بوابة الجزائر الاخبارية : مع اقتراب الاستحقاقات السياسية الكبرى في فرنسا، تعود الجزائر مجددا إلى واجهة السجال الداخلي الفرنسي، لتتحول ملفات الهجرة واتفاق 1968 والذاكرة والعلاقات الثنائية إلى أوراق حاضرة بقوة في خطاب اليمين واليمين المتطرف. وبين تصاعد الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في الداخل الفرنسي وتراجع نفوذ باريس في عدد من مناطق القارة الإفريقية، يطرح هذا الخطاب تساؤلات حول أسباب التركيز المتزايد على الجزائر، وما إذا كانت قد تحولت إلى ورقة انتخابية تستخدم لاستقطاب الناخبين وتحويل النقاش بعيدا عن تحديات الداخل الفرنسي.

وفي هذا السياق، صرح حسام البرم لـ”بوابة الجزائر” بان المشكلة ليست في القول ان “الشعب الفرنسي متخلف”، وانما في وجود شرائح اجتماعية واسعة يمكن ان تتاثر بخطاب الخوف، عندما تختزل امامها مشكلات معقدة جدا في عناوين بسيطة من قبيل الهجرة والجزائر والاسلام والا
واشار البرم الى وجود تفاوت تعليمي واضح بين الاجيال في فرنسا، حيث ان الاجيال الاكبر سنا اقل حصولا على شهادة البكالوريا والتعليم العالي مقارنة بالاجيال الشابة، غير ان ذلك لا يسمح، بحسبه، بتعميم حكم واحد على المجتمع الفرنسي باكمله.
وفي هذا الاطار، لفت الى ضرورة النظر الى التركيبة التعليمية للمجتمع الفرنسي بعيدا عن الصورة النمطية التي تقدم فرنسا وكانها مجتمع جامعي بالكامل.
وبحسب بيانات المعهد الوطني الفرنسي للاحصاء والدراسات الاقتصادية “INSEE” لعام 2025، فان نحو 36 بالمائة من الفرنسيين الذين تتراوح اعمارهم بين 25 و64 عاما مستواهم التعليمي دون البكالوريا، منهم 15.3 بالمائة دون شهادة او في مستوى لا يتجاوز شهادة التعليم المتوسط، و20.7 بالمائة يحملون شهادات مهنية من مستوى CAP او BEP، في حين يحمل نحو 64 بالمائة شهادة البكالوريا او مؤهلا اعلى.
اليمين المتطرف واستثمار القلق الاجتماعي
واوضح البرم ان اليمين المتطرف يعرف جيدا اين يستثمر سياسيا، فبدل خوض نقاش اقتصادي واجتماعي معقد حول القدرة الشرائية والمديونية والخدمات العامة والسكن ومستقبل الصناعة الفرنسية، يصبح من الاسهل سياسيا اختزال النقاش في “الجزائري” و”المهاجر” واتفاق 1968.واعتبر ان هذا الخطاب يشكل طريقة لتحويل القلق الاجتماعي الى قضية مرتبطة بالهوية.
كما اشار الى ان جزءا من المشهد الاعلامي الفرنسي يمنح قضايا الهجرة والهوية والاسلام والجزائر مساحة كبيرة، وهو ما يساعد على ابقاء هذه الموضوعات في صدارة النقاش العام.
غير ان البرم شدد على ان القول ان “الصحافة الفرنسية مرتبطة باليمين المتطرف” ككل سيكون تعميما غير صحيح، لان المشهد الاعلامي الفرنسي متنوع سياسيا، رغم ان بعض المنابر والشخصيات الاعلامية تتبنى بوضوح خطابا يمينيا او يمينيا متطرفا.
ومن هنا، بحسب المتحدث، يمكن فهم الاستثمار المتكرر في الجزائر، اذ ليست كل ازمة فرنسية سببها الجزائر، وليست كل مشكلة هجرة مرتبطة بالجزائريين، غير ان اسم الجزائر يمتلك قدرة عالية على اثارة ملفات التاريخ والهجرة والهوية دفعة واحدة، ولذلك يصبح مفيدا انتخابيا بالنسبة لمن يريد صناعة الاستقطاب.
وفي السياق نفسه، اعتبر البرم ان القول ان اليمين المتطرف “لا يملك اي برنامج” يمثل بدوره مبالغة، لانه يمتلك برامج ومقترحات معلنة يمكن انتقادها اقتصاديا وسياسيا.
لكن الادق، وفق المتحدث، هو القول ان قضايا الهجرة والهوية والامن تحتل موقعا مركزيا في خطابه السياسي، وهو ما قد يطغى في النقاش الاعلامي على تفاصيل برامجه الاقتصادية والاجتماعية.
تراجع النفوذ الفرنسي في افريقيا
وفي جانب اخر، يرى البرم ان هناك بعدا لا ينبغي تجاهله عند قراءة الخطاب الفرنسي تجاه الجزائر، ويتمثل في التحول الذي اصاب موقع فرنسا في القارة الافريقية.
واوضح ان باريس لم تعد تتمتع بالمساحة نفسها التي تحركت فيها لعقود، خصوصا في منطقة الساحل، في وقت اصبحت فيه دول افريقية عديدة اكثر اندفاعا نحو تنويع شركائها واعادة تعريف علاقاتها مع القوى الخارجية.
واشار الى ان فرنسا استفادت تاريخيا من شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع مستعمراتها السابقة في افريقيا، ومع تراجع جانب من هذا النفوذ، يصبح من المشروع التساؤل عما اذا كان جزء من الخطاب المتشدد تجاه الجزائر يعكس ايضا صعوبة لدى بعض التيارات الفرنسية في استيعاب التحول الجاري في القارة.
واكد البرم ان الجزائر ليست دولة تنتظر من باريس ان تحدد لها خياراتها الخارجية، فلديها مصالحها وحساباتها وعلاقاتها الافريقية والدولية، كما تتبنى تقليديا خطابا يقوم على السيادة واستقلال القرار.
ومن هذه الزاوية، يرى المتحدث ان هذا التصور قد يصطدم مع رؤية موجودة لدى بعض الاوساط الفرنسية التي ما تزال تنظر الى افريقيا من خلال ارث النفوذ القديم.
واضاف ان المفارقة تكمن في ان اليمين المتطرف يستطيع مهاجمة الجزائر كل صباح، لكنه لن يعيد بذلك النفوذ الفرنسي الذي تراجع في اجزاء من افريقيا، كما ان تحويل الجزائر الى قضية انتخابية لن يعيد الشركات الفرنسية الى الاسواق التي خسرتها، ولن يعيد بناء الثقة مع الشعوب الافريقية.
وخلص الصحفي والباحث السياسي حسام البرم الى ان النفوذ في افريقيا اليوم لا يورث من الحقبة الاستعمارية، ولا يستعاد عبر البرامج التلفزيونية او التصعيد ضد الجزائر، وانما يبنى بالاستثمار والتكنولوجيا والشراكة والاحترام المتبادل.
واعتبر انه اذا كان جزء من الطبقة السياسية الفرنسية لا يزال يبحث عن اسباب تراجع نفوذ بلاده في الخارج، فعليه ان ينظر اولا الى اخطاء السياسة الفرنسية في افريقيا، بدل البحث باستمرار عن الجزائر لتكون شماعة جاهزة لكل اخفاق.




























