بوابة الجزائر الاخبارية : في عالم السياسة والدبلوماسية، غالباً ما تُحسب الرمزيات بدقة بالغة، وتُدار الزيارات الرسمية على وقع بروتوكولات صارمة لتجنب أي مفاجآت. غير أن العاصمة الإسبانية مدريد شهدت، تزامناً مع زيارة الدولة التي يؤديها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سيناريو درامياً نادراً؛ إذ وجد الرئيس الفرنسي نفسه أمام مطب تشريعي غير متوقع تمثل في رفض مجلس الشيوخ الإسباني المصادقة على معاهدة الصداقة والتعاون بين البلدين، وذلك قبل دقائق معدودة من مأدبة العشاء الرسمية التي أقيمت على شرفه في القصر الملكي.
لم يكن التوقيت مجرد صدفة برلمانية عابرة، بل حمل دلالات سياسية عميقة عكست حجم الاستقطاب الحزبي الداخلي في إسبانيا وانعكاساته الفورية على السياسة الخارجية. فبينما كان إيمانويل ماكرون يسعى لتعزيز الشراكة الاستراتيجية وتكريس محور باريس ومدريد في توقيت إقليمي دقيق تمر به القارة الأوروبية، جاء التصويت السلبي لمجلس الشيوخ الإسباني ليلقي بظلاله الثقيلة على المشهد، دافعاً برئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى تقديم اعتذار رسمي للضيف الفرنسي، في مشهد يعكس حرج الدبلوماسية التنفيذية أمام تعنت السلطة التشريعية.

ويعود هذا التعثر إلى هيمنة المعارضة اليمينية، وتحديداً الحزب الشعبي الذي يمتلك الأغلبية المطلقة في مجلس الشيوخ الإسباني. فقد أبدى الحزب معارضة شرسة لبعض بنود المعاهدة منذ طرحها، مبرراً موقفه بضرورة إخضاع الترتيبات الواردة فيها لتدقيق دستوري وقانوني صارم. وعلى الرغم من إحالة المسألة إلى القضاء الإسباني الذي خلص في تاريخ سابق قريب إلى أن المعاهدة لا تتعارض مع الدستور، إلا أن الحسابات الحزبية والضغط السياسي ظلا أرجح كفة داخل الغرفة العليا للبرلمان، مما أسفر عن هذا الرفض الصادم الذي يضع الاتفاقية في مهب المعارك السياسية الداخلية.
تتجاوز تداعيات هذا الرفض الثنائي الإطار الفرنسي الإسباني لتلامس المشهد الأوروبي الأوسع. ففي وقت تواجه فيه المؤسسات الأوروبية تحديات جسيمة تختبر تماسكها ووحدة قرارها الخارجي، يؤكد هذا الحادث مجدداً هشاشة الاتفاقيات الثنائية الكبرى عندما تصطدم بالتجاذبات الحزبية الداخلية والانقسامات المؤسساتية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الدول الأعضاء.
إن ما حدث في مدريد ليس نهاية المطاف بالنسبة لمعاهدة الصداقة والتعاون، إذ تتيح القوانين الإسبانية عادة مسارات لتجاوز عرقلة مجلس الشيوخ لاحقاً عبر إقرارها نهائياً في مجلس النواب. غير أن الضرر الرمزي قد وقع، وأثبت مجدداً أن زعماء الدول الكبرى، وعلى رأسهم إيمانويل ماكرون، باتوا رهائن للمشاهد السياسية المحلية المتقلبة في الدول التي يزورونها لتعزيز التحالفات. إنها باختصار، درس بليغ في أن الدبلوماسية الحديثة لم تعد تُصاغ خلف الأبواب المغلقة فحسب، بل تُختبر على أرضية البرلمانات وسط العواصف الحزبية.



















