ضمن منظومة واحدة.
ويفتح البرنامج أيضًا المجال لتطوير أدوات المالية الإسلامية داخل الجزائر، بما في ذلك دراسة استخدام الصكوك السيادية في تمويل البنية التحتية، إلى جانب استمرار التكوين في مجالات الاقتصاد الإسلامي والتكنولوجيا المالية والسيولة، وهي برامج استفاد منها أكثر من 500 إطار وخبير جزائري.
وبذلك، ينتقل التعاون مع مجموعة البنك من علاقة يكون فيها السؤال الأساسي هو قيمة القرض إلى علاقة أوسع تتعلق بطريقة تركيب التمويل نفسه: ما الذي يموله البنك مباشرة، وما الذي يموله القطاع الخاص، وما الذي يحتاج إلى ضمان، وما الذي يمكن تغطيته تأمينيًا، وما الذي يرتبط بدورة الاستيراد والتصدير.
وتمنح هذه الصيغة الجزائر إمكانية استخدام التمويل الخارجي في مشروعات ومعاملات محددة من دون تحويله بالضرورة إلى دين سيادي عام، خصوصًا في العمليات التي تنفذها الشركات أو يجري تمويلها وضمانها تجاريًا.
غير أن الوصول إلى سقف الاستفادة من البرنامج يبقى مرتبطًا بجاهزية المشاريع. فالتمويل لا يتحول إلى صرف بمجرد وجود الغلاف، بل يحتاج إلى دراسات جدوى وهيكلة مالية وعقود وجدول تنفيذ وقدرة على السداد أو تحقيق العائد.
ولهذا لم يكشف اجتماع الدوحة حتى الآن عن توزيع الـ3 مليارات دولار بين الصناعة والبنية التحتية والزراعة والتجارة والقطاع الخاص، كما لم يحدد نصيب التمويل المباشر مقارنة بالتأمين والضمانات.
وسيكون هذا التفصيل حاسمًا عند تقييم البرنامج بنهاية 2027. فإذا استحوذت المشروعات القابلة للإنتاج والتصدير على جزء مهم منه، وتوسعت استفادة القطاع الخاص وتمويل التجارة، فإن الأثر سيتجاوز زيادة المديونية إلى توسيع القدرة الإنتاجية والتجارية.
أما إذا بقي الجزء الأكبر من الغلاف في مستوى الإعلانات والدراسات، فلن تكون المقارنة مع التمويل التاريخي ذات قيمة اقتصادية فعلية.
ولهذا فإن اجتماع الدوحة لا يعلن ببساطة عن 3 مليارات دولار جديدة للجزائر؛ ما يجري بناؤه هو محفظة مالية متعددة الأدوات تستطيع الجمع بين المشروع والمستثمر والمصدر والبنك وشركة التأمين داخل عملية واحدة.
وهذا هو التحول الأهم في برنامج 2025–2027: الانتقال من استخدام البنك الإسلامي للتنمية كمصدر لتمويل بعض المشروعات إلى استخدام كامل مؤسسات المجموعة لبناء سلسلة تمويل للاستثمار والإنتاج والتجارة والصادرات الجزائرية















