مقال رأي بقلم محمد قنديل : مدون، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل

بوابة الجزائر الإخبارية : منذ تسريب خبر زيارة محمد السادس إلى فرنسا، إنفجرت الأبواق الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية، ومعها جحافل المؤثرين المأجورين، في هستيريا دعائية تحاول تصوير الحدث كما لو أنه إنتصار تاريخي أو تحول جيواستراتيجي عظيم.
فجأة عاد خطاب ( المكانة الدولية ) و( الهيبة الدبلوماسية ) و( قوة المغرب الصاعدة )، بينما الحقيقة أبسط وأكثر إبتذالًا :
إنها مجرد زيارة إعتيادية لمقيم عام فرنسي إلى مركز النفوذ الذي يمنحه الحماية والرعاية والإستمرارية، لكن لأن النظام يعيش أصلًا على صناعة الوهم وتسويق الخضوع في شكل إنجازات، كان لا بد من تعبئة الكتائب الإلكترونية والإعلامية لتحويل مشهد التبعية إلى ملحمة وطنية مزيفة، في محاولة يائسة لتخدير شعب بات يرى خلف الستار أكثر مما يراه فوق المسرح.
حين يُعلن عن ( زيارة رسمية ) لمحمد السادس إلى فرنسا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ماذا ستستفيد الرباط من باريس؟ بل كيف يمكن لمواطن فرنسي فعليًا، يقيم أغلب وقته بفرنسا، ويدير ثرواته وعلاقاته ومصالحه هناك، أن يقوم بزيارة رسمية إلى البلد الذي يشكل إمتداده الطبيعي والسياسي والإقتصادي؟ أي منطق هذا الذي يجعل المقيم العام الفرنسي يُستقبل كما لو كان رئيس دولة مستقلة، بينما الحقيقة العارية تقول إن المغرب لم يغادر قط دائرة الوصاية الفرنسية، بل إنتقل فقط من إستعمار مباشر إلى إستعمار ناعم أكثر خبثًا ومرونة؟

إن محمد السادس ليس سوى واجهة محلية لمنظومة نفوذ فرنسية تاريخية ما زالت تتحكم في مفاصل القرار المغربي الكبرى، من الإقتصاد إلى الأمن، ومن الثقافة إلى السياسة الخارجية.
فرنسا لم تغادر المغرب يوم رُفع العلم الشكلي للإستقلال، بل أعادت تشكيل أدوات سيطرتها عبر نخبة مرتبطة بها عضويًا، ترى في باريس المرجع الأعلى، وفي الإليزيه مركز التوجيه الحقيقي، ولذلك فإن كل حديث عن ( شراكة إستراتيجية ) بين الرباط وباريس ليس سوى عملية تجميل لغوية لعلاقة تبعية قديمة، يتغير فيها الشكل بينما يبقى الجوهر نفسه.. فرنسا تقرر، ومنظومة المخزن المغربي تنفذ.
ولهذا يبدو المشهد عبثيًا حين يُقدَّم محمد السادس كفاعل سيادي يحمل مشاريع أو أوراق قوة إلى باريس، أي قوة يملكها أصلًا؟ الرجل لا يحكم بمنطق الإرادة الشعبية، ولا يستند إلى شرعية ديمقراطية، ولا يملك إستقلالًا حقيقيًا في القرار، إنه مجرد مدير تنفيذي لمصالح متشابكة تتجاوز القصر نفسه، تبدأ من شبكات النفوذ الفرنسية ولا تنتهي عند الإمتداد الصهيوني المتغلغل داخل الدولة المغربية، ففاقد الشرعية لا يملك القرار، ومن لا يملك القرار لا يمكنه التفاوض بندية، بل يتحرك داخل هامش مرسوم له مسبقًا.
ثم ماذا يستطيع أن يقدم للإليزيه غير ما قدمه النظام المغربي أصلًا طوال عقود؟ الأسواق مفتوحة، الثروات مستباحة، الشركات الفرنسية متمركزة في القطاعات الحيوية، واللغة والثقافة والإدارة ما زالت تدور في الفلك الفرنسي، حتى النخب المصنوعة داخل المغرب تم تفصيل جزء كبير منها داخل المختبر الفرنسي، بحيث أصبح الولاء لباريس جزءًا من البنية العميقة للدولة المخزنية نفسها، فلم تعد فرنسا تحتاج إلى جيوش لفرض نفوذها، لأن النظام القائم يؤدي الوظيفة كاملة بأقل تكلفة سياسية ممكنة.
غير أن المعطى الأخطر اليوم لا يتعلق بفرنسا وحدها، بل بالتحالف المتزايد بينها وبين إسرائيل في إدارة الملف المغربي، فالصهيونية لم تدخل المغرب بإعتبارها مجرد شريك دبلوماسي عابر، بل بإعتبارها مركز نفوذ جديدًا يتقدم بسرعة داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية والإقتصادية، وهنا يظهر التفاهم الفرنسي الإسرائيلي بوضوح.. باريس تريد الحفاظ على نفوذها التقليدي داخل مستعمرتها القديمة، وتل أبيب تريد تحويل المغرب إلى قاعدة متقدمة لمصالحها الأمنية والإستخباراتية والإقتصادية في شمال إفريقيا وغربها، أما عصابة المخزن، فقد إختارت أن تؤدي دور الوسيط الوظيفي الذي يضمن مصالح الطرفين مقابل بقائها.
ولذلك فإن الحديث عن ( سيادة مغربية ) في ظل هذا التشابك يبدو أقرب إلى النكتة السياسية السوداء.
أي سيادة في بلد تُصاغ خياراته الكبرى خارج الإرادة الشعبية؟ أي إستقلال في دولة تُربط مفاصلها الأمنية والعسكرية بإتفاقيات وتنسيقات تجعل القرار الحقيقي موزعًا بين العواصم الأجنبية؟ لقد أصبح المغرب عمليًا مجال نفوذ مشترك، تتحرك داخله فرنسا بخبرتها الإستعمارية القديمة، بينما تتحرك إسرائيل بعقيدتها الأمنية العدوانية الجديدة، وكل ذلك تحت غطاء نظام فقد مع الوقت حتى القدرة على إخفاء تبعيته.
الأخطر أن هذا الوضع لم يعد مجرد قراءة تحليلية معزولة، بل تحول إلى شعور متزايد داخل قطاعات واسعة من المغاربة الذين يرون بأعينهم كيف تُنهب البلاد وتُدار بمنطق الولاءات الخارجية، بينما يُطلب منهم في المقابل التصفيق لشعارات الوطنية الرسمية الفارغة، فالمواطن المغربي الذي يعاني البطالة والقمع وغلاء المعيشة وإنهيار الخدمات، لم يعد يقتنع بأسطورة ( الإستثناء المغربي ) ولا بمسرحيات البروتوكول الملكي، لقد بدأ يدرك أن النظام الذي يقدم نفسه بإعتباره حامي السيادة هو أول من صادرها، وأن المؤسسة التي تدّعي الدفاع عن الوطن هي نفسها التي ربطت مصيره بمراكز النفوذ الأجنبية.
من هنا، فإن زيارة محمد السادس إلى فرنسا ليست حدثًا دبلوماسيًا عاديًا، بل لحظة كاشفة لطبيعة العلاقة الحقيقية بين الطرفين، إنها زيارة موظف سياسي إلى مركز القرار الذي يمنحه الغطاء والدعم والإستمرار، أما الخطابات الإحتفالية التي سترافقها، فلن تغير شيئًا من الحقيقة الأساسية.. المغرب ما زال يعيش تحت سقف منظومة وظيفية مرتبطة بالخارج أكثر من إرتباطها بالشعب، وفرنسا ما زالت تتعامل مع البلاد بإعتبارها إقليما ذا مجال نفوذ تاريخي لها، فيما تتقدم إسرائيل بثبات لتقاسم هذا النفوذ وترسيخه.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد ماذا سيجني المغرب من هذه الزيارة؟ بل إلى متى سيظل المغاربة يقبلون بوطن يُدار كملكية خاصة تخضع لتوازنات الخارج أكثر مما تخضع لإرادة أبنائه؟
ختاما، لقد بلغ الإنحطاط السياسي ذروته حين تحوّل محمد السادس بصفته مجرد مقيم عام بصلاحيات مرسومة سلفًا، إلى أداة وظيفية تُستخدم لحماية مصالح الخارج أكثر مما تُستخدم لخدمة المغاربة، بحيث لم يعد يمثل حتى صورة الحاكم التابع، بل أصبح أقرب إلى ذلك المرحاض السياسي القذر المخصص لتبول الفرنسيين والصهاينة، يفرغون داخله أوامرهم وصفقاتهم وإهاناتهم للمغرب، بينما يُطلب من الشعب أن يصفق ( للحكمة ) و( الإستقرار ) و ( السيادة ) في مشهد بالغ الإذلال والإبتذال الوطني.








