بوابة الجزائر الإخبارية: 650 مليون يورو من الآلات والتجهيزات صدرتها إيطاليا إلى الجزائر خلال ستة أشهر فقط، بزيادة سنوية بلغت 52.6%، قبل أن تدفع اليوم، 28 سبتمبر 2026، بـ13 شركة متخصصة إلى الجزائر لاستهداف قطاع أكثر تحديدًا: الميكنة الزراعية والري الذكي والرقمنة والتخزين. وتضع الأرقام البعثة في سياق تجاري يتجاوز الترويج للجرارات والمعدات، إذ أصبحت الآلات تمثل أكثر من 40% من إجمالي الصادرات الإيطالية نحو السوق الجزائرية خلال النصف الأول من العام.
وحسب برنامج وكالة التجارة الإيطالية «ICE»، تنظم الوكالة بالتعاون مع الاتحاد الإيطالي لمصنعي الآلات الزراعية «FederUnacoma» يومي 28 و29 سبتمبر بعثة أعمال موجهة إلى قطاعات المعدات الزراعية وتربية المواشي والري الذكي والرقمنة والمشاتل والبستنة وتخزين المنتجات.
ويضع هذا التخصص الشركات الإيطالية مباشرة أمام واحدة من أولويات الاستثمار الزراعي في الجزائر، حيث لم يعد توسيع الإنتاج مرتبطًا بالأرض وحدها، بل بقدرة المستثمرات على رفع مردودية المياه، وتسريع العمليات الزراعية، وتقليل الفاقد عند الحصاد والتخزين، وإدخال أنظمة مراقبة وتحكم أكثر دقة في الإنتاج.
ويبدأ البرنامج في فندق الأوراسي بالجزائر العاصمة بجلسة مؤسساتية تشارك فيها سفيرة إيطاليا لدى الجزائر أليساندرا شيافو ونائب المدير العام لـ«FederUnacoma» فابيو ريتشي، قبل انتقال الشركات الإيطالية إلى اجتماعات مباشرة مع المتعاملين الجزائريين تستمر إلى غاية السادسة مساء.
أما يوم 29 سبتمبر، فينتقل الوفد من الاجتماعات إلى الميدان عبر زيارات لمؤسسات ومستثمرات زراعية في منطقة الجزائر، بهدف معاينة طبيعة التجهيزات المستخدمة واحتياجات المنتجين وأنظمة الري والتخزين وظروف الاستغلال.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية تجارية بالنسبة إلى المصنعين الإيطاليين، لأنها تسمح ببناء العروض على احتياجات حقيقية للمستثمرات بدل الاكتفاء بتسويق معدات مصممة لأسواق وظروف إنتاج مختلفة.
الآلة أصبحت أكبر بند في الصادرات الإيطالية
ولا تنطلق البعثة في ظرف تجاري عادي. فقد بلغت المبادلات بين الجزائر وإيطاليا خلال النصف الأول من 2026 نحو 6.78 مليارات يورو، توزعت بين 5.22 مليارات يورو من الصادرات الجزائرية إلى إيطاليا و1.56 مليار يورو من المبيعات الإيطالية إلى الجزائر.
وارتفعت الصادرات الإيطالية إجمالًا بـ7.5%، لكن نمو مبيعات الآلات كان أسرع بكثير، بعدما وصلت إلى نحو 650 مليون يورو بزيادة 52.6% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
وهذا الرقم لا يتعلق بالآلات الزراعية وحدها، وإنما بمختلف الآلات والتجهيزات الميكانيكية والصناعية، لكنه يكشف طبيعة التحول داخل الواردات الجزائرية من إيطاليا: نسبة متزايدة منها تتجه إلى وسائل الإنتاج والتجهيز بدل السلع الاستهلاكية.
وتظهر التفاصيل حجم هذا الطلب. فقد ارتفعت صادرات الآلات ذات الاستخدام العام إلى نحو 280 مليون يورو، مسجلة زيادة بـ154.5%، بينما بلغت فئة أخرى من الآلات العامة 186 مليون يورو، بارتفاع 29.1%، ووصلت المعدات ذات الاستخدامات المتخصصة إلى 159 مليون يورو، بنمو 10.8%.
وتشمل هذه الفئات المضخات والضواغط والأنظمة الهيدروليكية ومختلف المعدات الميكانيكية التي يستخدم جزء منها في المنشآت الزراعية والري وإدارة المياه والتخزين والتحويل.
وبذلك تأتي بعثة الميكنة الزراعية في سوق أثبتت بالفعل قدرتها على استيعاب تجهيزات إيطالية بقيمة كبيرة، لكن التحدي الجديد يتمثل في توجيه جزء أكبر من هذا الطلب إلى تحديث الإنتاج الزراعي.
الري والتخزين يدخلان الصفقة
وتغطي الشركات الـ13 مجالات تتجاوز الجرارات والحرث والحصاد، لتشمل حماية المحاصيل وتربية المواشي وتجهيزات الحبوب والكروم والأشجار المثمرة وتحويل زيت الزيتون والري والرقمنة.
ويعكس إدراج الري الذكي توجهًا تجاريًا نحو قطاع يتزايد فيه الطلب على تقنيات التحكم في المياه، خصوصًا مع توسع الاستثمارات الزراعية في المناطق الجنوبية واعتماد مساحات كبيرة على الضخ وأنظمة السقي المحوري والتنقيط.
وفي هذا النوع من الاستثمار، لا تحدد كلفة المعدات وحدها الجدوى الاقتصادية، بل كمية المياه والطاقة المستهلكة لكل هكتار، ودقة توزيع السقي، وإمكانية مراقبة الشبكات والأعطال والاستهلاك عن بعد.
ولهذا تنتقل المنافسة تدريجيًا من بيع المضخة أو نظام الري إلى تقديم منظومة تشمل أجهزة الاستشعار والتحكم والبيانات والصيانة.
ويظهر الاتجاه نفسه في التخزين. فزيادة الإنتاج الزراعي تحتاج بالتوازي إلى قدرات في الجمع والتجفيف والتبريد والتخزين، خصوصًا في الحبوب والخضر والفواكه، لأن خسائر ما بعد الحصاد تستطيع تقليص الأثر الاقتصادي للزيادة المحققة في الحقول.
كما تفتح تجهيزات تحويل الزيتون والمنتجات الزراعية مجالًا آخر للشركات الإيطالية، يرتبط برفع القيمة المضافة قبل وصول المنتوج إلى السوق بدل الاكتفاء بزيادة حجم الإنتاج الخام.
الطاقة الجزائرية مقابل الآلة الإيطالية
وتكشف المبادلات بين البلدين عن تركيب اقتصادي واضح. فقد استوردت إيطاليا خلال النصف الأول من 2026 نحو 4.3 مليارات يورو من الغاز الطبيعي الجزائري، أي أكثر من 82% من مجموع وارداتها من الجزائر، بينما تركز جزء متزايد من صادراتها في الآلات والتجهيزات.
وتعني هذه البنية أن الطاقة تتحرك أساسًا من الجزائر إلى إيطاليا، في حين تتحرك التكنولوجيا والمعدات في الاتجاه المعاكس.
غير أن رفع القيمة الاقتصادية لهذه العلاقة بالنسبة إلى الجزائر يرتبط بمدى انتقال التعاون من استيراد الآلة الجاهزة إلى خدمات ما بعد البيع والصيانة والتكوين وقطع الغيار، ثم إلى تصنيع مكونات أو تجهيزات محليًا عندما يسمح حجم السوق بذلك.
وهذه المسألة أكثر أهمية في القطاع الزراعي مقارنة ببعض التجهيزات الأخرى، لأن الآلة تعمل في ظروف ميدانية قاسية وتحتاج إلى صيانة مستمرة وقطع غيار سريعة التوفر. وأي توقف طويل للمعدات خلال موسم الحرث أو الحصاد يمكن أن تكون تكلفته أعلى من فارق سعر الشراء الأولي.
لذلك، فإن العقود التي يمكن أن تنتج عن البعثة ستكتسب وزنًا أكبر إذا تضمنت تكوين التقنيين وشبكات صيانة محلية ومخزونًا لقطع الغيار وخدمات تقنية طويلة الأجل، بدل أن تنتهي العلاقة عند تسليم التجهيزات.
سوق زراعية كبيرة أمام المصنعين الإيطاليين
وتقدر وكالة «ICE» مساهمة الزراعة بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي الجزائري، مع مساحة زراعية مستعملة تتجاوز 8.6 ملايين هكتار، فيما ترى أن نسبة معتبرة من النشاط ما تزال تستخدم وسائل تقليدية بدرجات متفاوتة.
وبالنسبة إلى الشركات الإيطالية، تمثل هذه الفجوة سوقًا محتملة للميكنة والزراعة الدقيقة. أما بالنسبة إلى الجزائر، فهي تطرح مسألة أكثر ارتباطًا بالإنتاجية: ما مقدار الزيادة في المردود التي تستطيع المعدات الجديدة تحقيقها، وما مقدار المياه واليد العاملة والوقت الذي يمكن توفيره؟
وتزداد أهمية هذه المعادلة في الحبوب والزراعات الصحراوية، حيث تتطلب المساحات الكبيرة مستويات أعلى من الميكنة، بينما تفرض ندرة المياه استخدام تقنيات تسمح بمراقبة السقي والتسميد بصورة أدق.
وتأتي المهمة الحالية بعد منتدى الأعمال الجزائري–الإيطالي في جويلية 2025، لكنها تختلف عنه في كونها بعثة قطاعية ضيقة، تجمع المصنعين مباشرة بالمستخدمين المحتملين ثم تنقلهم إلى مواقع الإنتاج.
وحتى انطلاق البرنامج، لا توجد قيمة معلنة لصفقات توريد جديدة أو اتفاقات لتصنيع المعدات الزراعية في الجزائر. وبالتالي، لا تمثل مشاركة الشركات الـ13 استثمارًا إيطاليًا محققًا في حد ذاته، وإنما مرحلة تفاوض واختيار شركاء واختبار للطلب.
لكن الرقم التجاري الذي يسبقها يرفع سقف الرهان؛ فبعد أن قفزت مبيعات الآلات الإيطالية للجزائر بـ52.6% في ستة أشهر، تحاول الشركات الآن تحويل هذا الزخم إلى قطاع زراعي يحتاج إلى معدات أكثر تخصصًا.
وسيظهر الأثر الفعلي للبعثة في طبيعة ما ينتج عن لقاءات الجزائر: عقود بيع معدات فقط، أم شراكات تشمل الصيانة والتكوين والرقمنة ونقل المعرفة وربما التصنيع المحلي لبعض المكونات. فالفرق بين المسارين هو ما سيحدد ما إذا كانت الميكنة ستزيد فاتورة التجهيز المستورد فقط، أم تتحول إلى أداة لرفع إنتاجية الزراعة الجزائرية وبناء خدمات وصناعات مرتبطة بها داخل البلاد






















