أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن مقاربة الجزائر لتحقيق الاستقرار في منطقة الساحل تقوم أساسًا على التنمية وليس على العسكرة، كاشفًا أن دعم الجزائر للنيجر شمل الجوانب التنموية والطاقوية والعسكرية، فيما شدد على تمسك الجزائر بعلاقاتها مع مالي وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع استعدادها للمساهمة في أي مسعى تطلبه باماكو لمواجهة الإرهاب أو دعم الحوار.
وأوضح رئيس الجمهورية، خلال لقائه الدوري مع الصحافة الوطنية، أن الجزائر دافعت مرارًا عن هذا التصور أمام شركائها، بمن فيهم الأوروبيون، معتبرًا أن معالجة اختلالات الساحل لا يمكن اختزالها في الانتشار العسكري، وإنما ترتبط أيضًا بالتنمية الاقتصادية وتحسين ظروف السكان وربط دول المنطقة بمشروعات طاقة وبنية تحتية وتعاون اقتصادي.
وتتقاطع هذه المقاربة مع طبيعة الملفات التي دفعت بها الجزائر مؤخرًا في علاقتها مع النيجر، إذ انتقلت العلاقات إلى مشروعات عملية تشمل الطاقة والمحروقات والبنية التحتية. ففي سبتمبر الماضي بحث وزير الدولة وزير المحروقات محمد عرقاب في نيامي تقدم أعمال سوناطراك في حقل «كفرا» والجزء النيجري من مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء «TSGP»، بما في ذلك التحضير لإطلاق الدراسات الطبوغرافية لمسار الأنبوب داخل النيجر.
وكان رئيس الوزراء النيجري علي محمد الأمين زين قد زار الجزائر يومي 26 و27 أوت على رأس وفد وزاري رفيع، في زيارة خصصت لتعزيز التعاون والشراكة بين البلدين، وأكد الجانبان خلالها تقدم تنفيذ الالتزامات الثنائية.
وكشف الرئيس تبون أن الدعم الجزائري للنيجر لم يقتصر على التعاون الاقتصادي، بل شمل كذلك الجانب العسكري عند محاولة زعزعة الوضع في نيامي أواخر أوت. وكانت وزارة الدفاع الجزائرية قد أعلنت آنذاك إرسال أربع مقاتلات «سوخوي Su-30» إلى النيجر، مرفوقة بطائرة للتزود بالوقود جوًا، استجابة لطلب السلطات النيجرية ودعمًا للجيش في مواجهة محاولة زعزعة الاستقرار.
ووصف رئيس الجمهورية ما جرى بأنه محاولة استفزاز جاءت مباشرة بعد زيارة رئيس الوزراء النيجري إلى الجزائر، مؤكدًا أن الجزائر تدخلت «للدفاع عن أصدقائنا وعن مصالحنا المشتركة». أما هوية الجهات التي حملها مسؤولية تدبير محاولة الانقلاب، فلم يحددها الرئيس في التصريحات المتاحة.
ويأتي هذا الموقف في ظل وضع أمني شديد التعقيد في منطقة الساحل، حيث لا تزال الجماعات المسلحة توسع نطاق عملياتها في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وكانت مفوضية الاتحاد الإفريقي قد حذرت في جويلية من تصاعد الهجمات الإرهابية في مالي والنيجر، فيما وصف تقرير للأمم المتحدة البيئة الأمنية في المنطقة بأنها متأثرة بالإرهاب والجريمة المنظمة والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية والحدود المفتوحة.
مالي.. عودة الحوار بعد أزمة حادة
وفي الشق المتعلق بمالي، أكد الرئيس تبون أن العلاقات بين الجزائر وباماكو «أقرب مما يتصوره أي طرف»، مشددًا على أن الجزائر لم تكن طرفًا في الشأن الداخلي المالي، وإنما لعبت دور الوسيط في مسارات سابقة.
وقال إن السلطات المالية تدرك أن الجزائر لا تسعى إلى التدخل في شؤونها، مضيفًا أن الجزائر مستعدة للمساعدة «إذا طلبت مالي ذلك لتسود لغة العقل»، بالتوازي مع تأكيد دعمها الكامل لباماكو في مواجهة الجماعات الإرهابية الناشطة في الساحل.
وتأتي هذه التصريحات بعد تحسن ملحوظ في العلاقات الثنائية خلال الأشهر الأخيرة. ففي جويلية 2026 قررت مالي إعادة سفيرها إلى الجزائر وإعادة فتح مجالها الجوي أمام الطائرات القادمة من الجزائر والمتجهة إليها، بينما أمر الرئيس تبون بدوره بعودة السفير الجزائري إلى باماكو.
وتوج هذا المسار بزيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر في 24 أوت 2026 حاملًا رسالة من الرئيس الانتقالي عاصيمي غويتا إلى الرئيس تبون، في خطوة قالت الحكومة المالية إنها تعكس إرادة الطرفين في إعطاء الأولوية للحوار والتشاور والتعاون.
وشدد الرئيس تبون على أن الجزائر تقف إلى جانب مالي في مكافحة التنظيمات الإرهابية التي تنشط في الساحل، وهو ملف أصبح أكثر إلحاحًا مع تصاعد الهجمات خلال 2026. ووفق معطيات أممية، شهد شمال ووسط مالي خلال الأشهر الماضية عمليات واسعة نفذتها جماعات مسلحة ضد مواقع عسكرية ومحاور نقل، بالتوازي مع استمرار النشاط الإرهابي في المناطق الحدودية مع النيجر وبوركينا فاسو.
كما عاد رئيس الجمهورية إلى حادثة اختطاف دبلوماسيين جزائريين في مدينة غاو سنة 2012، متهمًا دولة أجنبية، من دون أن يسميها في التصريحات المتاحة، بأنها كانت وراء إنشاء تنظيم إرهابي نفذ عملية الاختطاف وقتل أحد الدبلوماسيين.
والمثبت تاريخيًا أن «حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا» اختطفت سبعة دبلوماسيين جزائريين من القنصلية الجزائرية في غاو في أفريل 2012، وأعلنت لاحقًا إعدام نائب القنصل طاهر تواتي؛ أما الادعاء المتعلق بإنشاء التنظيم من قبل دولة أجنبية فهو اتهام سياسي أورده الرئيس ولا تؤكده المصادر المستقلة التي راجعتها.
وتقدم تصريحات الرئيس تبون بذلك معادلة جزائرية من مستويين في الساحل: مشروعات تنمية وطاقة وربط اقتصادي لمعالجة أسباب الهشاشة على المدى الطويل، إلى جانب تعاون أمني وعسكري عندما تمس التهديدات استقرار الدول المجاورة أو المصالح الأمنية الجزائرية مباشرة.
ويظهر مسار النيجر ومالي خلال 2026 أن الجزائر تحاول إعادة تثبيت حضورها في المنطقة عبر أدوات متعددة؛ من مشروعات الغاز والنفط والبنية التحتية إلى الوساطة السياسية والتعاون الأمني، مع إبقاء التنمية الاقتصادية في صدارة الخطاب الجزائري بشأن معالجة أزمة الساحل.








































