بوابة الجزائر الإخبارية : تضع التطورات الجارية في أروقة مجلس الأمن الموقف البريطاني تحت مجهر الرقابة الجيو-سياسية والأخلاقية؛ فمن جهة، تُمارس المملكة المتحدة دوراً دبلوماسياً محفزاً للمطالبة بنشر تقارير فرق الخبراء التابعة للأمم المتحدة والمعنية بحظر التسليح في دارفور، داعيةً إلى ملاحقة شبكات التمويل وتتبع النفوذ التقني المعتمد على الطائرات المسيرة (Drones) التي غيّرت توازنات الحرب السودانية.
ومن جهة أخرى، تُظهر البيانات الصادرة عن إدارة ضمان صادرات السلاح البريطانية (ECJU) ارتفاعاً غير مسبوق في تراخيص التصدير العسكري نحو دولة الإمارات العربية المتحدة، لا سيما الفئة (ML10) الخاصة بالطائرات المسيرة ومكوناتها المحركية.هذا التوازي اللوجستي والتصاعد المالي — المتمثل في القفزة الاستثنائية لترخيص الصادرات — يثير إشكالية عميقة تتعلق بالازدواجية بين “المعايير القانونية الصارمة للتصدير” التي تحكم العمل في الغرب، وبين “واقع التمدد الجيواقتصادي والمصالح المباشرة”. فبينما تحذر التقارير الأممية الميدانية والمستندات المسربة من إعادة تسريب المكونات والتكنولوجيا ٨العسكرية عبر شبكات معقدة لتغطي الساحات الإفريقية الملتهبة (وعلى رأسها السودان)، تبقى التوافقات العسكرية والتجارية بين بريطانيا والشركاء الإقليميين حجر عثرة أمام ترجمة الدعوات الإنسانية إلى آليات رادعة وقاطعة.وفي هذا السياق، أكد محمد أحمد نوار، مدير مركز الإعلام الإفريقي بالسودان، في تصريح لـ”بوابة الجزائر”، أن الموقف البريطاني يواجه اختباراً سياسياً وأخلاقياً معقداً، في ظل التباين بين المطالبات الدولية بتشديد الرقابة على شبكات التسليح المرتبطة بالحرب السودانية، واستمرار منح تراخيص تصدير المعدات العسكرية والتقنيات المتقدمة إلى دول يثار الجدل بشأن دورها في النزاع. ازدواجية الموقف البريطاني بين التحرك الأممي والمصالح العسكريةيرى محمد أحمد نوار، مدير مركز الإعلام الإفريقي بالسودان، أن التحركات البريطانية داخل مجلس الأمن الدولي تكشف عن إشكالية عميقة تتعلق بالتناقض بين الخطاب الدبلوماسي والمصالح الاقتصادية والعسكرية.
وأوضح نوار، في تصريحه لـ”بوابة الجزائر»، أن المملكة المتحدة تسعى إلى الظهور بمظهر الطرف الدولي الداعم للجهود الرامية إلى وقف تدفقات السلاح نحو مناطق النزاع في السودان، من خلال المطالبة بنشر تقارير فرق الخبراء التابعة للأمم المتحدة بشأن حظر التسليح في دارفور، وتشديد الرقابة على شبكات التمويل والإمداد العسكري، لا سيما المرتبطة بالطائرات المسيّرة التي أصبحت عنصراً مؤثراً في موازين القوى الميدانية.غير أن هذه التحركات، بحسب المتحدث، تتزامن مع استمرار العلاقات العسكرية والتجارية بين لندن وأبوظبي، بما في ذلك تراخيص تصدير معدات تدخل ضمن الفئة العسكرية البريطانية «ML10»، المرتبطة بالطائرات ومكوناتها وتجهيزاتها ذات الصلة.واعتبر نوار أن هذا التوازي يضع مصداقية الدبلوماسية البريطانية أمام اختبار حقيقي، خصوصاً عندما تتعارض الدعوات إلى محاصرة مصادر التسليح مع استمرار المصالح الاقتصادية المرتبطة بالصناعات الدفاعية. تراخيص تصدير السلاح إلى الإمارات تضع مصداقية لندن على المحكوفي قراءته للأبعاد الاقتصادية والعسكرية لهذه القضية، أشار محمد أحمد نوار إلى أن البيانات المتعلقة بتراخيص الصادرات العسكرية البريطانية نحو الإمارات تثير تساؤلات جدية بشأن آليات الرقابة على الاستخدام النهائي للمعدات والتكنولوجيا العسكرية.
ولفت مدير مركز الإعلام الإفريقي بالسودان إلى أن الأرقام الواردة بشأن ارتفاع قيمة بعض التراخيص من نحو 4 ملايين إلى 87 مليوناً، ثم 77 مليوناً، تعكس، وفق قراءته، استمراراً في العلاقات العسكرية والتجارية، وليس مجرد تعاملات استثنائية أو محدودة.وأوضح نوار أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق فقط بالقيمة المالية لهذه التراخيص، وإنما بمدى قدرة السلطات البريطانية على ضمان عدم انتقال المعدات أو مكوناتها إلى أطراف أخرى، أو استخدامها بصورة غير مباشرة في النزاعات المسلحة.
وشدد على أن الفصل القانوني بين الدولة المستوردة والمستخدم النهائي لا يكفي، من وجهة نظره، لتبديد المخاوف المتعلقة بإعادة تحويل التكنولوجيا العسكرية إلى ساحات الصراع، خصوصاً في ظل الاتهامات والتقارير المتداولة بشأن شبكات الإمداد العسكري المرتبطة بالحرب السودانية.: معايير تصدير السلاح البريطانية أمام اختبار القانون الدوليوفي محور متصل، أكد محمد أحمد نوار لـ«بوابة الجزائر» أن استمرار منح تراخيص تصدير المعدات العسكرية في ظل النزاعات الإقليمية يطرح تساؤلات بشأن مدى الالتزام بالمعايير القانونية والأخلاقية التي تعلنها المملكة المتحدة لتنظيم صادراتها الدفاعية.
وأوضح نوار أن الضوابط البريطانية المتعلقة بتصدير السلاح تقوم على تقييم المخاطر المرتبطة باستخدام المعدات العسكرية في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، فضلاً عن المخاطر المتعلقة بتحويل الأسلحة إلى مستخدمين غير مصرح لهم.واعتبر أن وجود مؤشرات جدية على احتمال انتقال المكونات العسكرية إلى مناطق النزاع يستوجب مراجعة دقيقة للتراخيص الممنوحة، وتعزيز آليات التحقق من المستخدم النهائي، بدلاً من الاكتفاء بالضمانات القانونية والإدارية المقدمة من الدول المستوردة.
وأشار المتحدث إلى أن مصداقية السياسة الخارجية البريطانية لا تُقاس فقط بمواقفها المعلنة داخل مجلس الأمن، وإنما أيضاً بمدى التزامها العملي بمنع وصول المعدات والتكنولوجيا العسكرية إلى الأطراف المتورطة في النزاعات والانتهاكات.استمرار التراخيص العسكرية وشبهة التواطؤ غير المباشر في إطالة الحربوفي تقييمه لتداعيات استمرار الصادرات العسكرية، اعتبر محمد أحمد نوار أن تواصل منح التراخيص على مدى سنوات، رغم التحذيرات المتعلقة بتدفقات السلاح نحو السودان، يثير إشكالية تتجاوز حدود المسؤولية الإدارية إلى ما وصفه بـ«التواطؤ العملي غير المباشر».
وأوضح مدير مركز الإعلام الإفريقي بالسودان أن الدول المصدّرة للمعدات العسكرية تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية في تقييم المخاطر المحتملة المرتبطة بانتقال منتجاتها إلى مناطق النزاع، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمكونات التقنية الدقيقة التي يمكن استخدامها في تشغيل الطائرات المسيّرة والمنظومات القتالية.
وأضاف نوار أن استمرار تدفق هذه التقنيات، في حال ثبوت وصولها إلى أطراف النزاع، قد يسهم في تعزيز القدرات العملياتية وإطالة أمد المواجهات العسكرية، بما ينعكس سلباً على فرص التسوية السياسية وحماية المدنيين.وأكد أن المسألة لا تقتصر على تحديد الجهة التي تصدر المعدات بصورة مباشرة، بل تشمل أيضاً تتبع سلاسل التوريد والوسطاء وشبكات إعادة التصدير، لضمان عدم تحول العلاقات التجارية المشروعة إلى قنوات غير مباشرة لتغذية الصراعات المسلحة.

الخطاب الإنساني البريطاني بين الضغوط الحقوقية وحسابات المصالح
وفي سياق تحليله للأبعاد السياسية للموقف البريطاني، رأى محمد أحمد نوار أن تكرار الدعوات الإنسانية لوقف الحرب في السودان، دون اتخاذ إجراءات رقابية أكثر صرامة تجاه شبكات التسليح، يضع جدية التحركات الدولية موضع تساؤل.
وأوضح نوار لـ«بوابة الجزائر» أن البيانات الدبلوماسية الصادرة عن القوى الدولية قد تتحول، في غياب إجراءات تنفيذية ملموسة، إلى أدوات لاحتواء الضغوط السياسية والحقوقية، دون إحداث تغيير فعلي في العوامل التي تسهم في استمرار النزاع.
واعتبر أن تقديم المساعدات الإنسانية والمطالبة بوقف إطلاق النار لا يمكن فصلهما عن ضرورة معالجة مصادر التمويل والإمداد العسكري، لأن استمرار تدفق الأسلحة والتكنولوجيا القتالية يقوض فرص نجاح المبادرات السياسية والإنسانية.
وأضاف أن التحدي الحقيقي أمام بريطانيا يتمثل في الانتقال من مستوى التصريحات والمواقف الدبلوماسية إلى إجراءات عملية تتضمن تشديد الرقابة على الصادرات العسكرية، والتحقيق في شبهات إعادة التصدير، ومراجعة التراخيص المرتبطة بالمعدات التي قد تُستخدم في النزاعات المسلحة.
السودان يدفع ثمن تضارب المصالح الدولية وغياب آليات الردع
وفي ختام تصريحه، شدد محمد أحمد نوار، مدير مركز الإعلام الإفريقي بالسودان، على أن استمرار الحرب يعكس، في أحد أبعاده، عجز المجتمع الدولي عن إيجاد توازن حقيقي بين المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى والتزاماتها المتعلقة بحماية المدنيين ومنع تدفقات السلاح إلى مناطق النزاع.
واعتبر نوار أن التناقض بين الخطاب الإنساني والممارسات المرتبطة بالتعاون العسكري يضعف الثقة في المؤسسات الدولية، ويمنح الأطراف المتحاربة هامشاً إضافياً للاستمرار في العمليات العسكرية.
وأكد أن إنهاء المأساة السودانية يتطلب إرادة دولية تتجاوز البيانات الدبلوماسية، من خلال تفعيل آليات المساءلة، وتشديد الرقابة على شبكات التسليح، وضمان احترام قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بحظر الأسلحة في دارفور.
وخلص نوار إلى أن مصداقية بريطانيا في الملف السوداني ستظل مرتبطة بقدرتها على تحقيق الانسجام بين التزاماتها المعلنة بحماية المدنيين وسياساتها الفعلية في مجال تصدير المعدات العسكرية، مشدداً على أن حماية أرواح السودانيين يجب أن تتقدم على حسابات المصالح التجارية والتحالفات الجيوسياسية.












