بوابة الجزائر الإخبارية: 55.3 مليون يورو هي القيمة المعلنة لأربعة برامج تعاون جزائرية–ألمانية قيد التنفيذ في مجالات الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة والرقمنة والتكوين المهني وتحديث تسيير البلديات، وفق حسابات الجريدة الاقتصادية تادامسا نيوز و التي بنتها على البيانات الرسمية للمشروعات. وتكشف هذه البرامج أن زيارة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إلى ألمانيا تستند إلى قاعدة تعاون فعلية وقابلة للتوسع، بما يهيئ لمرحلة جديدة تركز على الاستثمار المنتج، ونقل التكنولوجيا، ورفع كفاءة المؤسسات الجزائرية، وربط التحول الطاقوي والرقمي بأولويات التنويع الاقتصادي وخلق فرص العمل.

وأكدت المديرة المقيمة للوكالة الألمانية للتعاون الدولي في الجزائر، إلكه فورستر، أن زيارة الرئيس تبون، التي تستمر يومين، تمثل محطة جديدة لتعميق الشراكة الثنائية، وتسمح بتجديد التأكيد على الأولويات المشتركة واستكشاف مجالات إضافية للتعاون.
وأوضحت فورستر، في تصريح لوكالة الأنباء الجزائرية، أن العلاقات الجزائرية الألمانية دخلت ديناميكية جديدة، بعدما توسع التعاون خلال السنوات الأخيرة من برامجه التقليدية إلى الانتقال الطاقوي والتنويع الاقتصادي والتكوين المهني والهيدروجين الأخضر والعمل المناخي والابتكار.

وتكتسب تصريحات المسؤولة الألمانية أهمية خاصة لأنها تربط نتائج زيارة الرئيس تبون بالانتقال إلى مرحلة تنفيذية، إذ أعلنت استعداد الوكالة لمرافقة التوجهات التي ستحددها الحكومتان، بالتنسيق مع المؤسسات الجزائرية وبالاستناد إلى حضور الوكالة وخبرتها الممتدة في الجزائر.
برنامج «TaqatHy+»
ويمثل برنامج «TaqatHy+» أحد أبرز النماذج التي تكشف طبيعة الشراكة الجديدة. إذ تبلغ قيمة مرحلته الحالية 28 مليون يورو، بعد إضافة دعم أوروبي إلى تمويل ألماني سابق قدره 13 مليون يورو. وبدأ البرنامج في ديسمبر 2022، ويستمر إلى غاية ماي 2029، تحت قيادة وزارة الطاقة الجزائرية وتنفيذ الوكالة الألمانية للتعاون الدولي.
ولا يقتصر البرنامج على تقديم الاستشارات، بل يشمل دعم إدماج مشروعات الطاقة المتجددة في الشبكة الكهربائية بالتعاون مع سونلغاز، وتطوير آليات تمويل المشروعات الخضراء، وتأهيل المتعاملين الجزائريين، وتحسين سلاسل القيمة المحلية، ومرافقة إعداد الإطار التنظيمي للاقتصاد المستقبلي للهيدروجين الأخضر.

كما يتضمن إنجاز أطلس جزائري للهيدروجين الأخضر لتحديد أفضل مواقع الإنتاج، وإعداد دراسات السوق والنماذج المالية، وتقييم فرص استعمال الهيدروجين ومشتقاته داخل الاقتصاد الوطني، إلى جانب إنشاء قاعدة رقمية للبيانات وتطوير برامج تكوين متخصصة لفائدة المؤسسات العمومية والخاصة ومراكز البحث.
وتخدم هذه المكونات المصلحة الاقتصادية الجزائرية من خلال ربط التحول الطاقوي بإنشاء القيمة محليًا، بدل حصر التعاون في إنتاج طاقة نظيفة موجهة للتصدير. كما يفتح البرنامج المجال أمام المؤسسات الجزائرية لدخول سلاسل تصنيع وتجهيز وصيانة مشروعات الطاقة الشمسية والهيدروجين، والاستفادة من التمويل الأخضر ونقل الخبرة.
ويشمل «TaqatHy+» كذلك تحسين النجاعة الطاقوية في المباني العمومية، وخفض حرق الغاز وتقليص انبعاثات الميثان في قطاع المحروقات، بما يسمح للجزائر بتحسين الأداء البيئي لمنشآتها، وتعزيز تنافسية صادراتها الطاقوية أمام القواعد المناخية الأوروبية المتزايدة.

وفي مجال الطاقة المحلية، أبرزت فورستر النتائج المحققة ضمن مشروع «البلديات الخضراء»، مشيرة إلى أن تركيب الألواح الشمسية فوق مبانٍ عمومية في عدد من البلديات سمح بتوفير نحو 3614 ميغاواط/ساعة من الكهرباء، أي ما يعادل 3.614 غيغاواط/ساعة.
وتحول المشروع بعد نجاح مرحلته الأولى إلى برنامج أوسع يحمل اسم «البلديات الخضراء 2»، باستثمار ألماني قدره 6 ملايين يورو يمتد إلى نهاية 2027، ويركز على تحسين إدارة الطاقة وتقليص فاتورة الكهرباء وتعميم الأدوات الرقمية على الجماعات المحلية.
وتكشف أحدث بيانات الوكالة الألمانية أن المرحلة الأولى أنشأت خلايا لإدارة الطاقة في ست بلديات نموذجية، وساهمت في تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 2600 طن، إلى جانب تكوين أكثر من 500 موظف محلي في مجالات النجاعة الطاقوية وإدارة الاستهلاك.
أما المرحلة الثانية، فتستهدف إتاحة أدوات رقمية لإدارة الطاقة لفائدة جميع بلديات الجزائر البالغ عددها 1541 بلدية، وتنفيذ إجراءات مناخية وطاقوية داخل 30 بلدية، مع توعية نحو 100 ألف مواطن بأهمية ترشيد الاستهلاك واستعمال الطاقات المتجددة.

إنتاج الكهرباء الشمسية
وتتجاوز القيمة الاقتصادية للمشروع إنتاج الكهرباء الشمسية، إذ يسمح بتقليص نفقات الجماعات المحلية، وتحسين إدارة الإنارة والمباني العمومية، وفتح سوق أمام المؤسسات الجزائرية الناشطة في الألواح الشمسية والتجهيزات الكهربائية والتدقيق الطاقوي والصيانة والخدمات الرقمية.
وفي مجال التكوين المهني، تنفذ الوكالة برنامجًا بقيمة 5.9 ملايين يورو خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2024 إلى أوت 2028، بالشراكة مع وزارة التكوين والتعليم المهنيين، بهدف تحسين قابلية تشغيل خريجي مؤسسات التكوين ومواءمة تخصصاتهم مع حاجات سوق العمل.
ويركز المشروع على مجالات النجاعة الطاقوية والطاقات المتجددة وتكنولوجيا المعلومات والاقتصاد الرقمي، مع تعزيز التعاون بين مراكز التكوين والمؤسسات الاقتصادية، وتحديث أساليب التعليم وإدراج أدوات التعلم الرقمي.
وتبرز أهمية هذا المسار في أنه يربط التعاون الجزائري الألماني بخلق اليد العاملة المؤهلة التي تحتاج إليها المشروعات الصناعية والطاقوية الجديدة، بدل الاعتماد الطويل على الخبرة الأجنبية. كما يرفع فرص توظيف الشباب ويدعم قدرة المؤسسات الجزائرية على تشغيل التكنولوجيا وصيانتها وتطويرها.
وفي قطاع المؤسسات الناشئة، يجري تنفيذ برنامج «التنمية الاقتصادية الخضراء والرقمية في الجزائر» بالتعاون مع وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة، باستثمار معلن قدره 15.4 مليون يورو، من بينها تمويل أوروبي مشترك، ويستمر إلى غاية أفريل 2028.
ويستهدف البرنامج تحسين بيئة الابتكار ومرافقة المؤسسات الناشئة وتطوير المشروعات ذات الصلة بالاقتصاد الأخضر والرقمنة، بما يساعد على تحويل الحلول التكنولوجية الجزائرية إلى نشاط اقتصادي ويوسع فرص التمويل والشراكة والوصول إلى الأسواق.

وأشادت فورستر بحصيلة هذه البرامج، معتبرة أن من أبرز نتائجها انتقال المؤسسات الجزائرية من مرحلة الاستفادة من المرافقة إلى تطبيق الأدوات والمقاربات بصورة مستقلة، وهو مؤشر على أن التعاون بدأ ينتج قدرات وطنية قابلة للاستمرار.
ويعكس هذا التوجه تحولًا في طبيعة التعاون التقني، من برامج منفصلة محدودة الأثر إلى منظومة تربط الطاقة بالتكوين والرقمنة والمؤسسات الناشئة والإدارة المحلية. كما ينسجم مع أولويات الجزائر الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتطوير الصناعة الخضراء ورفع تنافسية المؤسسات الوطنية وخلق وظائف قائمة على المهارات.
وتستند هذه الشراكة إلى قاعدة مؤسساتية بدأت بإنشاء اللجنة الاقتصادية المشتركة في 2011، ثم إطلاق الشراكة الجزائرية الألمانية للطاقة في 2015، قبل تأسيس فريق عمل مشترك للهيدروجين في فيفري 2024 وانضمام البلدين إلى مشروع الممر الجنوبي لنقل الهيدروجين نحو ألمانيا عبر تونس وإيطاليا والنمسا.
وتعزز المسار في 17 جوان 2026، عندما وقعت سوناطراك وشركة «VNG AG» الألمانية مذكرة تفاهم لدراسة إجراءات عملية ومشروعات مشتركة في الهيدروجين الأخضر والأمونيا وتقليص انبعاثات الميثان، امتدادًا للتعاون الذي بدأ بين الطرفين في ديسمبر 2022.
كما سلمت سوناطراك في 2 جويلية 2026 أول شحنة جزائرية من الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا عبر محطة «فيلهلمسهافن 1»، بعد تحميلها من مركب «GL2Z» في بطيوة، وهو تطور نقل العلاقات الطاقوية بين البلدين من الدراسات المستقبلية إلى تدفقات تجارية فعلية.
وتكشف هذه الكرونولوجيا أن زيارة الرئيس تبون تأتي بعد سلسلة من التطورات التنفيذية، ما يرفع فرص تحويل المباحثات إلى برامج وتمويلات ومشروعات إضافية، خصوصًا في الهيدروجين والطاقة الشمسية والرقمنة والتكوين والصناعة الخضراء.

إنتاج قيمة مضافة داخل البلاد
ومن المنظور الجزائري، يتمثل الرهان الأساسي في توجيه المرحلة المقبلة نحو إنتاج قيمة مضافة داخل البلاد، عبر إشراك المؤسسات الوطنية في إنجاز المشروعات، وتوطين المعرفة، وتكوين المهندسين والتقنيين، وتطوير مراكز البحث والحلول الرقمية، بدل الاكتفاء باستيراد المعدات أو تصدير الطاقة في صورتها الأولية.
وأكدت المديرة المقيمة للوكالة الألمانية أن الطاقات المتجددة والتكوين المهني والتحول الرقمي ستظل ضمن أولويات التعاون المقبلة، مع إطلاق برامج جديدة لدعم المؤسسات والشركات والشباب.
وبذلك، تعكس زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى ألمانيا انتقال الشراكة الثنائية إلى مرحلة تقوم على نتائج قابلة للقياس: كهرباء نظيفة منتجة محليًا، وفواتير طاقة أقل، ومهارات مرتبطة بسوق العمل، ومؤسسات ناشئة أكثر قدرة على الابتكار، ومشروعات هيدروجين تفتح أمام الجزائر فرصًا صناعية وتصديرية جديدة.
وسيُقاس نجاح المرحلة الجديدة بحجم الاستثمارات التي تتحول إلى مشروعات داخل الجزائر، وعدد الوظائف والكفاءات التي تنتجها، ومدى إدماج المؤسسات الجزائرية في سلاسل القيمة الخضراء والرقمية. أما المؤشرات الحالية، فتؤكد أن الجزائر أصبحت شريكًا أساسيًا لألمانيا في ملفات الطاقة المستقبلية والتنويع الاقتصادي وبناء القدرات




















