بوابة الجزائر الإخبارية: منذ بداية العهدة الرئاسية الثانية في سبتمبر 2024، واصل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الدفع باتجاه نموذج اقتصادي يقوم على معادلة واضحة أساسها تحسين دخل المواطن وحماية قدرته الشرائية، بالتوازي مع الحفاظ على التوازنات المالية ودعم الإنتاج الوطني والاستثمار.
وخلال عامين، برز البعد الاجتماعي في القرارات الاقتصادية للرئاسة باعتباره أحد المحاور الأساسية للسياسة العمومية، من خلال مواصلة مراجعة الأجور والمعاشات، ورفع الحد الأدنى للأجر، وتوسيع المنح، إلى جانب تبني موازنات ذات طابع توسعي وتمويلي للمشاريع والاستثمار.
الأجور.. مسار تدريجي نحو مضاعفة الدخل
كان ملف الأجور في صدارة الالتزامات التي أكد الرئيس تبون مواصلة تنفيذها خلال عهدته الثانية.
ففي يوليو 2026، جدد التزامه بمواصلة رفع الأجور ومعاشات التقاعد والأجر الوطني الأدنى المضمون بصورة تدريجية، مشدداً على ضرورة تنفيذ هذه الزيادات بما يحافظ على التوازنات الاقتصادية ويساعد على التحكم في التضخم.
وتندرج هذه المقاربة ضمن مسار بدأ قبل العهدة الثانية، لكنه دخل مرحلة جديدة خلالها، بعدما بلغت الزيادات في الأجور نحو 47 بالمائة، مع الالتزام باستكمال الرفع تدريجياً للوصول إلى 100 بالمائة بحلول نهاية 2027.
وقد جدد الرئيس هذا الهدف خلال مايو 2026، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستواصل رفع الأجور وفق الإمكانات الاقتصادية والمالية للبلاد.
واللافت في هذا المسار أن الرئاسة لم تقدم رفع الأجور باعتباره إجراءً معزولاً، وإنما ربطته صراحة بضرورة التحكم في الكتلة النقدية ومواجهة التضخم، بما يجعل تحسين القدرة الشرائية جزءاً من سياسة اقتصادية أوسع، لا مجرد زيادة اسمية في المداخيل.
رفع الأجر الأدنى وتوسيع الحماية الاجتماعية
وفي خطوة عملية لتعزيز مداخيل الفئات ذات الدخل المحدود، قرر مجلس الوزراء، برئاسة الرئيس تبون، رفع الأجر الوطني الأدنى المضمون من 20 ألف دينار إلى 24 ألف دينار ابتداءً من يناير 2026.
كما تقرر رفع منحة البطالة من 15 ألف دينار إلى 18 ألف دينار، في إطار سياسة تستهدف دعم الفئات الباحثة عن العمل والحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة.
ولم تتوقف الإجراءات عند الأجور ومنحة البطالة، إذ أعلن الرئيس في سبتمبر 2025 الشروع، ابتداءً من 2026، في إدراج زيادات جديدة في الأجور ومنحتي البطالة والطالب، مع إمكانية أن تشمل العملية معاشات المتقاعدين، وفق الإمكانيات المالية للدولة، بهدف تحسين القدرة الشرائية.
الضرائب.. تخفيف العبء عن أصحاب الدخل المحدود
في الجانب الجبائي، استمر التوجه نحو تخفيف الضغط الضريبي على الفئات محدودة ومتوسطة الدخل.
ومن أبرز المكتسبات إعفاء الأجور التي تقل أو تساوي 30 ألف دينار من الضريبة على الدخل الإجمالي IRG، وهو إجراء يندرج ضمن سياسة إعادة توزيع الدخل وتحسين المداخيل الصافية للأجراء.
وهنا يظهر البعد الاجتماعي للسياسة الاقتصادية بوضوح: فرفع الأجر من جهة، وتقليص الاقتطاعات الضريبية من جهة أخرى، يستهدفان رفع الدخل المتاح فعلياً للأسر، وليس فقط رفع الأجر الاسمي.
موازنة 2026.. إنفاق قياسي وتمويل الوطنية
على مستوى المالية العمومية، شكل قانون المالية لسنة 2026 محطة بارزة في مسار العهدة الثانية.
فقد وقع الرئيس تبون القانون في 14 ديسمبر 2025، قبل أن يصدر لاحقاً في الجريدة الرسمية.
وتجاوزت النفقات الميزانياتية في موازنة 2026 ، 17 ألف مليار دينار، أي نحو 135 مليار دولار، لتصبح من أضخم الموازنات في تاريخ الجزائر.
وقد وصف مجلس الأمة هذه الميزانية بأنها تندرج ضمن السياسة التنموية لرئيس الجمهورية، مع تركيز على ترقية الاستثمار ودعم الاقتصاد وتعزيز القدرة الشرائية.ويعكس هذا الحجم الكبير للإنفاق استمرار الدولة في استخدام المالية العمومية كأداة لدعم النشاط الاقتصادي وتمويل المشاريع والحفاظ على الإنفاق الاجتماعي، في وقت تتجه فيه الجزائر إلى توسيع الإنتاج الوطني وتقليص الاعتماد على الواردات في عدد من المجالات الاستراتيجية.
من الإنفاق الاجتماعي إلى دعم الإنتاج الوطني
ولا يمكن قراءة سياسة الإنفاق خلال العامين الماضيين بمعزل عن الرؤية الاقتصادية الأوسع التي يطرحها الرئيس تبون، والمتمثلة في الانتقال تدريجياً من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات المحروقات إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، يقوم على الإنتاج والاستثمار وتثمين الموارد الوطنية.
فزيادة الأجور والمنح لا تُطرح في الخطاب الرئاسي باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل ترتبط بتحسين الإنتاجية، وضبط السوق، وتشجيع الاستثمار، وتطوير الإنتاج الوطني، بما يسمح للدولة بتوفير موارد إضافية لتمويل التزاماتها الاجتماعية.
وهذا ما يفسر تأكيد الرئيس في أكثر من مناسبة أن الزيادات يجب أن تتم بصورة تدريجية ومدروسة، حتى لا تؤدي زيادة الكتلة النقدية إلى تغذية التضخم. ففي يوليو 2026، شدد على أن ضخ الأموال في الاقتصاد ينبغي أن يتم بطريقة تنعكس إيجاباً على النمو والقدرة الشرائية، مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.


























