مقال رأي بقلم محمد قنديل: مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: تسعون، مئة، أو ربما أكثر؛ لا يهم الرقم في بورصة الموت المخزنية، فالمغاربة في عرف المنظومة الحاكمة ليسوا سوى أرقام زائدة عن الحاجة، أو طاقة بشرية فائضة يُلقى بها في البحر لتخفيف الضغط عن قلاع الإستبداد.
الفاجعة الإنسانية والمجزرة الجماعية التي شهدتها سواحل سبتة الإسبانية لم تكن مجرد حادثة غرق عابرة، بل هي جريمة سياسية مكتملة الأركان، وإدانة وجودية لنظام سياسي مافيوزي يعيش وينتعش على إمتصاص دماء المواطنين المغاربة.
الصدمة الحقيقية لا تكمن فقط في رؤية جثامين الشباب والأطفال تتقاذفها الأمواج، بل في ذلك الصمت الجنائزي، والبلادة المطلقة التي أبدتها رأس الهرم السلطوي بزعامة المدعوا محمد السادس، ومعه مخزنه، وتلك الجوقة المتهالكة من أحزاب يمين ويسار، ونقابات، وجمعيات مجتمع مدني مصنوعة في أقبية المخابرات، وهيئات حقوقية دجنتها أموال الريع والإمتيازات.

لقد كشفت هذه الكارثة، وبما لا يدع مجالاً للشك، زيف تلك الأسطوانة المشروخة التي طالما صدع بها الديكتاتور رؤوس المغاربة وهو يردد نفاقاً عبارة { شعبي العزيز }.

إنها العبارة الأكثر كذباً وسخرية في التاريخ السياسي الحديث؛ فالشعب الحقيقي بنظر هذه العصابة الحاكمة هو ذلك الذي يصفق في المهرجانات، ويخضع لطقوس العبودية والركوع، أما أولئك الذين يبتلعهم البحر هرباً من جحيم الفقر والبطالة والإنسداد التام للأفق، فهم ليسوا سوى { خارجين عن القانون } أو مجرد تفاصيل مهملة لا تستحق حتى رفة عين، إذ كيف يمكن لنظام يمتلك الحد الأدنى من الشرعية أو الإنسانية أن يستمر في التجهيز لإحتفالات { عيد العرش } الباذخة، ويبقي على مهرجانات المجون الصيفية مستمرة، بينما عائلات مغربية مكلومة تبحث عن أشلاء أبنائها في مشارح مستشفيات سبتة؟ إن عدم إعلان الحداد الوطني لثلاثة أيام، وعدم تنكيس الأعلام، يعكس حقيقة واحدة.. هذا النظام الإرهابي لا يرى في المغاربة شعباً، بل يراهم رعايا وعبيداً في ضيعة خاصة.
هذا التواطؤ الجماعي للنخبة السياسية والنقابية والحقوقية بالمغرب يعري طبيعة { المخزن } كبنية وظيفية للإستعمار داخليا؛ فالأحزاب التي تدعي الليبرالية أو الحداثة أو الإشتراكية أو الإسلام السياسي ليست سوى واجهات كرتونية لتأثيث مشهد إستبدادي فج، ووظيفتها الأساسية هي تبرير الجريمة وإلهاء الرأي العام.
حينما تبتلع البحار عشرات المغاربة، وتخرج الصحافة الرسمية والخاصة الموالية لتتحدث عن { مؤامرات خارجية } أو لتتجاهل الحدث تماماً، فنحن أمام منظومة إعلامية مخابراتية مهمتها الأساسية تزييف الوعي وغسل أدمغة الجماهير.. إنها تجربة مريرة وقاسية، لكنها تمثل لحظة فرز تاريخية للشعب المغربي ليتعرف عن كثب وبالملموس على أعدائه الحقيقيين؛ الأعداء ليسوا وراء الحدود، بل هم أولئك القابعون في القصور، والذين ينهبون ثروات الفوسفات وكل خيرات البلاد، ويحتكرون الشركات والأسواق، ثم يتركون الشباب لمصير أسود بين فكي القرش أو رصاص حرس الحدود الإسباني.

إن إستمرار هذه العصابة وأدواتها الفاقدة لأي شرعية شعبية أو أخلاقية لم يعد خياراً يمكن التعايش معه، بل هو إنتحار جماعي مستمر، فالفساد هنا ليس إنحرافاً في سلوك موظف، بل هو جوهر العقيدة السياسية للعصابة الحاكمة التي ترى في إفقار الشعب وتجهيله وسيلة وحيدة لضمان إستمرارها في الحكم، وكل درهم يُنفق على بروتوكولات الولاء، وكل دقيقة تمر دون محاسبة هذه الطغمة، هي طعنة في خاصرة الضحايا الذين ماتوا غرقاً.
على الشعب المغربي أن يستفيق من تخدير الوعود الزائفة، وأن يدرك أن الخلاص لن يأتي من مؤسسات هجينة { أدوات التسلط } أو مسرحيات إنتخابية، بل برفض هذه المنظومة برمتها، وإنتزاع كرامته وحريته وثرواته المنهوبة من مخالب هذه الديكتاتورية الفجة التي تبني قصورها فوق جثث المستضعفين.
يا عائلات الضحايا الثكالى، ويا أمهات المفقودين الذين يمزقكم ليل الإنتظار الحارق أمام بحرٍ لا يرحم، ويا أبناء هذا الشعب الصابر والمكلوم في كرامته وعيشه؛ إن جثامين أبنائكم العائمة على الشواطئ لم تكن بفعل أمواج الطبيعة الغاضبة، بل دفعتها إلى الموت أصابع الطغيان والنهب واللامبالاة التي تسكن القصور.
لقد تركوكم وحيدين تواجهون الموت والمشارح والصمت الجنائزي، بينما طبول إحتفالاتهم الباذخة لا تتوقف، ليعلنوها صراحة أنكم لست أهلاً حتى لحزنٍ رسمي أو تنكيس أعلام، فبعد أن رأيتم بأعينكم كيف تخلت عنكم هذه الشرذمة المستبدة، وتاجر بدمائكم { المخزن } وأبواقه وأحزابه المأجورة، وبعد هذه الفاجعة التي عرت حقيقة العصابة الحاكمة وجردتها من آخر ورقة توت؛ ألم يحن الوقت لتطرحوا على أنفسكم السؤال المصيري الذي يفرضه شلال الدم والدموع.. هل تعرفتم الآن، وبما لا يدع مجالاً للشك، على الأعداء الحقيقيين للمغرب والمغاربة؟









