بقلم محمد قنديل : مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية : يقوم الفكر السياسي الكلاسيكي على فرضية أن الدولة كيان يخدم المصلحة العامة، لكن الحالة المغربية تقدم نموذجاً مغايراً تماماً، حيث تتماهى السلطة مع بنية عصاباتية وظيفية تُسخّر مقدرات البلاد لخدمة أجندات خارجية مركبة تشمل فرنسا، والحركة الصهيونية، وصندوق النقد الدولي، وقوى إقليمية ودولية أخرى.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري حول مركز الثقل الحقيقي في إتخاذ القرار.. هل هي الملكية التي يستحوذ رأسها السادس إبن لطيفة على الحصص الأكبر من الإقتصاد، أم هو { المخزن } بأذرعه الإستخباراتية والأمنية والعسكرية التي تحكم قبضتها على الأرض؟
إن الفصل بين الملكية والمخزن هو فصل نظري ووهمي؛ فكلاهما يمثلان وجهين لعملة واحدة تشكل ما يمكن تسميته { بالسيستيم }.

دستورياً، تحتكر الملكية مفاصل الدولة التشريعية، القضائية، التنفيذية، الدينية، العسكرية، والإقتصادية ، مما يجعل إبن لطيفة الحاكم والمسؤول الأول عن مصير البلاد، أما على أرض الواقع، فإن الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية والمخابرات والجيش هي الأداة التنفيذية الخشنة التي تحمي هذه البنية وتحافظ على إستمرارها، إذ لا يمكن للمخزن أن يتحرك دون غطاء شرعي توفره الملكية، ولا يمكن للملكية أن تصمد يوماً واحداً دون العصا الغليظة للأجهزة الأمنية التي تقمع كل صوت حر وتخنق أي محاولة للتغيير.
ويتضح من تتبع مسار الحكم في العقود الأخيرة أن هناك تقاسماً وظيفياً دقيقاً للمهام داخل هذه المنظومة، فرأس السلطة الذي يبدو غائباً في كثير من الأحيان عن التدبير اليومي لشؤون المواطنين، يركز جهوده وإهتمامه على مراكمة الثروات، وتوسيع الإمبراطورية المالية القابضة، وإقتناص حصص الأرباح من الصفقات الكبرى والمشاريع الإحتكارية له ولعائلته، مستغلاً مآسي الشعب وأزماته الإقتصادية كفرص إستثمارية لزيادة رأس المال، وهذا الغياب الفعلي عن هموم الشعب يُعوّض بحضور طاغٍ للمخزن بكل أدواته القمعية، من الداخلية والمخابرات الداخلية والخارجية إلى الأمن والدرك، لإدارة الفضاء العام بالحديد والنار، وضمان السيطرة على المجتمع ومنع أي إنفجار إجتماعي قد يهدد مصالح النخبة الحاكمة.

وتتجلى هذه الدينامية بوضوح في محطات واقعية حية؛ فبينما كانت الفاجعة الإنسانية لزلزال الحوز تعصف بآلاف المشردين تحت الأنقاض، تحولت الكارثة إلى مناسبة للإسترزاق عبر التسول و إغراق البلاد بالملايير من الدراهم كقروض بحجة إعادة الإعمار الوهمي مستغلين بشكل بشع مصيبة الزلزال لتمرير صفقات إعادة الإعمار الإحتكارية عبر الشركات التابعة للهولدينغ الملكي والمقربين من المربع الأمني، في وقت تولى فيه المخزن محاصرة المناطق المنكوبة ومنع قوافل التضامن المدني المستقلة لتأميم المعاناة والتحكم في المساعدات.
وعلى جبهة أخرى، يكشف ملف حراك الريف وإعتقال الصحفيين الأحرار وقادة الرأي كيف يتحرك المخزن { كبلطجي } رسمي؛ حيث تُسخّر المخابرات وأجهزة الأمن أدوات التشهير الأخلاقي، والتجسس الرقمي عبر برمجيات خبيثة مثل { بيغاسوس }، لتصفية أي صوت ينبش في كواليس الثروة الإحتكارية أو ينتقد السياسات التفقيرية المفروضة من صندوق النقد الدولي، وهكذا تبدو الأجهزة الأمنية، في هذا التصور، أقل إرتباطاً بحماية الوطن وأكثر إرتباطاً بحراسة المنظومة السياسية والإقتصادية القائمة.
هذه التركيبة المافيوية جعلت من المغرب دولة وظيفية بإمتياز، تفصلها فجوة سحيقة عن تطلعات الشعب، فالقرارات الإستراتيجية الكبرى، من التطبيع والتحالفات العسكرية إلى الإرتماء الكامل في أحضان الإملاءات الأمنية، المخابراتية، والعسكرية لإسرائيل، وكذا التوجيهات الإقتصادية لصندوق النقد الدولي، لا تنبع من مصلحة وطنية عليا، بل هي ثمن تدفعه المنظومة المتحكمة لضمان شرعيتها وإستمرارها الدولي، بحيث يقوم المخزن بحراسة هذه الخيارات وتأمين إلتزاماتها على الأرض عبر تكميم الأفواه، بينما تستفيد الملكية من التدفقات المالية والحماية السياسية التي توفرها تلك القوى الخارجية.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن تحكم منفرد لأحدهما دون الآخر.. إن الملكية هي الرأس المالي والرمزي للنظام، والمخزن هو جسده الأمني الضارب، والطرفان يقتسمان الغنيمة والنفوذ في إطار عقد عصاباتي متكامل، وتبادل الأدوار هذا، بين ملكية تبحث عن المال والصفقات، ومخزن يمارس السيطرة الأمنية المطلقة، يحول الدولة من مؤسسة لخدمة المواطنين إلى آلية وظيفية لخدمة المصالح الأجنبية ونهب الداخل، مما يضع البلاد أمام حتمية مواجهة هذه البنية المركبة ككل لا يتجزأ.








