بوابة الجزائر الإخبارية: تصل الكلفة الاقتصادية العالمية للتراخوما إلى ثمانية مليارات دولار سنويًا عند احتساب الخسائر المرتبطة بالمراحل المتقدمة من المرض، في وقت أكدت فيه منظمة الصحة العالمية وجود الجزائر ضمن 32 دولة صادقت على تخلّصها منه بوصفه مشكلة من مشكلات الصحة العامة.
وكشف تحديث دولي لمنظمة الصحة العالمية، أن قائمة الدول المعتمدة ارتفعت إلى 32 دولة حتى 17 جويلية 2026، بعد توالي المصادقات الدولية خلال الأشهر الأخيرة. وكانت الجزائر قد حصلت على اعتمادها رسميًا في 23 أفريل 2026، عندما أصبحت الدولة العاشرة في الإقليم الإفريقي والـ29 عالميًا التي تحقق هذا الهدف.
ولا تعني المصادقة اختفاء جميع حالات العدوى أو توقف المتابعة الصحية، وإنما تؤكد انخفاض انتشار المرض إلى ما دون العتبات المعتمدة دوليًا، مع وجود نظام قادر على اكتشاف الحالات الجديدة وعلاجها وتمويل إجراءات المراقبة. وتوصي المنظمة باستمرار الترصد في المناطق التي كان التراخوما متوطنًا فيها لمنع عودته.
مرض يهدد 92 مليون شخص ويستنزف الإنتاجية
تقدر منظمة الصحة العالمية الخسائر السنوية في الإنتاجية الناتجة عن العمى وضعف البصر المرتبطين بالتراخوما بما يتراوح بين 2.9 و5.3 مليارات دولار. وترتفع الكلفة إلى نحو ثمانية مليارات دولار عند إدراج حالات الشعرة التراخومية، وهي المرحلة المتقدمة من المرض.
وتبقى هذه الأرقام عالمية ولا تمثل تقديرًا للخسائر أو الوفورات المسجلة في الجزائر، إذ لم تنشر المنظمة تقييمًا ماليًا خاصًا بالبلاد. وتتمثل القيمة الاقتصادية للإنجاز الجزائري في الحد من مخاطر فقدان القدرة على العمل والدخل، وتقليص الحاجة إلى العلاج والجراحة والرعاية طويلة الأمد، خصوصًا في المناطق الريفية والجنوبية.
وبحسب أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، يعيش 92 مليون شخص في مناطق يتوطن فيها التراخوما ويواجهون خطر الإصابة بضعف البصر أو العمى، بينما يتسبب المرض حاليًا في تضرر نحو 1.9 مليون شخص، بما يعادل قرابة 1.4% من حالات العمى في العالم.
ولا يزال التراخوما يمثل مشكلة للصحة العامة في أجزاء من 29 دولة، وتبقى إفريقيا القارة الأكثر تضررًا والأكثر نشاطًا في تنفيذ برامج المكافحة. كما تتحمل النساء عبئًا أكبر، إذ قد يصل احتمال إصابتهن بالعمى الناتج عن المرض إلى أربعة أضعاف الرجال، بسبب ارتفاع معدلات التعرض المتكرر للعدوى.
مسار جزائري بدأ سنة 1909
تعود بداية مكافحة التراخوما في الجزائر إلى إنشاء معهد باستور الجزائر سنة 1909. وبعد الاستقلال، تولى أطباء جزائريون بقيادة البروفيسور محمد عوشيش متابعة الملف، قبل أن تتعزز الجهود بإقامة نظام وطني للصحة العمومية يوفر العلاج المجاني منذ 1974.
ونفذت الجزائر خلال العقود التالية استراتيجية «SAFE» التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، والقائمة على التدخل الجراحي للحالات المتقدمة، واستخدام المضادات الحيوية، وتعزيز نظافة الوجه، وتحسين المحيط من خلال توسيع الوصول إلى المياه وخدمات الصرف الصحي.
وساعدت هذه المقاربة على ربط مكافحة التراخوما ببرامج أوسع تتعلق بالصحة المدرسية ورعاية العيون والمياه والنظافة وتحسين ظروف المعيشة. كما وفرت للجزائر بنية صحية قادرة على مواصلة المراقبة بعد الحصول على الاعتماد الدولي.
12 ولاية جنوبية في قلب الاستراتيجية الوطنية
سرّعت الجزائر جهودها بين 2013 و2015 عبر تنفيذ استراتيجية وطنية لمدة ثلاث سنوات وإنشاء لجنة خبراء مكلفة بمتابعة التخلص من التراخوما في الولايات التي ظل فيها المرض يمثل مشكلة صحية.
وشملت الخطة 12 ولاية جنوبية هي أدرار والأغواط وبسكرة وبشار وتمنراست وورقلة والبيض وإليزي وتندوف والوادي والنعامة وغرداية. وتركز العمل على التشخيص والعلاج والتوعية بالنظافة وتحسين الوصول إلى المياه والصرف الصحي.
وفي 2022، أكدت مسوحات منفذة وفق معايير منظمة الصحة العالمية بلوغ عتبة التخلص من التراخوما النشطة في جميع المناطق المعنية. وبقيت ثلاث مناطق بحاجة إلى استكمال متطلبات خفض الحالات المتقدمة، ما دفع السلطات إلى تنفيذ فحوص شاملة من منزل إلى منزل والتكفل بالحالات المكتشفة.
وفي ديسمبر 2025، جمعت وزارة الصحة ملفًا وطنيًا يتضمن الأدلة على استيفاء شروط التخلص من التراخوما كمشكلة للصحة العامة، وقدمته إلى منظمة الصحة العالمية. واستند الملف إلى نتائج المسوحات ونظام المعلومات الصحية والصحة المدرسية وتغطية رعاية العيون، إلى جانب انتشار خدمات المياه والصرف الصحي.
المصادقة العالمية تتوج 50 عامًا من التعبئة
أعلنت منظمة الصحة العالمية في 23 أفريل 2026 اعتماد تخلّص الجزائر من التراخوما كمشكلة للصحة العامة. وبذلك أصبح التراخوما أول مرض مداري مهمل تتخلص منه البلاد، كما أصبحت الجزائر الدولة الـ62 عالميًا والـ23 في الإقليم الإفريقي التي تنجح في التخلص من مرض مداري مهمل واحد على الأقل. بيان منظمة الصحة العالمية.
ووصف المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، النتيجة بأنها إنجاز تاريخي قائم على التزام امتد قرنًا، مؤكدًا دور الإرادة السياسية وعمل مهنيي الصحة في التخلص من الأمراض المدارية المهملة.
وقال المدير الإقليمي للمنظمة في إفريقيا، محمد جنابي، إن التراخوما يؤدي إلى خسائر في الإنتاج والدخل ووسائل العيش، معتبرًا أن الإنجاز الجزائري ينعكس على صحة الأطفال والنساء والأسر.
من جهته، أكد وزير الصحة، محمد صديق آيت مسعودان، أن المصادقة جاءت نتيجة قرابة 50 عامًا من التعبئة الوطنية والتنسيق بين القطاعات، وتعكس قدرة الجزائر على احترام معايير الوقاية والوصول العادل إلى الرعاية وتحسين ظروف المعيشة.
47.4 مليون شخص تلقوا المضادات الحيوية خلال 2025
تظهر البيانات العالمية استمرار الحاجة إلى استثمارات واسعة للتخلص من التراخوما. وخلال 2025، حصل 98,829 شخصًا على العلاج الجراحي للحالات المتقدمة، بينما تلقى 47.4 مليون شخص في المناطق الموبوءة المضادات الحيوية، بنسبة تغطية عالمية بلغت 47%.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد اعتمدت استراتيجية «SAFE» سنة 1993، ثم أطلقت في 1996 تحالف التخلص العالمي من التراخوما، قبل أن تحدد جمعية الصحة العالمية سنة 2020 هدفًا جديدًا لإنهاء المرض كمشكلة للصحة العامة بحلول 2030، بعد تعذر تحقيق الموعد السابق المحدد لسنة 2020.
ويمنح اعتماد الجزائر مؤشرًا على نتائج الاستثمار الطويل في الوقاية والصحة المدرسية ورعاية العيون والمياه والصرف الصحي. وتتمثل المرحلة المقبلة في مواصلة المراقبة الصحية والتدخل عند اكتشاف حالات جديدة، بما يحمي المكسب المحقق ويمنع عودة الأعباء الصحية والاقتصادية المرتبطة بالتراخوما.


