بوابة الجزائر الإخبارية : في تحركٍ استراتيجي يُجسّد البُعد الدولي للدبلوماسية الطاقوية الجزائرية، تُسارِع بنغلاديش إلى فتح قنوات مباحثات رفيعة المستوى مع مجمّع ‘سوناطراك’ لعقد اتفاق متوسط الأجل يضمن توريد نحو عشر شحنات سنوية من الغاز الطبيعي المسال. وتأتي زيارة وزير الطاقة البنغلاديشي إلى العاصمة الجزائرية كخطوة حاسمة لتأمين بدائل عاجلة تُعوّض التوقف الطارئ للإمدادات القادمة من قطر وسلطنة عمان، مما يُسلط الضوء على مكانة الجزائر كملاذٍ طاقوي موثوق وقادر على الاستجابة المرنة لاحتياجات الأسواق الآسيوية في أوقات الأزمات.

وفي هذا السياق، يصرح وضاح طه، الخبير الطاقوي والعضو في الجمعية العالمية للطاقة،” لبوابة الجزائر بمجموعة من التحليلات الشاملة لآفاق وأبعاد هذه المفاوضات.
ترسيخ ميزة المورد الموثوق والمرونة التشغيلية لسوناطراك
يرى وضاح طه، الخبير الطاقوي والعضو في الجمعية العالمية للطاقة، أن توجّه بنغلاديش المباشر نحو سوناطراك فور تعثر الإمدادات القادمة من الموردين التقليديين في الخليج العربي يعكس ثقة دولية عميقة في الانضباط التعاقدي الصارم الذي تتسم به الجزائر، وقدرتها المشهودة على الوفاء بالالتزامات دون التأثر الهيكلي بالتقلبات والاضطرابات الجيوسياسية.
ويؤكد “طه” أن طلب دكا الحصول على عشر شحنات سنوية يعتمد على تقييم آسيوي دقيق للإمكانات اللوجستية والتشغيلية الجزائرية، حيث تملك الجزائر أسطولاً متطوراً لنقل الغاز المسال وقدرات تسييل عالية في مركبّي “أرزيو” و”سكيكدة”، مما يمنح شركة سوناطراك هامش مناورة واسعاً لتوفير شحنات فورية أو متوسطة المدى دون إحداث أي ارتباك في سلاسل إمدادها
تأمين سلاسل التوريد وتفادي مخاطر الممرات البحرية
ويضيف الخبير الطاقوي وضاح طه أن أسواق جنوب وثاني أكبر قارة تعاني من هشاشة عالية في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع، وهو ما يجعل استيعاب الغاز المسال الجزائري خياراً حاسماً لبنغلاديش لتنويع مصادر التزود وتقليل المخاطر المرتبطة بالمرور عبر نقاط الاختناق الملاحية الحساسة.
ويوضح العضو في الجمعية العالمية للطاقة أن هذه المفاوضات لا تُعبر عن مجرد صفقة تجارية طارئة، بل تشير إلى تحول نوعي في التموضع الجيواقتصادي للجزائر، حيث يتجاوز دورها نطاق المورد الإقليمي الحصري لأوروبا ليترسخ كبديل طاقوي دولي يمتلك الجاهزية الكاملة لسد الفجوات الطارئة في عمق الأسواق الآسيوية.
الاستراتيجية الهجينة والفصل بين غاز الأنابيب والغاز المسال
أما بشأن قدرة الجزائر على الموازنة بين عقودها الأوروبية وفرصها الآسيوية، فيبيّن وضاح طه أن الجزائر تعتمد استراتيجية إدارة المحافظ الهجينة التي تتيح لها الوفاء بتعهداتها التاريخية مع الشركاء التقليديين بالتوازي مع اقتناص الفرص الواعدة. ويشير الخبير الطاقوي لبوابة الجزائر إلى أن غالبية الصادرات الموجهة نحو أوروبا تعتمد على خطوط الأنابيب العابرة للبحر المتوسط مثل “ترانسميد” و”ميدغاز”، وهو فصل هيكلي يمنح سوناطراك مرونة وحرية كاملة في إدارة حصص الغاز الطبيعي المسال (LNG) والتصرف في الكميات غير المربوطة بعقود طويلة الأجل لتوجيهها نحو بنغلاديش والسوق الآسيوية.
الفوائض الإنتاجية وتنويع التسعير والتوازن الجيوسياسي
ويختتم وضاح طه، الخبير الطاقوي والعضو في الجمعية العالمية للطاقة، تصريحه بالحديث عن المكاسب الاقتصادية والجيوسياسية لهذه الخطوة، مشيراً إلى أن الاستثمارات الحديثة في استكشاف الحقول ورفع كفاءة الاستخراج أتاحت لسوناطراك كميات إضافية مخصصة لاقتناص الفرص ذات العوائد المرتفعة.
ويؤكد “طه” أن العقود متوسطة الأجل مع بنغلاديش تسمح بتنويع سلة الأسعار بعيداً عن المؤشرات الأوروبية التقليدية والاستفادة من مؤشرات أسواق آسيا أو البيع بعقود تحقق أرباحاً إضافية، مع ضمان الجزائر لشركائها الأوروبيين أن هذه الشحنات الموجهة لآسيا تغطيها الفوائض الاستثنائية والغاز المسال ولا تؤثر بأي شكل على التدفقات الثابتة عبر الأنابيب، مما يحفظ القيمة الاستراتيجية للتوازنات الجيوسياسية الجزائرية على كافة الأصعدة.












