بوابة الجزائر الإخبارية: قبة حرارية غير مألوفة دفعت درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية في تيزي وزو و47 درجة في الجزائر العاصمة وعنابة، ووضعت أجهزة التدخل الجزائرية في حالة استنفار مستمرة لمواجهة الحرائق وحماية السكان وشبكات الطاقة والمساحات الغابية، وفق ما كشفه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية.

وطمأن الرئيس المواطنين بأن مؤسسات الدولة تبقى معبأة على مدار الساعة، مؤكدًا أن حجم المخاطر فرض تنسيقًا مباشرًا بين مصالح الحماية المدنية والجيش الوطني الشعبي وأعوان الغابات وشركة سونلغاز، بالتوازي مع مشاركة شبابية تطوعية وصفها بأنها تعكس حسًا وطنيًا رفيعًا.
واختار تبون وضع موجة الحرائق ضمن سياق مناخي أوسع، مشيرًا إلى أن التغير المناخي تحول إلى واقع مثبت سبق أن حذر منه المختصون. كما أوضح أن الظاهرة لم تعد محصورة في الحوض المتوسطي، إذ تعرضت مناطق في كندا وأميركا الشمالية وأميركا اللاتينية لموجات حرارة وحرائق متكررة.
غير أن خصوصية الوضع الجزائري، بحسب الرئيس، ارتبطت بوصول الحرارة إلى مستويات لم تعتدها المناطق الشمالية. فقد سجلت تيزي وزو 50 درجة، بينما وصلت الحرارة إلى 47 درجة في العاصمة وعنابة ومناطق أخرى، ما ضاعف سرعة جفاف الغطاء النباتي ورفع قابلية الغابات والمحاصيل للاشتعال.
ويحدث هذا النمط من الحرارة عندما يستقر ضغط جوي مرتفع فوق منطقة معينة ويمنع تبدد الهواء الساخن، فتظل الحرارة محصورة قرب سطح الأرض وتتزايد خلال أيام متتالية. كما تقل حركة الهواء في بعض الحالات، بينما تتراجع الرطوبة وتبقى التربة والنباتات معرضة للجفاف المتسارع.
وتوضح المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن أنظمة الضغط المرتفع تضغط الهواء في اتجاه السطح وترفع حرارته، ما يؤدي إلى تشكل ما يعرف بالقبة الحرارية. وعندما تتزامن هذه الظاهرة مع الجفاف والرياح، تصبح النيران أكثر قابلية للانتشار وتزداد صعوبة السيطرة عليها.
وتأتي تصريحات الرئيس في وقت تشهد فيه مناطق واسعة من العالم ضغوطًا مناخية مماثلة. فقد أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن جوان 2026 كان الأكثر حرارة في غرب أوروبا والثاني عالميًا ضمن البيانات المسجلة، بينما استمرت موجة الحر خلال جويلية وغذت حرائق في فرنسا وشبه الجزيرة الإيبيرية.
وبلغ متوسط الحرارة فوق أراضي غرب أوروبا خلال جوان 20.74 درجة مئوية، متجاوزًا متوسط الفترة الممتدة بين 1991 و2020 بنحو 3.05 درجات. وتدعم هذه المعطيات الطرح القائل إن موجات الحر أصبحت أشد اتساعًا واستمرارًا، مع اختلاف حدتها وتأثيراتها بين بلد وآخر.
وفي الجزائر، تحولت الاستجابة إلى عملية متعددة القطاعات. وتولت الحماية المدنية مكافحة البؤر وإجلاء السكان وحماية التجمعات القريبة، بينما ساهم الجيش بالوحدات البرية والوسائل الجوية والجرافات والصهاريج وسيارات الإسعاف.
وكانت وزارة الدفاع الوطني قد أعلنت استخدام طائرات «بيريف Be-200» التي تستطيع حمل نحو 12 ألف لتر من المياه، إلى جانب مروحيات «مي-26» بطاقة استيعاب تصل إلى 15 ألف لتر. ونُفذت الطلعات وفق انتشار النيران والرؤية والرياح وتقدير الوضع الجوي.
كما يؤدي أعوان الغابات دورًا محوريًا في تحديد المسالك وفتح طرق الوصول ومراقبة المناطق المعرضة لتجدد الاشتعال. وفي المقابل، تتدخل فرق سونلغاز لتأمين منشآت الكهرباء والغاز، وعزل الأجزاء المتضررة عند الضرورة وإعادة الخدمة بعد استقرار الوضع.
ولا يقتصر أثر موجات الحر على المساحات المحترقة، إذ ترتفع خلالها أحمال الكهرباء بفعل الاستخدام المكثف لأجهزة التبريد، كما يزيد الطلب على المياه وتتراجع إنتاجية الأنشطة التي تعتمد على العمل في الهواء الطلق.
وتتعرض الزراعة بدورها لضغوط تشمل جفاف التربة وتضرر المحاصيل والأشجار المثمرة والأعلاف والمراعي وخلايا النحل. كما يمكن أن تمتد النيران إلى المخازن والمعدات الفلاحية والمساكن الريفية وشبكات الطرق والاتصالات.
وتتحمل الدولة في المقابل نفقات إضافية تشمل ساعات الطيران والوقود وصيانة الآليات وتوفير المياه والإسعاف والإيواء، فضلًا عن إحصاء الخسائر والتعويض وإعادة تأهيل الغابات والمنشآت المتضررة.
وتبرز مشاركة المتطوعين بوصفها عنصرًا مساندًا للعمليات الرسمية، خاصة في إجلاء السكان وتوفير المياه والمؤن والمساعدة على حماية القرى. غير أن التدخل قرب بؤر النار يظل خاضعًا لتوجيه الأجهزة المختصة تفاديًا لتعريض المتطوعين وفرق الإنقاذ لمخاطر إضافية.
كما تضع الحرارة المسجلة منظومة التخطيط العمومي أمام واقع جديد يتطلب رفع جاهزية الموارد قبل بداية موسم الحرائق، وتحديث خرائط المخاطر وتوسيع المراقبة الجوية والبرية وصيانة المسالك وإنشاء خطوط عازلة حول التجمعات السكانية والمنشآت الاقتصادية.
ويشمل التكيف كذلك تدعيم شبكات الكهرباء والمياه لتتحمل ذروة الطلب، وتوفير وسائل تدخل موزعة جغرافيًا، بما يقلص الزمن الفاصل بين اكتشاف الحريق ووصول فرق الإخماد.
وأكد الرئيس أن اللقاءات الدورية مع الصحافة موجهة أساسًا إلى الرأي العام، حتى يبقى المواطن على دراية بما يجري في البلاد والقرارات المتخذة، مع تقديم التفاصيل عندما تتطلب طبيعة الملف ذلك.
وبهذا وضع تبون موجة الحرائق ضمن معادلة تجمع الاستعداد الأمني والتكيف المناخي وحماية الاقتصاد، مؤكدًا أن حالة التعبئة ستظل قائمة على مدار الساعة. كما تعكس أرقام 50 درجة في تيزي وزو و47 درجة في العاصمة وعنابة حجم التحول الذي يفرض على الجزائر الانتقال من إدارة موسمية للحرائق إلى منظومة دائمة لمواجهة المخاطر المناخية المتصاعدة.













