بوابة الجزائر الاخبارية: كشف تقرير ميداني صادر عن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان صورة قاتمة لما رافق موجة الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة، معتبرا أن المقاربة الأمنية التي انتهجها نظام المخزن لم تقتصر على منع العبور، بل امتدت إلى ممارسات عنيفة وانتهاكات طالت مواطنين مغاربة، بينهم شباب ونساء وأطفال، قبل محاولة العبور وبعد إعادتهم.
ويرسم التقرير مشهدا يعكس، حجم الأزمة الاجتماعية التي يعيشها المغرب، حيث دفعت البطالة وغياب فرص العمل وتراجع الأوضاع المعيشية آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم بحثا عن مستقبل أفضل، بينما واجهتهم السلطات، حسب التقرير، بالعنف والتوقيف والترحيل بدل معالجة الأسباب الحقيقية التي دفعتهم إلى الهجرة.
وأكدت العصبة أن الأحداث شهدت انتهاكات لعدد من الحقوق الأساسية المكفولة دستوريا، وفي مقدمتها الحق في الحياة والسلامة الجسدية، إضافة إلى الإخلال بواجب حماية الأطفال والنساء والأشخاص في وضعية هشاشة، فضلا عن استمرار الحرمان من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالشغل والسكن والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وأشار التقرير إلى أن مدينة الفنيدق عاشت حالة غير مسبوقة من الاحتقان مع توافد أعداد كبيرة من الشباب القادمين من مختلف مناطق المملكة، في مشهد اعتبره دليلا على عمق الأزمة الاجتماعية التي يعيشها المغاربة، وعلى اتساع دائرة اليأس وفقدان الأمل في تحسين أوضاعهم داخل البلاد.
ولم تتوقف تداعيات الأحداث عند الجانب الإنساني، بل امتدت إلى النشاط الاقتصادي، بعدما اضطر العديد من التجار والمهنيين إلى غلق محلاتهم، في وقت تعطلت فيه الحركة العادية للمرافق والخدمات.
وفي الجانب الميداني، وثق التقرير تسجيل وفيات وإصابات خلال محاولات العبور، إلى جانب استقبال المستشفيات المغربية نحو 400 مصاب، فضلا عن احتراق وإتلاف عدد من المركبات والدراجات النارية، وتوقيف عشرات الأشخاص وإحالتهم على القضاء، وترحيل مجموعات من الشباب إلى مدن أخرى بواسطة عشرات الحافلات.
كما نقلت بعثة العصبة شهادات لعائدين من سبتة أكدوا تعرضهم، بحسب رواياتهم، للعنف أثناء إعادتهم، مشيرين إلى استعمال القوة من طرف بعض عناصر التدخل، مع تداول مقاطع مصورة قال التقرير إنها توثق اعتداءات على شبان، من بينها مقطع يظهر أحد العناصر وهو يرشق شابا بالحجارة، وهو ما اعتبرته العصبة سلوكا يهدد السلامة الجسدية للمواطنين ويستوجب المساءلة.
وفي المقابل، رصد التقرير أيضا تعرض عدد من الذين تمكنوا من دخول سبتة لاعتداءات جسدية ولفظية ذات طابع عنصري، بحسب شهادات جمعها معدو التقرير، داعيا السلطات الإسبانية إلى فتح تحقيق بشأن تلك الادعاءات وضمان حماية الضحايا.
واعتبرت العصبة أن الاكتفاء بالمقاربة الأمنية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المأساة، مؤكدة أن الهجرة غير النظامية ليست مجرد قضية أمنية، وإنما نتيجة مباشرة لتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغياب العدالة الاجتماعية، وهو ما يتطلب حلولا تنموية حقيقية بدل الاعتماد على القوة.

وفي هذا السياق، دعا التقرير إلى فتح تحقيق قضائي مستقل ومحايد في جميع الوفيات والإصابات وحالات الاختفاء والادعاءات المتعلقة باستعمال القوة، مع تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين، والإعلان عن حصيلة رسمية وشفافة للضحايا والموقوفين والخسائر.
كما طالب بضمان حقوق أسر الضحايا في معرفة الحقيقة وجبر الضرر، وإخضاع التدخلات الأمنية لتقييم مستقل، واحترام الضمانات القانونية للموقوفين، وحماية الأطفال والنساء والفئات الهشة، وتعويض المتضررين من الخسائر، وإطلاق برامج عاجلة للتشغيل والتنمية المحلية لمعالجة الأسباب التي تدفع الشباب إلى ركوب مخاطر الهجرة.
ويخلص التقرير إلى أن ما جرى في محيط سبتة لم يكن مجرد حادث عابر، بل مؤشر خطير على عمق الأزمة التي يعيشها المغرب، وأن استمرار الاعتماد على المقاربة الأمنية، في ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، بينما تبقى المحاسبة واحترام الحقوق والحريات، وفق العصبة، المدخل الحقيقي لمنع تكرار مثل هذه المآسي.


















