بوابة الجزائر الإخبارية : تتصاعد المقاربات التحليلية داخل مراكز الدراسات الإقليمية بشأن الخلفيات والدلالات المرتبطة بالمناورات التكتيكية الأخيرة التي نفذها الجيش الوطني الشعبي تحت عنوان “عهد وفخر”. حيث تحولت هذه التمارين، التي أشرف عليها ميدانيا الفريق أول السعيد شنقريحة رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، من مجرد تدريبات روتينية إلى مادة استراتيجية متكاملة بالنظر إلى توقيتها، حجمها، وطبيعة الرسائل العملياتية المضمنة فيها.
وتأتي هذه العمليات المكثفة في ظل مناخ إقليمي ودولي شديد التعقيد يتسم بالسيولة الأمنية وتعدد بؤر التوتر في منطقة الساحل وجوار الجزائر الجغرافي، مما يثبت إدراك القيادة العسكرية لحجم التحولات الجيوسياسية الجارية، وينقل العقيدة الدفاعية من مفهوم الدفاع التقليدي إلى الجاهزية الاستباقية والردع الوقائي لإثبات أن أي محاولة للإخلال بموازين القوى ستواجه بجدار دفاعي وهجومي صلب قادر على نقل المعركة إلى عمق العدو.
وقد كشفت تفاصيل المناورات عن تحول عميق في العقيدة القتالية من خلال تطبيق حرب الأسلحة المشتركة وتنسيق القوات البرية والجوية والدفاع الجوي بمستوى متقدم من مرونة القيادة والسيطرة، والاعتماد على الحرب الشبكية المترابطة رقميا عبر دمج الطائرات المسيرة ووحدات الاستخبارات والحرب الإلكترونية والسيطرة السيبرانية لتوجيه النيران الدقيقة في الزمن الحقيقي، وتأكيد قدرة العنصر البشري على التحكم في التكنولوجيا العسكرية المعقدة وتحقيق الكثافة النارية المطلوبة.
وفي هذا السياق، تعكس هذه المناورات أيضًا مستوى متقدم من الجاهزية العملياتية المبنية على التخطيط متعدد السيناريوهات، بما يسمح للقوات المسلحة برفع قدرتها على التكيف مع مختلف أنماط التهديدات، سواء التقليدية أو غير المتماثلة. كما تُبرز تطور منظومة القيادة والسيطرة نحو نموذج أكثر تكاملا يعتمد على السرعة في اتخاذ القرار ودقة تنفيذ العمليات في بيئة قتالية معقدة.
ولا تقتصر أهمية هذه المناورات على البعد التقني، بل تمتد لتصيغ معادلات سياسية جديدة ترسخ قواعد الاشتباك الإقليمية، وتؤكد للفاعلين الدوليين أن العمق الاستراتيجي للجزائر خط أحمر، مع تعزيز تماسك الجبهة الداخلية وضمان تلاحم الشعب مع مؤسسته العسكرية ضمن مفهوم “الجيش ـ الأمة” لمواجهة التهديدات الهجينة وحروب الجيل الخامس وحملات الدعاية الخارجية، تجسيدا لروح بيان أول نوفمبر في صون السيادة والقرار الوطني.
كما تحمل هذه الرسائل بعدًا ردعيًا واضحًا موجّهًا لأي طرف يفكر في اختبار استقرار المنطقة، من خلال إبراز أن ميزان القوة لم يعد يُقاس فقط بالعدد والعدة، بل بقدرة الدولة على دمج التكنولوجيا، والاستخبارات، والتفوق المعلوماتي داخل منظومة قتالية واحدة. وهو ما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج ردع حديث قائم على الفعل الاستباقي بدل الاستجابة المتأخرة.
وفي المحصلة، تؤكد مناورات “عهد وفخر” نجاح المقاربة القيادية لهيئة الأركان في الانتقال بالمؤسسة العسكرية إلى مرحلة الاحترافية الردعية، وتوجيه رسالة حاسمة بأن الجزائر لا تحافظ على سلامها واستقرارها بالشعارات الدبلوماسية فحسب، بل تفرضه وتضمنه عبر الجاهزية القصوى وقوة الردع العسكرية، مما يجعل هذه المناورات نقطة تحول بارزة في صياغة التوازن الأمني الجديد في المنطقة



















