بوابة الجزائرالإخبارية: 204,243 تأشيرة فقط منحتها فرنسا للمواطنين الجزائريين خلال سنة 2025، بانخفاض بلغ 18.3% مقارنة بـ250,085 تأشيرة في 2024، قبل أن تعلن باريس تحركها لإعادة حجم التأشيرات إلى نحو 250 ألفًا سنويًا، بالتوازي مع مفاوضات بين مجموعة “رونو” والسلطات الجزائرية لاستئناف الإنتاج في مصنع وادي تليلات بوهران، ضمن مسار أوسع لإعادة تشغيل العلاقات الاقتصادية الجزائرية الفرنسية بعد تراجع المبادلات وتعطل عدد من المشاريع خلال العامين الماضيين.
وكشف سفير فرنسا في الجزائر، ستيفان روماتيه، أن استعادة المستوى السابق لمنح التأشيرات أصبحت من أولويات البعثة الدبلوماسية والقنصلية الفرنسية، موضحًا أن الإجراءات الجارية تشمل إعادة تدعيم المصالح القنصلية بالموظفين الضروريين، وتحسين قدرة مقدم خدمات جمع الملفات على منح المواعيد، ومعالجة الصعوبات التي واجهها الجزائريون خلال الأشهر الماضية.

وتكتسي هذه الخطوة بعدًا اقتصاديًا مباشرًا، بالنظر إلى ارتباط التأشيرات بتنقل رجال الأعمال والمستثمرين ومسيري المؤسسات والخبراء والطلبة وأصحاب المشاريع بين البلدين، إذ شدد السفير الفرنسي على أن صعوبة حصول المتعامل الاقتصادي الجزائري على التأشيرة لا تنعكس على حركة الأشخاص فقط، وإنما تؤثر في الصفقات والاستثمارات وعمليات استكشاف الأسواق والاجتماعات المهنية بين الشركات.
وتوضح الأرقام الرسمية الفرنسية حجم التراجع المسجل خلال الأزمة، إذ انخفض عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين من 250,085 تأشيرة في 2024 إلى 204,243 تأشيرة في 2025، منها 185,871 تأشيرة قصيرة الإقامة و18,371 تأشيرة طويلة الإقامة. وبذلك ظل الجزائريون ضمن أبرز الجنسيات المستفيدة من التأشيرات الفرنسية، لكنهم سجلوا أحد أكبر معدلات الانخفاض السنوي، في وقت ارتفع فيه إجمالي التأشيرات التي أصدرتها فرنسا لجميع الجنسيات بنسبة 3.5% إلى نحو 2.96 مليون تأشيرة.
تراجع المبادلات
ولا تنفصل إعادة رفع عدد التأشيرات عن محاولة استعادة التدفقات التجارية والاستثمارية، بعدما تراجعت المبادلات بين الجزائر وفرنسا بنسبة 4.3% خلال 2024 إلى 11.1 مليار يورو، بعد ثلاثة أعوام متتالية من النمو. وبلغت الصادرات الفرنسية إلى الجزائر 4.8 مليارات يورو، بزيادة سنوية قدرها 6.6%، بينما تراجعت واردات فرنسا من الجزائر بنسبة 11.2% إلى 6.3 مليارات يورو، أساسًا نتيجة انخفاض قيمة واردات النفط والغاز مع تراجع أسعار الطاقة.

وعلى الرغم من انخفاض الحجم الإجمالي للتجارة، فإن تركيبة المبادلات أظهرت استمرار الطلب الجزائري على التجهيزات الصناعية ووسائل النقل والمعدات الميكانيكية والكهربائية. فقد بلغت صادرات فرنسا من المنتجات الصناعية إلى السوق الجزائرية 1.9 مليار يورو في 2024، بينما ارتفعت صادرات معدات النقل بنسبة 28.2% إلى 1.1 مليار يورو، وهو ما يمثل 23.2% من إجمالي الصادرات الفرنسية نحو الجزائر.
كما زادت صادرات المعدات الميكانيكية والأجهزة الكهربائية والإلكترونية بنسبة 22.8% لتصل إلى 1.1 مليار يورو، في مؤشر على استمرار احتياجات السوق الجزائرية من الآلات وخطوط الإنتاج والتجهيزات المرتبطة بالمشاريع الصناعية. وفي القطاع الزراعي، ارتفعت الصادرات الفرنسية بنسبة 16.5% إلى 322 مليون يورو، مدفوعة بزيادة مؤقتة في مبيعات الحبوب، في حين تراجعت صادرات الصناعات الغذائية المصنعة بنسبة 21.9% إلى 319 مليون يورو.
وفي الاتجاه المقابل، حافظت المحروقات الجزائرية على موقعها المحوري داخل المبادلات الثنائية، إذ مثّلت المنتجات الطاقوية قرابة 90% من واردات فرنسا من الجزائر خلال 2024، بقيمة قدرتها الجمارك الفرنسية بنحو 5.7 مليارات يورو من إجمالي واردات بلغ 6.2 مليارات يورو وفق منهجيتها الإحصائية. وشملت هذه المشتريات قرابة 2.5 مليار يورو من النفط الخام، و2.4 مليار يورو من الغاز الطبيعي والمسال، إلى جانب نحو 810 ملايين يورو من المنتجات النفطية المكررة.
الجزائر رابع مورد للغاز
وتصنف الجزائر رابع مورد للغاز إلى فرنسا من حيث الحجم والقيمة، بحصة سوقية بلغت نحو 11% في 2024. كما ارتفعت قيمة واردات فرنسا من الغاز الطبيعي المسال الجزائري إلى ثلاثة أضعاف مستواها المسجل في 2019، مدفوعة بتحولات سوق الطاقة الأوروبية وارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على تنويع الإمدادات.
غير أن أحدث اتجاهات التجارة تشير إلى تغير مهم خلال 2025، إذ اقترب الميزان التجاري بين البلدين من التوازن خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة. وبلغت صادرات فرنسا إلى الجزائر نحو 3 مليارات يورو خلال الأرباع الثلاثة الأولى، مقابل 3.5 مليارات يورو في الفترة نفسها من 2024، بينما انخفضت الواردات الفرنسية من الجزائر من 4.8 مليارات إلى 3.4 مليارات يورو، بفعل تراجع فاتورة الطاقة. وبذلك تقلص العجز التجاري الفرنسي مع الجزائر بصورة لافتة مقارنة بذروته المسجلة في 2023.
ويأتي ملف مصنع رونو في وهران في مقدمة المشاريع التي تراهن باريس على إعادة تحريكها. وأكد السفير الفرنسي أن مناقشات تجري بين مجموعة رونو ووزارة الصناعة الجزائرية، معربًا عن أمل بلاده في أن يتمكن المصنع من استئناف النشاط سريعًا، في ظل ما وصفه بطلب قوي على عودة العلامات الفرنسية إلى سوق السيارات الجزائرية.
وتأسس مصنع رونو الجزائر للإنتاج في وادي تليلات بموجب اتفاق أُبرم سنة 2012، قبل تدشينه رسميًا في نوفمبر 2014. ويملك الشريك الفرنسي 49% من رأسماله، فيما تتوزع الحصة الجزائرية بين المجمع العمومي بنسبة 34% والصندوق الوطني للاستثمار بنسبة 17%.
وتبلغ القدرة الأولية المعلنة للمصنع 25 ألف سيارة سنويًا، مع إمكانية رفعها إلى 75 ألف مركبة، غير أن الموقع لم ينتج خلال 2023 سوى 2,456 سيارة، منها 2,260 سيارة من طراز لوغان و196 سيارة من طراز سانديرو، وفق البيانات المنشورة من مجموعة رونو. وكان عدد عمال المصنع يبلغ 264 موظفًا في نهاية السنة نفسها.
وتوقف النشاط الصناعي الفعلي للمصنع منذ 2020، بعد إعادة تنظيم قطاع السيارات في الجزائر ووقف نموذج تجميع المركبات المعتمد على استيراد مجموعات شبه جاهزة. وفي نوفمبر 2022، أصدرت الجزائر إطارًا تنظيميًا جديدًا لصناعة السيارات، يفرض على المصنعين بلوغ نسبة إدماج محلي لا تقل عن 10% بعد السنة الثانية، ثم 20% بعد السنة الثالثة، وصولًا إلى 30% بعد خمس سنوات من النشاط.
وقدمت رونو طلبًا جديدًا للحصول على الاعتماد واستئناف الإنتاج، غير أن السلطات الجزائرية أبدت في 2025 تحفظات مرتبطة، بحسب معلومات نشرت آنذاك، بمستوى الإدماج المحلي والملف الصناعي المقترح. وأكد رئيس غرفة التجارة والصناعة الجزائرية الفرنسية وقتها أن الرأي غير الموافق لم يكن رفضًا نهائيًا، وأن الشركة تعمل على رفع التحفظات وإيداع ملف جديد.
وعليه، فإن التصريح الجديد للسفير الفرنسي لا يعني صدور قرار نهائي بإعادة فتح المصنع، لكنه يؤكد انتقال الملف مجددًا إلى مرحلة التفاوض الرسمي، في وقت تشدد فيه الجزائر على أن عودة رونو يجب أن تتم وفق قواعد الصناعة الجديدة، وببرنامج استثماري يرفع الإدماج ويطور المناولة ويخلق قيمة محلية، بدل العودة إلى نموذج التركيب السابق.
ستيلانتيس في الجزائر
وفي المقابل، أشار روماتيه إلى أن حضور مجموعة ستيلانتيس في الجزائر يمثل عنصرًا مهمًا في استعادة الشركات الفرنسية لموقعها داخل قطاع السيارات، رغم أن نشاطها الصناعي يجري حاليًا أساسًا عبر علامة فيات ومصنع طفراوي بوهران. واعتبر أن المجموعة تضم كذلك علامات فرنسية، بينها بيجو، وأن السوق الجزائرية قادرة على استيعاب أكثر من مصنع وعلامة، شريطة احترام الإطار الصناعي الذي وضعته الحكومة.
وتتحرك إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية عبر مسار مؤسساتي موازٍ، بدأ بزيارة رئيس حركة المؤسسات الفرنسية «ميديف» إلى الجزائر في نهاية أبريل، بدعوة من رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري كمال مولى. ومن المرتقب أن يزور رئيس المجلس الجزائري باريس خلال الخريف، على أن يعود «ميديف» إلى الجزائر في أكتوبر أو نوفمبر على رأس وفد أكبر من الشركات الفرنسية.
كما سجل معرض الجزائر الدولي عودة أكثر وضوحًا للحضور الاقتصادي الفرنسي، من خلال تنظيم جناح ضم نحو 30 مؤسسة، وهو أكبر حضور للشركات الفرنسية في المعرض منذ سنوات. ويعكس هذا العدد، بحسب السفير، تزايد طلب المؤسسات الفرنسية على بعثات استكشاف السوق والبحث عن شركاء جزائريين، خصوصًا في الصناعة والتجهيزات والدواء والغذاء والمالية والخدمات الرقمية.
ولا يرتبط الاقتصاد الجزائري الفرنسي بالشركات الكبرى وحدها، إذ تظهر دراسة حديثة للجمارك الفرنسية أن 5,222 مؤسسة فرنسية كانت تصدر إلى الجزائر خلال 2023. ومن بين هذه المؤسسات، كانت 1,311 شركة تصدر إلى السوق الجزائرية فقط، وحققت ما يعادل 11% من إجمالي الصادرات الفرنسية نحو الجزائر، ما يكشف وجود شريحة واسعة من الشركات الصغيرة والمتوسطة شديدة الارتباط بالطلب الجزائري.
وازداد عدد المؤسسات الفرنسية التي لا تصدر سوى إلى الجزائر بنحو 40% بين 2019 و2023، أي بزيادة تقارب 400 شركة. غير أن الجمارك الفرنسية أشارت إلى تراجع عدد المصدرين خلال 2025، رغم بقاء قيمة الصادرات قريبة من مستويات 2024، وهو ما يعني أن الانخفاض مس بصورة أساسية الشركات الصغيرة والأقل قدرة على تحمل تكاليف الأزمة وتعطل المواعيد والتنقلات والمدفوعات والعقود.
مجموعة «CMA CGM»
وفي قطاع النقل البحري واللوجستيك، أجرى رئيس مجموعة «CMA CGM» محادثات في الجزائر بشأن نشاط المجموعة ومشاريعها المستقبلية، بينما ينتظر وصول وفد متخصص في الصحة والصناعة الصيدلانية. كما تراهن باريس على توسيع التعاون في الصناعات الغذائية والخدمات المالية والابتكار والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، مستفيدة من توسع المؤسسات الناشئة الجزائرية وحضورها المتزايد في التظاهرات التكنولوجية الفرنسية.
وتبقى الاستثمارات المباشرة عنصرًا رئيسيًا في هذه العلاقة، إذ بلغ رصيد الاستثمارات الفرنسية المباشرة في الجزائر نحو 2.8 مليار يورو في 2023، ما وضع فرنسا في المرتبة الثالثة بين المستثمرين الأجانب، وربما في المرتبة الأولى خارج قطاع المحروقات، وفق تقديرات المديرية العامة للخزينة الفرنسية. وتتركز هذه الاستثمارات أساسًا في الخدمات المالية والصناعة التحويلية والصناعات الاستخراجية.
وتكشف المؤشرات مجتمعة أن استعادة العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وفرنسا لن تُقاس بعدد الزيارات والوفود فقط، وإنما بمدى تحول الإعلانات إلى اعتمادات صناعية واستثمارات وعقود جديدة وزيادة فعلية في حركة رجال الأعمال. وفي هذا السياق، تمثل عودة التأشيرات إلى عتبة 250 ألفًا، وإعادة تشغيل مصنع رونو في وهران، وتنظيم وفد واسع لـ«ميديف»، أبرز الاختبارات العملية لمسار اقتصادي يسعى إلى استدراك الوقت الضائع وإعادة بناء المبادلات على أساس الاستثمار والإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا.












