بوابة الجزائر الإخبارية: تعهد رئاسي بمرافقة إحدى الفتيات المتضررات من حريق مؤسسة الطفولة المسعفة بالمحمدية إلى غاية استكمال العلاج والتأهيل، بالتوازي مع فتح مسار أوسع لمراجعة المسؤولية داخل منظومة الرعاية، بعدما أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بتحقيق لا يتوقف عند سبب اندلاع الحريق، بل يمتد إلى القرارات والإجراءات والرقابة التي كان يفترض أن تمنع وصول الحادث إلى هذه النتيجة.

وخلال لقائه الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية، تحدث الرئيس عن البعد الإنساني للقضية، معلنًا أنه سيتابع شخصيًا حالة الفتاة ويوفر لها احتياجات العلاج وإعادة التأهيل. وأوضح أن التكفل لن ينتهي بانتهاء المرحلة الطبية، بما يفتح المجال أمام مرافقة نفسية واجتماعية تساعدها على استعادة استقرارها ومواصلة حياتها.
وينقل هذا الالتزام تدخل الدولة من معالجة آثار الحادث الآنية إلى رعاية طويلة الأمد، لأن التعافي في مثل هذه الحالات يتطلب متابعة صحية متخصصة، ودعمًا نفسيًا مستمرًا، وبرنامجًا لإعادة التأهيل والاندماج الاجتماعي والتعليمي.
وكان تبون قد توجه إلى مستشفى الحروق الكبرى «السعيد شيبان» بزرالدة عقب عودته من زيارته إلى ألمانيا، حيث اطلع على ظروف التكفل بالمصابين وطلب وضع الموارد الضرورية تحت تصرف الأطقم الطبية. كما شدد على ضرورة مرافقة الأطفال نفسيًا وعدم حصر الاستجابة في العلاج داخل المستشفى.
غير أن التصريحات الجديدة نقلت القضية من غرفة العلاج إلى منظومة التسيير بأكملها. فقد أمر الرئيس مصالح الأمن بإجراء تحقيق معمق لمعرفة ما وقع، وكيف تطور الحادث، وأين تعطلت إجراءات الوقاية والاستجابة، ومن كان مكلفًا باتخاذ القرارات ومراقبة تنفيذها.
ويفتح هذا المسار أسئلة تتجاوز العامل الموجود لحظة الحادث إلى طريقة إدارة المؤسسة قبل وقوعه. كما يفرض مراجعة سجلات الصيانة، ومواعيد فحص التجهيزات، وتقارير التفتيش، وتكوين الموظفين، وتوزيع المناوبات، وسرعة اكتشاف الخطر وتنفيذ الإجلاء.
وبذلك تصبح المسؤولية سلسلة مترابطة تبدأ من التشغيل اليومي، ثم تمر بالإدارة المحلية والجهة الوصية وهيئات الرقابة، وصولًا إلى كل مستوى كان يملك صلاحية التدخل ولم يستخدمها وفق ما ستثبته التحقيقات.
وأكد الرئيس أن ثقته في الشباب والشابات العاملين في مؤسسات الرعاية ما تزال قائمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الثقة لا تعفي من المساءلة. ويمنع هذا الفصل إصدار حكم جماعي ضد العاملين، مع الإبقاء على المحاسبة الفردية والإدارية لكل من يثبت تقصيره.
كما أوضح أن ما حدث يجب أن يتحول إلى درس للمستقبل. ولا يتحقق ذلك بإعلان نتائج التحقيق وحدها، بل يستوجب تحويل الخلاصات إلى قرارات وقائية تسري على جميع مؤسسات الطفولة المسعفة ومرافق الإيواء والرعاية عبر الولايات.
ويمكن أن تبدأ المراجعة الوطنية بحصر حالة المباني، ثم اختبار أنظمة الإنذار ومعدات الإطفاء ومخارج النجدة والشبكات الكهربائية، مع التأكد من توافر مناوبات بشرية كافية خلال الليل والعطل والفترات التي ترتفع فيها المخاطر.
وتحتاج كل مؤسسة كذلك إلى خطة إجلاء مكتوبة ومحدثة، تحدد مسارات الخروج وأدوار الموظفين ونقاط التجمع وطريقة التواصل مع الحماية المدنية. كما يفترض اختبار هذه الخطة عبر تدريبات دورية بدل بقائها وثيقة إدارية غير مجربة.
ويبرز الحادث أيضًا أهمية توحيد بيانات السلامة داخل منصة رقابية مركزية تسجل تاريخ كل معاينة وعملية صيانة، والجهة التي نفذتها، والملاحظات المسجلة، وآجال معالجة الاختلالات. ومن شأن هذا النظام منع ضياع المسؤولية بين الإدارات وإتاحة معرفة الجهة التي تأخرت في التدخل.
كما يتطلب الإصلاح تحديد الموارد المالية المخصصة للسلامة بصورة مستقلة عن نفقات التسيير العادية. فمؤسسات الرعاية تحتاج إلى صيانة دائمة وتجديد للتجهيزات وتكوين للعاملين، ولا ينبغي تأجيل هذه النفقات أو التعامل معها بوصفها احتياجات ثانوية.
ويضع التحقيق الجهات الوصية أمام اختبار الشفافية، إذ سيُقاس أثره بمدى نشر خلاصاته والإجراءات الناتجة عنه، وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة الفنية والإدارية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الاكتفاء بمساءلة المستويات التنفيذية الدنيا.
كما أن المحاسبة القانونية لا تعوض الإصلاح المؤسسي. فقد يحدد التحقيق الأشخاص المسؤولين عن أخطاء بعينها، بينما تحتاج الوقاية إلى معالجة الثغرات التي سمحت بوقوعها، سواء تعلقت بنقص التجهيزات أو ضعف التفتيش أو غياب التدريب أو بطء معالجة التحذيرات.
ويكتسب الملف حساسية مضاعفة لأن الدولة تتولى حماية أطفال يعيشون داخل مؤسسة عمومية وتعتمد سلامتهم اليومية على جاهزية العاملين وكفاءة الإدارة. ولذلك تكون متطلبات الوقاية في مرافق الإيواء أعلى من المنشآت العادية، بسبب حاجة المقيمين إلى المساعدة والتوجيه أثناء الطوارئ.
وقد تجاوز صدى الحادث الحدود الوطنية، بعدما تلقى الرئيس تبون رسائل تعزية من قادة دول شقيقة وصديقة. غير أن الاستجابة الأهم ستتمثل داخليًا في حماية بقية المؤسسات وإغلاق الثغرات قبل أن تتحول إلى مخاطر جديدة.
وتحدد تصريحات الرئيس مسارين للمرحلة المقبلة. يتعلق الأول بمرافقة المصابين وتوفير العلاج والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي، بينما يرتبط الثاني بمراجعة منظومة الرعاية من الداخل، وتحديد المسؤوليات وتصحيح قواعد الوقاية والرقابة.
ومن المنتظر أن تكشف الخبرات التقنية سبب الحريق وتسلسل الأحداث ومدى فاعلية تجهيزات السلامة، فيما ستبحث المراجعة الإدارية في القرارات والصيانة والتفتيش وتوزيع المسؤوليات. وعند جمع المسارين، يمكن تحديد ما إذا كان الخلل فرديًا أو تنظيميًا أو ناتجًا عن مجموعة من العوامل.
وبهذا المعنى، لم يعد ملف المحمدية متعلقًا بحادث وقع داخل مؤسسة واحدة، بل أصبح اختبارًا لقدرة الدولة على تحويل الألم إلى إصلاح قابل للقياس. وسيظهر النجاح في النتائج التي سيعلنها التحقيق، والقرارات المتخذة بحق المقصرين، وعدد المؤسسات التي ستخضع للتدقيق وإعادة التأهيل.
أما التعهد الرئاسي بمواصلة رعاية الفتاة بعد انتهاء العلاج، فيمنح القضية بعدًا يتجاوز الاستجابة الظرفية، ويؤكد أن مسؤولية الدولة تستمر خلال مسار التعافي كاملًا. وفي المقابل، يضع أمر التحقيق جميع مستويات التسيير أمام قاعدة واضحة مفادها أن حماية الأطفال التزام قانوني ومؤسسي، وأن الإخلال به لن ينتهي بإجراء إداري محدود أو إغلاق الملف مع مرور الوقت.













