مقال رأي بقلم محمد قنديل – مدون، ناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل

بوابة الجزائر الإخبارية: يأتي إستمرار إحتجاز النقيب محمد زيان، وزير حقوق الإنسان الأسبق ونقيب هيئة المحامين بالرباط سابقًا، بعد نهاية محكوميته يوم 21 نوفمبر 2025، كأحد أكثر المشاهد دلالة على درجة الإنحطاط السياسي والحقوقي الذي بلغه النظام المخزني اليوم، فالرجل البالغ من العمر ثلاثة وثمانين عامًا، قضى عقوبته كاملة دون أي تخفيض أو إفراج مشروط، ومع ذلك وجد نفسه في وضعية إعتقال تحكُّمي لا يسندها قانون ولا أخلاق ولا شرع، في تحدٍّ سافر للدستور المغربي والقانون الجنائي والمواثيق الدولية التي إلتزم بها المغرب أمام العالم.

إن الإصرار على إبقائه خلف القضبان، وهو شيخ يعاني أمراضًا مزمنة، يفضح حجم الإنتقام السياسي الذي أصبح يتحكم في قرارات الدولة، ويكشف أن الأمر لم يعد يتعلق بتنفيذ أحكام قضائية، بل بقرار سياسي صرف هدفه إخماد صوت ظل، طوال سنوات، من أشد المنتقدين لسلطة المخزن ولمنظومة الفساد والتحكم وللإرتباطات الخطيرة التي نسجتها دوائر النفوذ مع قوى خارجية، وعلى رأسها الكيان الصهيوني ودويلة المؤامرات العبرية اللذان إستطاعا التغلغل داخل مراكز القرار الأمني.. الإستخباراتي.. والقضائي.

فليس سِرًّا اليوم أن النظام المخزني بات ملتزمًا أمام تلك الجهات الخارجية بما يفوق إلتزامه تجاه مواطنيه وقوانينه، وأن الأصوات الوطنية التي تفضح هذا التغلغل تُعامل بإعتبارها تهديدًا يجب سحقه، مهما كان عمر صاحبه أو وضعه الصحي، وما قضية زيان إلا نموذج صارخ لهذا الواقع.. رجل تجاوز الثمانين، بلا نفوذ ولا حزب، لكن كلمته ما تزال قادرة على إحراج بنيان كامل قائم على الإستبداد والفساد والتطبيع.
إن إقدامه على الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام إبتداءً من 24 نوفمبر 2025، إحتجاجًا على إحتجازه غير القانوني، يضع الدولة أمام مسؤولية ثقيلة، فالرجل اليوم مهدَّد في حياته، والمسؤولية السياسية والأخلاقية تقع على كل من أمر أو سكت أو تواطأ على إبقائه في السجن بعد إنتهاء محكوميته، هذا الوضع لا يمثل فقط إنتهاكًا صارخًا للقانون، بل يمثل أيضًا إنهيارًا أخلاقيًّا لمؤسسة الدولة التي يفترض أن تحمي كبار السن والمرضى، لا أن تحوّلهم إلى رهائن في صراعات سياسية.

قضية النقيب زيان تجاوزت منذ زمن حدود الخلاف مع المخزن، وتحولت إلى قضية عدالة وسيادة وكرامة وطنية، فالإعتقال التعسفي لرجل بهذا الحجم من التاريخ والخبرة والنضال ليس مجرد إنتهاك فردي، بل هو رسالة تهديد موجّهة لكل معارض، وكل قاضٍ حر، وكل محامٍ شجاع، وكل صحافي مستقل، وكل مواطن يفكر في أن يقول < لا >، كما أنه مؤشر خطير على أن القرار السيادي لم يعد وطنيًا خالصًا، وأن أطرافًا خارجية باتت تمتلك القدرة على التأثير في مصائر الأشخاص داخل المغرب.

ولكل من محمد السادس، ملك المغرب، وعلي الحمة، الجزّار المسؤول عن تنفيذ هذه السياسات القمعية، نقول بصراحة غير قابلة للمواربة.. إن إستمراركم في إبقاء النقيب محمد زيان خلف القضبان ليس مجرد تجاوز قانوني، بل هو إعتراف علني بفشل حكمكم وقسوتكم المطلقة، لقد أضفتم وصمة عار جديدة على تاريخكم السياسي الأسود، وحوّلتم دولة بأكملها إلى ساحة إنتقام شخصية، فقط لأن رجلًا فضحكم وعرّى سوءاتكم أمام الشعب.

التاريخ لن يرحمكم، والشعب لن ينسى أن دماء العدالة والحقيقة قد سالت بسبب جبروتكم، وأنكم اخترتم السلطة على القانون، والإذلال على الإنسانية.
وبناءً على كل ما سبق، فإن الإفراج الفوري وغير المشروط عن النقيب محمد زيان لم يعد مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل أصبح واجبًا وطنيًا وإنسانيًا ملحًا، ودليلًا على أن الدولة ما تزال قادرة < ولو جزئيًا > على إحترام القانون، كما أن الحاجة ملحة إلى تحرك دولي من الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي والمنظمات الحقوقية الدولية لوقف هذا الإنتهاك الجسيم، ولحماية حياة رجل مسنّ يُعامل اليوم بقسوة لا تليق بدولة، ولا تنسجم مع قيم العدالة أو الرحمة أو السيادة.

إن ما يتعرض له النقيب زيان هو فضيحة سياسية وأخلاقية، وإحدى العلامات الأكثر وضوحًا على مرحلة جديدة من تغوّل السلطة وغياب المحاسبة والتغلغل الأجنبي، وما لم يحصل تدخل عاجل لإنهاء هذه المأساة، فإن الدولة المغربية ستكون قد أحرقت ما تبقى من شرعيتها.
ويبقى السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح.. ما مصلحة عيال زايد في أبو ظبي، وما دور دويلة المؤامرات العبرية في إستمرار هذا الوضع الشاذ؟؟ ولماذا يبدو أن بقاء رجل في الثمانين خلف القضبان يخدم حسابات تتجاوز حدود المغرب نحو دوائر إقليمية لا تخفي نفوذها على القرار المخزني؟؟.







































