قصر بثمانية مليارات درهم… جريمة ملكية مكتملة الأركان (مقال رأي)
بقلم محمد قنديل: مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: هذا ليس مجرد مقال، بل سبق إعلامي موثق أتحمل مسؤوليته الكاملة أمام الرأي العام.. في صمت مطبق، وبعيدًا عن أي رقابة أو مساءلة، يجري تشييد قصر فخم بمنطقة أم عزة القريبة من الرباط، بتكلفة خيالية تصل إلى 8 مليارات درهم، وعلى مساحة تناهز 17 ألف متر مربع.
نعم، 8 مليارات درهم كاملة، في بلد يُدفع فيه المواطن إلى حافة الجوع والعطش والتهجير القسري، بينما تُهدر ثرواته على نزوات القصور.
المشروع إنطلقت أشغاله قبل عام تقريبًا، واليوم هو في مراحله النهائية، مدعومًا بصور ومعطيات دقيقة لا تترك مجالًا للإنكار، فالتصميم من توقيع المهندس المغربي كريم شكور، والتنفيذ أوكل إلى شركتين من كبار المستفيدين من صفقات الدولة : SGTM وCEGELEEC.

نحن لا نتحدث عن فيلا عادية أو إقامة ثانوية، بل عن قصر ضخم، يُبنى بكل بذخ، وكأن المغرب يعيش في بحبوحة أقتصادية وليس على حافة الإنفجار الإجتماعي.
أما السؤال الذي يحاولون التهرب منه فهو.. لمن هذا القصر؟ الروايات متعددة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة، هناك من يؤكد أنه مخصص للملك ، وهناك من يقول إنه هدية لولي عهده الحسن، بينما تشير معطيات أخرى إلى أنه موجه لإبنته خديجة، لكن الحقيقة الجوهرية التي لا يمكن طمسها هي أن هذا المشروع يدخل ضمن الملكية الخاصة للملك، أي أنه خارج أي محاسبة، وخارج أي رقابة، وخارج أي منطق دولة.

الأخطر من القصر نفسه هو مصدر تمويله.. هذه ليست أموالًا سقطت من السماء، بل هي من جيوب المغاربة.. من ضرائبهم، من عرقهم، من معاناتهم اليومية، أو سرقت من القروض التي أخذت بإسمهم، وهي نفس الأموال التي يُفترض أن تُبنى بها مستشفيات لائقة، ومدارس محترمة، وبنية تحتية تحفظ كرامة المواطن، لكنها بدل ذلك، تتحول إلى رخام فاخر، وحدائق مغلقة، وأسوار تعزل الحاكم عن شعبه.
إختيار منطقة أم عزة ليس بريئًا، بل يعكس عقلية إستحواذ ممنهجة، فهذه المنطقة الطبيعية الخلابة، التي كان من المفترض أن تكون فضاءً عامًا ومتنفسًا للمواطنين، تتحول اليوم إلى ملكية مغلقة، تُحاط بالحراسة، وتُصادر لصالح مشروع يخدم فردًا أو عائلة، إنها نفس العقلية التي حولت المغرب إلى ضيعة خاصة، حيث الأرض لمن يملك السلطة، لا لمن ينتمي إليها.

في المقابل، ماذا يعيش المغاربة؟ مدن عطشى، قرى مهمشة، شباب يفر عبر البحر، ومستشفيات تتحول إلى مقابر صامتة؛ هذا هو الوجه الحقيقي للمغرب خارج أسوار القصور، والمفارقة لم تعد مجرد تناقض، بل فضيحة أخلاقية وسياسية مكتملة الأركان، إذ كيف يمكن لنظام أن يبرر إنفاق 8 مليارات درهم على قصر، بينما يعجز عن توفير الماء الصالح للشرب في مناطق بأكملها؟

في خطاب 29 يوليوز 2018، تساءل المدعوا محمد السادس ( أين الثروة؟ ) وكأن السؤال كان موجهًا لشعبٍ لا يملك سوى القليل، لا لمن يملك كل شيء؛ اليوم وبعد سنوات من ذلك التساؤل، يفرض الواقع جوابًا لا يحتاج إلى تأويل.. الثروة لم تختفِ، بل تركزت بشكل غير مسبوق داخل دائرة ضيقة، حيث تتقاطع السلطة بالمال، وتذوب الحدود بين الملكية الخاصة والثروة العمومية.
مشاريع بمليارات الدراهم تُنجز في صمت، وأراضٍ تُحوَّل، وإمتيازات تُمنح، بينما يُطلب من المواطن الصبر والتضحية، والسؤال اليوم لم يعد ( أين الثروة؟ )، بل كيف تم توزيعها، ولصالح من، وتحت أي منطق؟ حين يُطرح هذا السؤال اليوم، فإن الجواب لا يُقاس بالخطابات، بل بما يراه المواطن في واقعه اليومي.. تفاوت صارخ، وإحتكار فعلي، وإنفصال واضح بين من يحكم ومن يُحكم.

الصمت الرسمي حول هذا المشروع ليس مفاجئًا، بل هو جزء من الجريمة، حيث لا بلاغ، لا توضيح، لا مساءلة، فالمؤسسات صامتة، الإعلام مُدجَّن، والنخب إما خائفة أو متواطئة.
في دولة تحترم نفسها، كان هذا المشروع كفيلًا بإسقاط حكومة، وفتح تحقيقات، ومحاسبة المسؤولين.. أما هناك في مغربهم فيُمرر وكأنه أمر عادي، وكأن تبديد المليارات صار حقًا مكتسبًا.
لنكن واضحين.. هذا القصر ليس رمزًا للفخامة، بل دليل إدانة؛ نعم دليل على أن السلطة في المغرب لا ترى في الشعب سوى مصدر تمويل، ولا ترى في الدولة سوى أداة لخدمة مصالحها الخاصة، فكل حجر في هذا القصر هو شهادة على إختلال عميق في ميزان العدالة، وكل درهم صُرف فيه هو صفعة في وجه المغاربة.
محاولات تبرير هذا النوع من المشاريع تحت غطاء ( ملكية خاصة )، ( الهيبة الملكية )، أو ما شابه، لم تعد تنطلي على أحد، فالهيبة الحقيقية تُبنى بالعدالة، لا بالقصور، والشرعية تُكتسب بخدمة الشعب، لا بإستغلاله، أما حين تتحول الثروة الوطنية إلى ملكية عائلية، فإننا لا نكون أمام نظام حكم، بل أمام إحتكار شامل.
هذا المقال ليس مجرد رأي، بل كشف موثق لفضيحة جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الإستنزاف، فقصر أم عزة ليس مجرد بناء، بل عنوان لمرحلة كاملة.. مرحلة تُبنى فيها القصور فوق أنقاض شعب، وتُصرف فيها المليارات لإرضاء القلة، بينما يُترك الملايين لمصيرهم.
لقد سقط القناع؛ وما يُبنى اليوم في أم عزة لن يكون مجرد قصر، بل شاهدًا دائمًا على جريمة في حق شعب بأكمله.





