الأربعاء, 4 نوفمبر 2026 • 18:07 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
واشنطن بين الحزبين… اختلاف في الأساليب واتفاق في إطالة أمد النزاع الجزائر تستعرض مشاريعها الاستراتيجية أمام البنك الدولي.. أرقام 2027 تكشف حجم الرهان موريتانيا وإسبانيا..شراكة أمنية على محك التنمية والرهانات المؤجلة المحور المصري-السوداني في مواجهة التحركات الإثيوبية.. سيناريوهات انفجار القرن الإفريقي بين انسداد الدبلوماسية وخيار التصعيد الجزائر ونيامي.. إرادة سياسية صارمة لقلب معادلة الأمن والتنمية في الساحل استراتيجية “اختر فرنسا”..تسويق جامعي على حساب الامتداد الثقافي في إفريقيا من التصدير إلى التصنيع..الجزائر تُفعل آليات التمويل الدولي لبناء مركز صناعي إقليمي خطة طاقوية بـ71.6 مليار دولار.. 6 مجالات استراتيجية بين الجزائر و البنك الدولي الجزائر والبنك الدولي يبحثان تمويل مشاريع استراتيجية في قطاع المحروقات والصناعة عطاف في نيامي مبعوثاً خاصاً لرئيس الجمهورية… الجزائر والنيجر نحو تعزيز الشراكة والتنسيق الإقليمي
شارك المقال

واشنطن بين الحزبين… اختلاف في الأساليب واتفاق في إطالة أمد النزاع

• الكاتب(ة): خطاب ربيعة • 0 تعليق • 0 مشاهدة
واشنطن بين الحزبين… اختلاف في الأساليب واتفاق في إطالة أمد النزاع

بقلم :محمد لمام الديه أباه

بوابة الجزائر الإخبارية : قد ينظر إلى تراجع الجمهوريين في المشهد السياسي الأمريكي باعتباره انتصارا للقضايا العادلة وفرصة للعالم لالتقاط أنفاسه بعد مرحلة ارتبطت بسياسات الهيمنة وإشعال الحروب وتأجيج بؤر التوتر والانحياز إلى قوى الاحتلال، فضلا عن توظيف النفوذ الأمريكي لحماية حلفاء واشنطن من المساءلة الدولية، ولو على حساب القانون الدولي وحقوق الشعوب.

غير أن التجارب التاريخية تفرض قراءة أكثر عمقا، فالتناوب بين الجمهوريين والديمقراطيين لا يعني بالضرورة انتقال الولايات المتحدة من سياسة الهيمنة إلى نصرة العدالة، بل يعكس في كثير من الأحيان اختلافا في أساليب إدارة المصالح والنفوذ. فبينما يميل الجمهوريون إلى فرض الأمر الواقع والضغط المباشر، يفضل الديمقراطيون الخطاب الدبلوماسي والاحتماء بالمؤسسات الدولية، دون أن يترجم ذلك بالضرورة إلى مواقف حاسمة تنصف الشعوب المتضررة.

وتشكل القضية الصحراوية نموذجا واضحا لهذه الازدواجية. ففي عهد الجمهوري جورج بوش الأب، شهد عام 1991 وقف إطلاق النار وإنشاء بعثة المينورسو تمهيدا لتنظيم استفتاء تقرير المصير، غير أن هذا الالتزام ظل حبرا على ورق. وفي عهد الديمقراطي بيل كلينتون، برزت جهود جيمس بيكر لإحياء مسار التسوية دون تحقيق تقدم حاسم. ثم شهد عهد الجمهوري جورج بوش الابن طرح خطة بيكر الثانية سنة 2003، التي تضمنت استفتاء لتقرير المصير وحظيت بتأييد مجلس الأمن، لكنها لم تنفذ بسبب رفض المغرب لها.

أما في عهد الديمقراطي باراك أوباما، فقد استمرت الجهود الدبلوماسية دون اختراق جوهري، وفشلت محاولة توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان. وجاء التحول الأخطر في عهد الجمهوري دونالد ترامب، حين أعلنت إدارته في ديسمبر 2020 الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، في خطوة شكلت انحيازا صريحا إلى موقف الاحتلال المغربي ومحاولة لفرض واقع سياسي يتعارض مع حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.لكن عودة الديمقراطيين بقيادة جو بايدن لم تؤد إلى التراجع عن هذا الاعتراف، رغم اختلاف الخطاب والتأكيد المتكرر على دعم المسار الأممي.

وهنا تتجلى المفارقة: الجمهوريون يتخذون القرارات التي تكرس الأمر الواقع، والديمقراطيون يمتنعون عن تصحيحها، مكتفين بإدارة تداعياتها بلغة دبلوماسية أكثر هدوءا.

ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض سنة 2025، تعزز هذا التوجه، وصولا إلى قرار مجلس الأمن 2797، الذي منح المقترح المغربي للحكم الذاتي موقعا متقدما في المفاوضات، دون أن ينهي الوضع القانوني للقضية أو يسقط حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.والحصيلة، بعد عقود من تعاقب الحزبين، أن القضية الصحراوية حققت مكاسب قانونية ودبلوماسية وحافظت على حضورها ضمن قضايا تصفية الاستعمار، لكنها لم تحقق هدفها الأساسي المتمثل في تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير المصير. بل تحول المسار من وعد بتنظيم الاستفتاء إلى مفاوضات مفتوحة، ثم إلى محاولات متزايدة لترجيح حلول لا تعكس بالضرورة الإرادة الحرة للشعب الصحراوي.

وهكذا يبدو التناوب الأمريكي، من منظور نقدي، أقرب إلى تبادل الأدوار منه إلى تغيير حقيقي في جوهر السياسة الخارجية: جمهوريون يفرضون الوقائع بالقرارات الأحادية وسياسة القوة، وديمقراطيون يعيدون تلميع صورة الولايات المتحدة بخطاب دبلوماسي ناعم، بينما تظل القضايا العادلة رهينة حسابات المصالح، حبيسة أروقة المفاوضات ومتاهات التسويف، فيتحول الزمن إلى أداة لاستنزاف الحقوق وإطالة أمد الصراعات.وفي الاخير إن تراجع الجمهوريين قد يمثل نهاية مؤقتة لمرحلة سياسية اتسمت بالتشدد والصدام، لكنه لا يعني بالضرورة بداية عهد تنتصر فيه العدالة.

فالقضية الصحراوية لا تحتاج إلى تغيير الوجوه في واشنطن بقدر ما تحتاج إلى تغيير السياسات، والانتقال من إدارة النزاع إلى إنهاء أسبابه، ومن الوعود الدبلوماسية إلى احترام حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير مصيره.

#الصحراء الغربية،#واشنطن،
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أوروبا
شارك المقال

أوروبا لا تخشى فقدان الغاز الجزائري وحده.. بل العجز عن تعويضه في اللحظة الخطأ

أوروبا لا تخشى فقدان الغاز الجزائري وحده.. بل العجز عن تعويضه في اللحظة الخطأ

بوابة الجزائر الإخبارية: في وقت تتأهب فيه أوروبا لمواجهة أزمات استثنائية قد تضرب قطاعاتها الحيوية، لم تعد المخاوف مقتصرة على نقص الطاقة أو ارتفاع أسعارها، بل امتدت إلى قدرة القارة على الصمود أمام اضطرابات متزامنة قد تربك شبكات الإمداد.

ووسط هذه الاستعدادات، برز الغاز الجزائري في أحد اختبارات الضغط الأوروبية، ضمن سيناريو يفترض انقطاع إمداداته بالكامل، بالتزامن مع غياب الغاز الروسي عبر الأنابيب.

أوروبا لا تخشى فقدان الغاز الجزائري وحده.. بل العجز عن تعويضه في اللحظة الخطأ

الوثيقة أعلاه تبين سيناريو انقطاع الغاز الجزائري وفق تقرير ENTSOG

في الثامن من أكتوبر 2026، نشرت الشبكة الأوروبية لمشغلي أنظمة نقل الغاز ENTSOG تقييمها لأمن الإمدادات خلال شتاء 2026–2027.

ولم تكتف الوثيقة بدراسة مستويات التخزين أو احتمالات تراجع شحنات الغاز المسال، بل تضمنت اختبار سيناريو انقطاع جميع الواردات الجزائرية، مع افتراض غياب الإمدادات الروسية عبر الأنابيب.

هذه النقطة بالذات تستحق التوقف.

فإدراج الجزائر في اختبار بهذا الحجم يعكس أهمية تدفقاتها بالنسبة إلى منظومة الغاز الأوروبية، ويطرح سؤالًا عن قدرة البنية التحتية الأوروبية على تعويض الإمدادات عند وقوع اضطرابات متزامنة.

غير أن الوثيقة لا تعني وجود تهديد جزائري بقطع الإمدادات، ولا تشير إلى أن بروكسل تتوقع حدوث ذلك. إنها تختبر قدرة النظام على تحمل صدمات محتملة.

أوروبا لا تخشى فقدان الغاز الجزائري وحده.. بل العجز عن تعويضه في اللحظة الخطأ

المفوضية الأوروبية: إرشادات الاستعداد للطوارئ لمدة 72 ساعة

72 ساعة استعدادًا للأسوأ

بالتوازي مع هذه الاختبارات، أطلق الاتحاد الأوروبي في 19 أكتوبر تمرينًا واسعًا لإدارة الأزمات تحت اسم EU Integrated Resolve 2026، يمتد حتى 20 نوفمبر، بهدف اختبار التنسيق الأوروبي أمام سيناريوهات طوارئ معقدة.

وفي الثالث من نوفمبر، أصدرت المفوضية الأوروبية إرشادات للاستعداد للأزمات، تتضمن قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الأساسية خلال أول 72 ساعة من الأزمة.

هذه الإجراءات لا تخص الغاز وحده، بل تشمل أخطارًا متعددة، من انقطاع الخدمات الأساسية إلى الكوارث والهجمات على البنية التحتية.

لكن تزامنها مع تصاعد المخاطر الطاقوية يكشف انتقال الاستعداد للأزمات إلى مستويات متعددة: من الأسر والمؤسسات إلى شبكات الطاقة والحكومات.

الرقم الذي يقلق أوروبا: أقل من 10%

في اليوم نفسه، حذرت الوكالة الدولية للطاقة من أن مخزونات الغاز الأوروبية قد تهبط إلى أقل من 10% من طاقتها التشغيلية بنهاية مارس 2027، إذا اجتمع شتاء أبرد من المعتاد مع استمرار اضطراب تدفقات الغاز المسال عبر مضيق هرمز.

ولا يمثل هذا الرقم توقعًا أساسيًا، بل نتيجة سيناريو شديد الصعوبة.

وتزداد حساسية الموقف لأن انخفاض المخزون لا يعني تراجع الاحتياطي فقط، بل قد يحد أيضًا من سرعة سحب الغاز عندما تنخفض مستويات التخزين بصورة كبيرة.

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: ماذا يحدث إذا تزامن برد شديد مع اضطراب بحري وانقطاع مصدر مهم من مصادر الغاز عبر الأنابيب؟

أوروبا لا تخشى فقدان الغاز الجزائري وحده.. بل العجز عن تعويضه في اللحظة الخطأ

صورة لمنشآت تخزين الغاز الأوروبية

لماذا تكتسب الجزائر أهمية مختلفة؟

لا ترتبط أهمية الجزائر بالنسبة إلى أوروبا بحجم الغاز الذي تصدره فقط، بل بالطريق الذي يصل عبره.

فخط ترانسميد نحو إيطاليا وميدغاز نحو إسبانيا يمنحان السوق الأوروبية مسارين للإمداد لا يحتاجان إلى ناقلات الغاز المسال ولا إلى عبور مضيق هرمز. وهذه ميزة مهمة في سوق أصبحت فيها الاضطرابات البحرية عاملًا مباشرًا في أسعار الطاقة.

لكن الأنابيب ليست محصنة ضد الأعطال أو المخاطر الأخرى، كما أن قدرتها على زيادة الإمدادات مرتبطة بالإنتاج المتاح والالتزامات التعاقدية.

ولهذا، فإن أهمية الجزائر لا تكمن في قدرتها المفترضة على تعويض أي نقص عالمي، بل في مساهمتها في تنويع طرق وصول الغاز إلى أوروبا.

أوروبا لا تخشى فقدان الغاز الجزائري وحده.. بل العجز عن تعويضه في اللحظة الخطأ

خط ترانسميد نحو إيطاليا

المفارقة الكبرى

بينما تسعى أوروبا إلى تقليص اعتمادها على مصادر الطاقة المعرضة للمخاطر الجيوسياسية، تكشف اختبارات الطوارئ أن فقدان أحد مورديها المتوسطيين يستحق إدراجه ضمن سيناريوهات الضغط على منظومة الغاز.

وهنا تتغير زاوية النظر إلى الجزائر.

فهي ليست مجرد دولة تبيع الغاز في السوق الأوروبية، بل جزء من البنية الجغرافية التي تعتمد عليها القارة لتنويع إمداداتها وتقليل تعرضها لبعض اضطرابات النقل البحري.

ولذلك، فإن القيمة الاستراتيجية للغاز الجزائري لا تظهر بالكامل في أرقام الصادرات أو الأسعار، بل تظهر أيضًا عند طرح السؤال المعاكس: ما التكلفة التي قد تتحملها أوروبا إذا فقدت هذه الإمدادات في توقيت بالغ الحساسية؟

بين تعدد الموردين وضيق الخيارات

أوروبا تمتلك أكثر من مورد للغاز نعم، لكنها لا تمتلك بالضرورة بديلًا فوريًا لكل متر مكعب تفقده في ذروة الأزمة.

وبين وفرة الخيارات على الورق وحدود التعويض على أرض الواقع، تتحدد القيمة الاستراتيجية للغاز الجزائري؛ ليس باعتباره المصدر الذي لا غنى عنه، بل أحد المصادر التي يصبح الحفاظ على استقرارها أكثر أهمية عندما تضيق الخيارات الأخرى.

شارك المقال
الكاتب(ة)
Ahlam Mebdoua أحلام مبدوعة
طالع مقالاتي

صحفية جزائرية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

إفريقيا
شارك المقال

مالي تسلّم روسيا مفاتيح بياناتها المنجمية

مالي تسلّم روسيا مفاتيح بياناتها المنجمية

بقلم حسين لنصاري

بوابة الجزائر الإخبارية : تفتح مالي فصلاً جديداً من تعاونها الاقتصادي والتقني مع روسيا، من بوابة قطاع المناجم، بعدما وقّعت باماكو اتفاقين مع شركة «زاروبيججيولوجيا»، التابعة للمجموعة الحكومية الروسية «روسجيولوجيا»، لإنجاز خرائط جيولوجية رقمية وإنشاء نظام وطني للمعلومات المنجمية، في مشروع استراتيجي يطرح تساؤلات بشأن كلفته المالية، وضمانات السيادة على البيانات، ومدى قدرة الشريك الروسي على تقديم قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المالي.

وجرى توقيع الاتفاقين يوم 28 أكتوبر في موسكو، على هامش القمة الروسية الإفريقية الثالثة، من طرف وزير المناجم المالي أمادو كيتا، حيث ينص الاتفاق الأول على إنجاز خرائط جيولوجية بمقياس 1/200 ألف خلال 24 شهراً، تشمل منطقتين ذات أولوية تمتدان على أكثر من نصف مساحة البلاد، من خلال بعثات ميدانية وتحليل صور الأقمار الصناعية وتقييم الإمكانات المعدنية.أما الاتفاق الثاني، فيتعلق بإنشاء منصة رقمية وطنية تحت تسمية «إدارة باطن الأرض»، خلال ثمانية أشهر، تتولى جمع البيانات الجيولوجية والمنجمية وتحليلها، فضلاً عن متابعة التراخيص والامتيازات المنجمية.ورغم الطابع الاستراتيجي للمشروع، فإن إسناد مهمة رسم الخرائط وتطوير قاعدة البيانات المنجمية إلى شركة روسية يطرح تساؤلات حول طبيعة الشراكة وحدود نقل الخبرة والتكنولوجيا، خصوصاً أن المعلومات الجيولوجية لا تمثل مجرد بيانات تقنية، بل تشكل أحد أهم مفاتيح التحكم في الثروات الطبيعية وتحديد قيمتها وشروط استغلالها.

تعاون بلا شفافية مالية معلنة

ومن أبرز نقاط الغموض المحيطة بالاتفاقين عدم الكشف عن تكلفتهما المالية، أو تفاصيل الالتزامات المتبادلة بين الطرفين، وهو ما يترك علامات استفهام بشأن حجم الأعباء التي قد تتحملها الخزينة المالية، ومدى تناسبها مع النتائج المنتظرة.كما تبرز مسألة أكثر حساسية تتعلق بمكان تخزين البيانات الجيولوجية، والجهة التي ستتولى إدارتها، وضمانات احتفاظ الدولة المالية بالسيطرة الكاملة عليها، خاصة أن المشروع يستهدف إنشاء قاعدة بيانات مركزية تشمل معلومات واسعة عن الثروات المعدنية ومناطق الاستغلال والتراخيص.

تجربة سابقة تعيد طرح علامات الاستفهام

وتأتي هذه الخطوة بعد تعثر مشروع سابق ممول من البنك الدولي سنة 2019 بقيمة 40 مليون دولار، خُصص منها 19 مليون دولار لأعمال المسح الجيولوجي والجوي في غرب وجنوب البلاد.وبسبب الاضطرابات الأمنية والانقلابات العسكرية خلال عامي 2020 و2021، والعقوبات التي شهدتها البلاد سنة 2022، إضافة إلى تداعيات جائحة كورونا، تعطل تنفيذ المشروع، قبل إلغاء نحو 15 مليون دولار في مايو 2023. ولم يتجاوز ما أُنجز 81 خريطة من أصل 110 خرائط كانت مبرمجة، وفق التقرير النهائي الصادر في يونيو 2025.وتضع هذه التجربة المشروع الروسي الجديد أمام اختبار التنفيذ الفعلي، بعيداً عن الإعلانات السياسية والوعود المرتبطة بتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين باماكو وموسكو.

الثروات المالية بين الحاجة إلى الخبرة ومخاطر الارتهان الخارجي

وبينما تسعى مالي، باعتبارها من أبرز منتجي الذهب في منطقة غرب إفريقيا، إلى تعزيز حضورها في سوق المعادن، خصوصاً مع دخولها مجال الليثيوم عبر مشروع غولامينا، فإن استعادة السيطرة على بياناتها الجيولوجية تظل خطوة ضرورية لتحسين إدارة الموارد واستقطاب الاستثمارات.غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الحصول على خرائط رقمية ومنصات معلوماتية حديثة، بل في ضمان امتلاك الدولة للمعرفة والتكنولوجيا والقدرات البشرية اللازمة لإدارتها بصورة مستقلة، حتى لا يتحول التعاون التقني إلى شكل جديد من الاعتماد الخارجي في قطاع يمثل ركيزة أساسية لاقتصاد البلاد.وفي ظل غياب التفاصيل المالية والتوضيحات الكافية بشأن سيادة مالي على البيانات التي سينتجها المشروع، يبقى السؤال المطروح: هل ستنجح باماكو في توظيف الشراكة الروسية لبناء استقلالها المنجمي، أم أنها بصدد نقل جانب حساس من إدارة ثرواتها إلى شريك خارجي جديد؟

#روسيا،
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

مقالات الرأي
شارك المقال

غينيا تطرد منقبين ماليين غير شرعيين عن الذهب.. وباماكو تستعد لاستقبال العائدين

غينيا تطرد منقبين ماليين غير شرعيين عن الذهب.. وباماكو تستعد لاستقبال العائدين

بقلم حسين لنصاري

بوابة الجزائر الإخبارية : أعلنت السلطات المالية حالة التعبئة لمواجهة تدفق أعداد كبيرة من الأشخاص عبر الحدود مع غينيا، عقب الإجراءات التي باشرتها السلطات الغينية لطرد المنقبين غير الشرعيين عن الذهب، في إطار حملتها الرامية إلى وضع حد لأنشطة التعدين التقليدي والعشوائي وغير القانوني فوق أراضيها.

وأفاد البيان رقم 2026-05، الصادر عن اللجنة الوزارية المشتركة لإدارة الأزمات والكوارث في مالي، بأن مركز تنسيق وإدارة الأزمات (CECOGEC) سجّل تدفقاً كبيراً لأشخاص من جنسيات مختلفة نحو الأراضي المالية، قادمين من الحدود الغينية وفي اتجاه العاصمة باماكو.

غينيا تطرد منقبين ماليين غير شرعيين عن الذهب.. وباماكو تستعد لاستقبال العائدين

وتأتي هذه التحركات عقب التدابير التي اتخذتها كوناكري لمكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب، والتي شملت المنقبين الأجانب، ومن بينهم مواطنون ماليون كانوا ينشطون في مواقع التعدين التقليدي داخل الأراضي الغينية.

وأكدت السلطات المالية اتخاذ التدابير اللازمة لضمان استقبال الوافدين في ظروف مناسبة، وتأمين نقلهم إلى بلدانهم الأصلية، بالتوازي مع تعبئة المصالح الأمنية والجهات المختصة لتسيير الوضعية وتقديم المساعدات الضرورية.

كما دعت السلطات السكان إلى التحلي بالهدوء وروح المسؤولية، والتعاون مع القوات المسلحة وقوات الأمن لتسهيل التعامل مع تدفقات الوافدين عبر الحدود.

وتسلط هذه التطورات الضوء على التداعيات العابرة للحدود للإجراءات التي تتخذها غينيا لتنظيم قطاع التعدين ومكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب، وما تفرضه من تحديات إنسانية وأمنية على الدول المجاورة، وفي مقدمتها مالي.

#باماكو،
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

مقالات الرأي
شارك المقال

انسحاب المينورسو…أمريكا تبيع ما لا تملك

انسحاب المينورسو…أمريكا تبيع ما لا تملك

مقال رأي بقلم الكاتب والإعلامي الجزائري إسماعيل مليلي

بوابة الجزائر الإخبارية : لفهم ما حدث في ليلة 31 أكتوبر، لا بد من العودة إلى الجذور الصراع في الصحراء الغربية؛ فالأزمة لم تبدأ بإنشاء المينورسو عام 1991، بل تمتد جذورها إلى ما قبل ذلك بعقود، ففي 6 نوفمبر 1975، خرج المغاربة في المسيرة الخضراء استجابة لقرار محكمة العدل الدولية، التي أكدت حق السكان الأصليين في تقرير المصير، دون أن تنفي روابط الولاء التاريخية مع المغرب، وفي نهاية الشهر، وقّعت إسبانيا والمغرب وموريتانيا اتفاقيات مدريد، التي قسمت الإقليم إلى جزء شمالي استولى عليه المغرب، وجنوبي كان من نصيب موريتانيا، دون أن يمنح أحد طرفي النزاع، جبهة البوليساريو، أي نصيب في هذه التركة، اندلعت على إثرها الحرب فورا.

وفي عام 1979، انسحبت موريتانيا، فسيطر المغرب على كامل الإقليم، وبدأ ببناء الجدران الرملية التي فصلت بين المناطق المأهولة، والمناطق الصحراوية النائية، استمرت الحرب أكثر من عقد، حتى توصل الطرفان عام 1988 إلى قبول خطة التسوية الأممية التي نصت على وقف إطلاق النار، تبعه استفتاء يخيّر السكان بين الاستقلال والاندماج، وفي أبريل 1991، أصدر مجلس الأمن القرار 690 بإنشاء بعثة المينورسو، ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في السادس من سبتمبر من العام نفسه، بدت الخطة وكأنها بداية النهاية، لكن سرعان ما اتضح أن العقبة ليست في وقف إطلاق النار، بل في تحديد من يحق له التصويت، فقد ركّزت جبهة البوليساريو على معايير التعداد السكاني التي تركتها الإدارة الإسبانية، بينما وسّع المغرب دائرة الناخبين لتشمل من استوطنوا الإقليم على مدار العقود، الأمر الذي جمد كل الجهود، مرّت خمسة عشر عاما من التمديد السنوي المتكرر دون تقدم فعلي، وتحولت المينورسو إلى شاهد صامت، ظلت البعثة تراقب وقف إطلاق النار بدقة، لكنها عجزت عن تنفيذ المهمة التي أُنشئت من أجلها، وفي ربيع 2007، قدّم المغرب رسميا مقترح الحكم الذاتي، الذي يمنح الإقليم صلاحيات واسعة في إطار السيادة المغربية، واعتبره الحل الواقعي الوحيد، رفضت جبهة البوليساريو الطرح، باعتباره خروجا عن خطة التسوية، وبدأت منذ ذلك الوقت لغة قرارات مجلس الأمن تتغير تدريجيا، توقف الحديث عن الاستفتاء كأمر عاجل لإنهاء الخلاف، وبدأت الإشارة إلى مقترح الحكم الذاتي بوصفه جادا، وذي مصداقية، تحول بطيء لم يُعلن عنه صراحة، لكنه غيّر مرجعية العملية برمتها. وفي نوفمبر 2020، انهار اتفاق وقف إطلاق النار في منطقة الكركرات الحدودية؛ أعلنت جبهة البوليساريو استئناف الكفاح المسلح، ورد المغرب بعمليات عسكرية مماثلة، انتهت بذلك ثلاثة عقود من الهدنة الهشة، وجاء الدعم الأمريكي في ديسمبر 2020، حين اعترف دونالد ترامب بسيادة المغرب الكاملة على الصحراء مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لم يكن القرار ملزما قانونا، لكنه أعطى دفعة قوية لسياسة فرض الأمر الواقع، وفي أكتوبر 2025، صدر القرار 2792، الذي أعاد صياغة المرجعية السياسية للملف، ركّز على الحكم الذاتي دون أن يلغي صراحة حق تقرير المصير، كانت تلك هي الجولة الأخيرة قبل الاصطدام الكبير أمام جولات المفاوضات التي قادها المبعوث الأممي أنطونيو غوتيريش، ثم ستيفان دي ميستورا في النصف الأول من العام، لم تُثمر عن أي اتفاق على أرض الواقع، لم يلتقِ الطرفان على أرض مشتركة، وإنما ابتعدا أكثر فأكثر، ثم جاءت جلسة 30 أكتوبر التي وضعت النقاط على الحروف، لا توافق، لا تمديد، ولا عودة إلى الوراء. في تمام منتصف ليلة الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، انطفأت الأضواء التي ظلت تُشعلها بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المينورسو، على مدار خمس وثلاثين عاما، لم يكن ذلك مجرد انتهاء ولاية روتينية تُمدد كل عام بقرار رمزي، بل كان فصلا تاريخيا يُغلق بابا ظل مفتوحا على توتر لم يهدأ منذ نهاية الحرب الباردة.فشل مجلس الأمن الدولي في التوصل إلى توافق لتمديد عمل البعثة، و هو مشروع أمريكي جاء به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سعى من خلاله لقلب المعادلة بفرض خيار الحكم الذاتي كمرجعية وحيدة، أوقفته روسيا والصين بفيتو؛ وطالبتا بتميد تقليدي لبعثة المينورسو، فلم ينل سوى ثلاث أصوات، رحلت المينورسو دون اتفاق أو بديل يخلفها، تاركة وراءها فراغا لا أحد يعرف كيف سيُملأ. لم يكن رحيل البعثة نتيجة مؤامرة من طرف واحد، بل كان تتويجا لتقاطع ثلاث إرادات استراتيجية، اجتمعت في لحظة واحدة لتنتهي عندها ولاية أطول بعثة أممية في التاريخ الحديث، بدأت القصة قبل أشهر، حين أعدّت واشنطن (المهندس الخفي للاغتيال)، مشروع قرار لم يكن مجرد تمديد، بل إعادة كتابة كاملة لولاية البعثة، حيث تم تغيير الاسم من بعثة الاستفتاء، إلى بعثة الدعم السياسي، وحذف الإشارات الصريحة إلى استفتاء تقرير المصير، وجعل خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب عام 2007، هي الأساس الوحيد للحل السياسي، استخدمت روسيا والصين حق النقض ضد المشروع، فامتنعت الولايات المتحدة للمرة الأولى في تاريخ الملف عن الموافقة على أي تمديد مؤقت بالصيغة القديمة، وبعبارة صريحة، فضلت واشنطن رحيل البعثة على بقائها بصلاحيات لا تخدم رؤيتها للحل، كان قرارا محسوبا يقضي بتحويل الملف من مسار تقرير المصير، إلى مسار فرض الأمر الواقع، ولم يكن الموقف الروسي مجرد رد فعل عابر، فقد قدمت موسكو مشروعها الخاص بتمديد الولاية لعام كامل دون أي تعديل، متوقعة أن تُجبر الدول الغربية على التفاوض، لكن النتيجة لم تكن حسب توقعاتها؛ فقد صوتت الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وأكثر من نصف أعضاء المجلس ضده، هكذا مارست روسيا الفيتو المزدوج، منعت من خلاله الحل الذي يميل لصالح المغرب، وفشلت في الحفاظ على الوضع القائم، ووراء هذا الموقف تكمن حسابات أوسع، رغبة موسكو وبكين في إظهار عدم انفراد واشنطن بملفات العالم، ومحاولة لعب دور الوسيط المتوازن، ووقوفهما ضمنيا مع التوجه التاريخي للجزائر في الحث على استفتاء تقرير المصير.

ظلت الرباط لسنوات عديدة تضغط لتعديل صلاحيات المينورسو دون أن تطالب برحيلها، لكن التحول جاء تدريجيا مع تزايد الاعتراف الدولي بخطة الحكم الذاتي، وأصبح وجود البعثة رمزيا أكثر منها أداة ضغط، أصدرت الخارجية المغربية بيانا وصفت فيه رحيل البعثة بأنه نهاية لمرحلة التدويل التي طال أمدها، وأكدت المضي قدما في تطبيق نموذج الحكم الذاتي، تأمل الرباط أن تكون المرحلة القادمة في تاريخ علاقتها بالصحراء الغربية لا تعتمد على وصاية خارجية، بينما لن تتخلى جبهة البوليساريو عن حقها في تقرير المصير، مايجعل الحل السلمي قد يكون أكثر تعقيدا. إن غياب بعثة المينورسو لا يعني بأي حال نهاية الأزمة، بل هو بداية طريق مسدود يحمل عدة مخاطر، نستعرض هنا أربعة سيناريوهات مرتقبة في المنطقة:

السيناريو الأول: الهدنة دون جهة ضامنةلا حرب شاملة ولا حل نهائي، يبقى الموقف كما هو، المغرب يُعزز وجوده الميداني، والبوليساريو يحتفظ بقواته في المناطق النائية ومخيمات تندوف، وتستمر التصريحات الحادة دون تحولها إلى عمليات كبرى، ينقل الملف تدريجيا من مجلس الأمن حيث يتحكم الفيتو، إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث لا دولة تستطيع منع إصدار القرارات، وهنا تستمر التأكيدات الدولية على حق تقرير المصير، لكن دون أي آلية تنفيذية ميدانية واضحة، ثم يصبح الوضع مجمدا لعقود، تتآكل خلاله الشرعية الدولية القديمة، دون أن تُستبدل بشرعية جديدة، وتتحول قضية الصحراء الغربية إلى نزاع طويل الأمد، يشبه نزاعات أخرى لم تجد طريقها إلى الحل بعد.

السيناريو الثاني : العودة إلى المواجهة المسلحةفي غضون أيام من رحيل البعثة، أعلنت جبهة البوليساريو استئناف العمليات العسكرية وقصفت مواقع للجيش المغربي، وفي ظل غياب مراقب محايد، قد يؤدي أي خطأ ميداني أو رد فعل مبالغ فيه إلى انزلاق القوات العسكرية في مواجهة مفتوحة، وهنا تكمن الخطورة، فإذا امتدت العمليات إلى مناطق الإمداد داخل الأراضي الجزائرية، أو تعرضت مخيمات اللاجئين للقصف، قد لا تبقى الجزائر على الحياد، و يتحول الصراع من نزاع محلي إلى نزاع إقليمي يغير معادلات الأمن في شمال إفريقيا بأكملها، وقد تفتح بابا للتدخلات الخارجية بكل ما تحمله الكلمة من انقسامات.

السيناريو الثالث: فرض الأمر الواقع وتثبيت الحكم الذاتييمضي المغرب في تطبيق نموذج الحكم الذاتي من جانب واحد، يوسّع نطاق الخدمات والاستثمارات، ويستقطب مزيدا من الاعترافات الدبلوماسية، ويُعزز الروابط الاقتصادية مع الدول المؤيدة لقراره، يتلاشى ملف الاستفتاء تدريجيا من الأجندة الدولية، ليصبح مجرد حدث قديم في تاريخ المنطقة، وفي البيانات السياسية وكتب التاريخ، لكن لأنه لا يوجد اعتراف دولي شامل بالسيادة الكاملة للمغرب على الصحراء الغربية حتى الآن؛ ولأن الجمعية العامة للأمم المتحدة ما زالت تؤكد على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بغالبية واسعة، كما أن الجزائر والبوليساريو لن تقبلا بهذا المسار، وستعملان على عرقلة أي تقدم دبلوماسي في هذا الاتجاه، مايجعل هذا السيناريو محدود على المدى القصير، لكنه قد يكتسب وزنا مع مرور الوقت، إذا استمر تآكل الاهتمام الدولي بالملف.

السيناريو الرابع: وساطة جديدة وتسوية إقليميةقد يظهر طرف ثالث، إما دولة عربية أو إفريقية أو تكتل دولي محايد، يقود مسارا تفاوضيا جديدا يربط بين تسوية الملف، واستقرار المنطقة بأكملها، لكن قد يُشترط أولا تطبيع العلاقات بين الجزائر والمغرب، فلا حل ممكن في المنطقة دون توافق بين البلدين، قد يتضمن الحل ترتيبات أمنية مشتركة، فالجزائر حريصة ألا تطبع علاقاتها مع أي كيانات مشبهوهة، على رأسها إسرائيل والإمارات، واشتراط عدم استقطاب أي قوى أمنية أجنبية للمنطقة، هذا السيناريو منخفض الحدوث في الوقت الحالي، حيث لا طرف يبدو مستعدا لتقديم تنازلات جوهرية، لكن قد يبرز هذا السيناريو كخيار تفضيلي إذا اشتدت وطأة التوتر، وتعذر استمرار الوضع القائم.

انتهى إذا عهد المينورسو بكل ما يمثله، عهد الوعد بالاستفتاء، وعهد المراقبة المحايدة، وعهد إدارة النزاع من دون حرب ومن دون سلام، لم يكن رحيلها نتيجة لانتصار طرف على آخر، بقدر ما كان نتيجة مصالح دول كبرى في المنطقة، والواضح الآن أن لا عودة إلى الوراء، فالمسار الذي ألفه العالم طوال خمس وثلاثين عاما قد أُغلق، وما سيأتي لن يُكتب في قاعات مجلس الأمن فقط، بل في الميدان، وفي العواصم الإقليمية، وفي انتفاضات الشعوب التي عانت طويلا من هذه التجاوزات، فبين خيار العودة إلى السلاح، وخيار التفاوض من جديد، تظل الكلمة الأخيرة رهينة للوقت، فالفراغ الحالي لن يكون أبديا، وانتصار المغرب في هذه المعركة -إن حدث-، قد يجر المنطقة إلى توتر غير مسبوق.

#أمريكا ،#المينوسور،
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

الشريط الرئيسي
شارك المقال

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)

مقال رأي بقلم: محمد قنديل مدوّن، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل

بوابة الجزائر الإخبارية: لم يكن بلاغ الديوان الملكي المخزني الصادر عقب زلزال الفيتو الروسي بمجلس الأمن مجرد بيان بروتوكولي لتدبير تداعيات إنتكاسة دبلوماسية، بل وثيقة إرتباك سياسي وإعتراف غير مباشر بإفلاس الرهانات التي ظل القصر يراهن عليها لعقود. فبعدما إقتاتت المنظومة المخزنية على أوهام ( الشرعية الدولية )، وحاولت توظيف قرارات مجلس الأمن المتعاقبة لتكريس إحتلال الصحراء الغربية، وجدت نفسها أمام واقع دبلوماسي مغاير تماماً لحساباتها.

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)
محمد قنديل مدوّن، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل

الفيتو الروسي أسقط المشروع الأمريكي الرامي إلى تجاوز خيار الإستفتاء وتكريس الأمر الواقع، لكن أبواق البلاط سارعت إلى ممارسة هوايتها المعتادة.. تحويل الهزيمة إلى إنتصار، والإنتكاسة إلى ( إنجاز تاريخي )، وإلباس العجز ثوب السيادة عبر إعلان ( عيد الوحدة ).
إنها بهلوانية سياسية مكشوفة، يحاول من خلالها القصر ومخزنه تسويق فشل واشنطن في تمرير مشروعها بإعتباره إنتصاراً مغربياً، وإيهام الداخل بأن مجرد تعثر المسار الأممي يعني حسم النزاع لصالح الإحتلال، والحقيقة أن الدعاية المخزنية لا تستطيع تغيير موازين القانون الدولي، ولا محو حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)

لقد سقط القناع عن منظومة جعلت من قضية الصحراء الغربية أداة لتخدير المغاربة وإبتزازهم سياسياً وإقتصادياً، وحوّلت شعار ( الوحدة الترابية ) إلى مظلة لتبرير الإستبداد ونهب الثروات وإسكات الأصوات المعارضة.

لأكثر من نصف قرن، أستُنزفت مقدرات البلاد، ودُفعت الأجيال إلى تحمل كلفة صراع لم يكن للشعب المغربي قرار مستقل في تدبيره، بينما ظل القصر يحتكر القرار والثروة والسلطة… واليوم، وبعد إنكشاف هشاشة رهاناته الدبلوماسية، يبدو المخزن مستعداً لإعادة إنتاج المغامرة نفسها، ولو كان الثمن مزيداً من الفقر والتهميش والعسكرة، ومزيداً من الزج بالشعب في صراعات مفتوحة… فالنظام الذي يعجز عن بناء دولة المواطنة والعدالة والكرامة، لا يجد ما يقدمه سوى تعبئة وطنية مصطنعة، وأعداء خارجيين يختلقهم لتغطية عجزه الداخلي.

والأخطر من ذلك أن إرتهان القرار المغربي للتحالف الصهيوني، تحت غطاء التطبيع والشراكة الأمنية والعسكرية ( الحماية )، قد فتح الباب أمام إختراق عميق لمؤسسات الدولة ومفاصلها الإستراتيجية، فالتطبيع الذي سوّقه القصر بإعتباره مكسباً دبلوماسياً لم يكن مجرد تبادل علاقات ومصالح، بل أصبح مدخلاً لتوسيع النفوذ الأمني والعسكري والسياسي الإسرائيلي داخل المغرب، وفي ظل هذا الإرتهان، تتجاوز المخاطر حدود النزاع الصحراوي لتطال إستقلال القرار الوطني ووحدة النسيج الإجتماعي ومستقبل الدولة نفسها.

إن تحويل المغرب إلى قاعدة صهيونية متقدمة لخدمة حسابات إقليمية ودولية لا علاقة لها بمصالح الشعب يضع البلاد أمام مخاطر إستراتيجية حقيقية، ويجعل من حماية العرش أولوية تتقدم على حماية الوطن والمواطنين.

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)

فالمفارقة الفاضحة أن النظام الذي يرفع شعار الوحدة يمعن في تعميق عوامل الإنقسام والتبعية، ويضع مستقبل البلاد رهينة تحالفات لا يملك الشعب المغربي حق مساءلتها أو تقرير مصيرها.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن الدور الإماراتي الذي تحول إلى رافعة مالية وسياسية وعسكرية لمحاور إقليمية تتقاطع مصالحها مع المشروع الصهيوني، فالعلاقة بين أبوظبي والرباط لم تعد مجرد تعاون تقليدي بين كيانين، بل أصبحت جزءاً من شبكة تحالفات تتداخل فيها المصالح الأمنية والعسكرية والإقتصادية، والتبعية العمياء للمشروع الصهيوني، حيث تُستخدم فيها الأموال والنفوذ لتثبيت أنظمة الإستبداد وتوسيع مجال الهيمنة.

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)

والمأساة أن المواطن المغربي يُطلب منه دفع فاتورة هذه السياسات من قوته ومستقبله، بينما تُنفق الموارد على سباق التسلح وتضخيم النفوذ الخارجي وصناعة إنتصارات إعلامية لا وجود لها إلا في بلاغات القصر وأبواق المخزن.

إن المغرب ليس ملكية خاصة للعرش، ولا خزينة مفتوحة لتمويل مغامرات المحاور، ولا ساحة خلفية لتصفية حسابات القوى الإقليمية.

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)

أما الإدعاء بأن تعثر مجلس الأمن أو إنتهاء تفويض بعثة المينورسو يمكن أن يضع حداً للملف دولياً، فهو تضليل سياسي وقانوني لا يصمد أمام أبسط قواعد القانون الدولي، فبعثة المينورسو أُنشئت في سياق خطة التسوية الأممية المرتبطة بتنظيم الإستفتاء، وإستمرار النزاع أو تعثر آليات التسوية لا يلغي الصفة الدولية للإقليم، ولا يحوّل الإحتلال إلى سيادة معترف بها، ولا يسقط حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، كما أن أي تغيير في وضع البعثة أو طبيعة تفويضها لا يمنح الرباط تفويضاً بالتصرف في مستقبل الإقليم من جانب واحد، وهنا تتجلى المفارقة الكبرى.. الكيان الذي ظل يتشبث بالمظلة الأممية حين تخدم مصالحه، يريد اليوم التنصل من مرجعيتها حين تعجز عن فرض أجندته، إنه إنتقاء إنتهازي للشرعية الدولية، لا إيمان بالقانون ولا إحترام لقرارات المؤسسات الأممية.

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)

ومن هنا، فإن الإحتفال بما يسمى ( عيد الوحدة ) عقب هذه الإنتكاسة ليس سوى محاولة بائسة لستر عورة الفشل السياسي، وتخدير الرأي العام بشعارات لا تسندها الوقائع، فكيف يتحدث القصر عن إنتصار تاريخي بعدما عجز حليفه الأمريكي عن تمرير مشروعه؟ وكيف يحوّل تعثر المسار الأممي إلى شهادة سيادة، بينما يظل النزاع قائماً وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير معترفاً به دولياً؟ وأي منطق هذا الذي يعتبر غياب المينورسو أو تقليص دورها مكسباً، بعدما ظل النظام يوظف وجودها لعقود في إدارة النزاع وتجميد إنفجاراته؟

لقد تحول بلاغ الديوان الملكي إلى صك إفلاس سياسي لمنظومة لا تجيد سوى صناعة الأوهام وتصدير الأزمات، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في سقوط رهان دبلوماسي بعينه، بل في إصرار القصر على مواصلة النهج ذاته.. إستنزاف المغرب، وإرتهان قراره، وتوظيف قضية الصحراء الغربية لتبرير الإستبداد، وتوسيع الإختراق الخارجي على حساب السيادة الوطنية.

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)

إن إنقاذ البلاد من هذا المسار لا يكون بتقديس العرش ولا بترديد شعاراته، بل بكسر إحتكار السلطة والثروة، وإسقاط منظومة الإستبداد المخزنية، وإستعادة القرار الوطني من قبضة التحالفات المشبوهة، وقطع الطريق أمام تحويل المغرب إلى أداة في مشاريع الهيمنة الصهيونية والإقليمية.

كما أن السلام الحقيقي في المنطقة لن يُبنى على الإحتلال ولا على الإنكار ولا على فرض الأمر الواقع، بل بالإعتراف الصريح بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وفتح الطريق أمام حل عادل يضع حداً لعقود من الصراع والإستنزاف، أما بهلوانية البلاط، مهما علت أصواتها، فلن تحول الهزيمة إلى نصر، ولن تمنح الإحتلال شرعية لا يملكها.

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)

ختاما؛ وفي ظل الوضع الإجتماعي والحقوقي والإقتصادي الكارثي الذي يرزح تحته الشعب المغربي، حيث تتفاقم معدلات الفقر والبطالة، وتتآكل القدرة الشرائية بفعل الغلاء وتفشي الريع وخصخصة المقدرات الوطنية، لم يعد المواطن البسيط يجد في سياسات المخزن سوى مزيد من الإفقار والتهميش وإنسداد الأفق. فالمنظومة التي حكمت بالحديد والنار، وجعلت من المقاربة الأمنية وسيلة لتكميم الأفواه وإعتقال الأصوات الحرة وملاحقة النشطاء، أثبتت عجزها عن تقديم أي مشروع تنموي حقيقي، وانكشفت صبيانيتها السياسية والدبلوماسية أمام وعي شعبي لم تعد تنطلي عليه مسرحيات البلاط وأوهام إنتصاراته الوهمية.

قد يبدو الصمت مخيماً على الشارع المغربي تحت وطأة القمع والترهيب، لكنه لا يعني القبول بالأمر الواقع، ولا إستعداد المغاربة لمواصلة التضحية بقوت أبنائهم ومستقبل أجيالهم من أجل ضمان بقاء عرش مستبد وشبكة من المستفيدين من ريع السلطة والحرب والأزمات.

إفلاس المخزن.. وبهلوانية الإنتصار! (مقال رأي)

لقد أستُنزفت ثروات البلاد لأزيد من نصف قرن تحت ذريعة ( القضية الوطنية )، وتآكلت قدرة هذا الخطاب على تعبئة الجماهير، بعدما باتت قطاعات واسعة من الشعب تربط بين إستمرار السياسات التوسعية في الصحراء الغربية وبين إستمرار الفقر والقمع ومصادرة الحريات داخل المغرب، وما الغليان الإجتماعي والإحتجاجات القطاعية المتصاعدة إلا مؤشرات على عمق الأزمة وإنسداد منافذ الإصلاح الحقيقي.

لن يظل المغاربة إلى الأبد وقوداً لمغامرات عصابة تضع بقاءها فوق مصالح الوطن، وترهن القرار الوطني للتحالفات الخارجية والمخططات الصهيونية.

فمهما طال زمن القبضة الأمنية، لن يكون القمع بديلاً عن الشرعية، ولا الترهيب ضمانة أبدية لإستمرار الإستبداد؛ وستأتي لحظة يستعيد فيها الشعب المغربي حقه في الحرية والكرامة والسيادة على ثرواته ومقدراته، ويضع حداً لعهد إحتكار السلطة ونهب الوطن.

#الصحراء الغربية#المغرب
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
مقالات الرأي
شارك المقال

التعديلات التشريعية في السودان بين مقتضيات الأمن وإعادة بناء الدولة: هل تكفي القوانين لحماية السيادة والموارد؟

التعديلات التشريعية في السودان بين مقتضيات الأمن وإعادة بناء الدولة: هل تكفي القوانين لحماية السيادة والموارد؟

مقال بقلم: د. إبراهيم مطر – خبير الشؤون الأمنية والعلاقات الدولية ورئيس منظمة الوحده والسلام للتنمية مكتب فرنسا

بوابة الجزائر الإخبارية : يمثل صدور المرسوم المؤقت رقم (7) لسنة 2026، المتعلق بالتعديلات المتنوعة على عدد من القوانين السودانية، تطوراً يستحق قراءة متأنية تتجاوز العناوين الإخبارية إلى تحليل أبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية والقانونية. فالتعديلات التي شملت ستة قوانين، من بينها قانون الثروة النفطية والقانون الجنائي وقوانين وزارة العدل والنيابة العامة والشركات وتفسير القوانين، تطرح أسئلة جوهرية بشأن طبيعة الدولة التي يجري العمل على إعادة تشكيلها في ظل الحرب، وحدود التوازن بين متطلبات الأمن القومي ومبادئ الحكم الرشيد وسيادة القانون.

إن أهمية هذه الخطوة لا تنبع من عدد القوانين التي شملتها فحسب، بل من طبيعة الملفات التي تتناولها؛ إذ تتصل بإدارة الموارد الاستراتيجية، ومكافحة التهريب، وتنظيم المسؤولية الجنائية، وضبط إصدار اللوائح، وتحديد العلاقة بين السلطات التنفيذية والمؤسسات القانونية. وهي ملفات تمس مباشرة قدرة الدولة السودانية على استعادة مؤسساتها وحماية مقدراتها والحفاظ على تماسكها في مرحلة شديدة التعقيد.

أولاً: النفط والسيادة الاقتصادية

تأتي إعادة تنظيم المؤسسة السودانية للنفط في مقدمة التعديلات ذات الدلالة الاستراتيجية، نظراً إلى الموقع الذي يحتله قطاع الطاقة في معادلة الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية. فالنفط ليس مجرد سلعة تجارية أو مصدر للإيرادات، بل يرتبط بأمن الإمدادات، وتمويل الخدمات العامة، واستقرار الاقتصاد، والقدرة على إدارة العلاقات الإقليمية والدولية.ومن هذه الزاوية، فإن إعادة تنظيم المؤسسة وتشكيل مجلس إدارتها بمشاركة مستويات سيادية ووزارية وأمنية وخبرات متخصصة قد يعكسان توجهاً نحو تعزيز التنسيق المركزي في إدارة هذا القطاع الحيوي، وتطوير قدرته على مواجهة التحديات التي فرضتها الحرب.

غير أن نجاح هذا التوجه لن يُقاس بمجرد تغيير الهياكل والمسميات، بل بمدى قدرته على تحقيق نتائج ملموسة، تشمل رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين إدارة الإيرادات، ومكافحة الفساد والتهريب، وتعزيز الشفافية في العقود والاستثمارات، وضمان توجيه عائدات الموارد لخدمة المواطنين.كما أن ربط إدارة قطاع اقتصادي استراتيجي بمستويات سيادية عليا يستدعي تطوير آليات رقابة مالية وفنية مستقلة وفعالة، حتى لا تتحول مركزية القرار إلى مصدر جديد للتعقيد الإداري أو تضارب الاختصاصات. فالدولة القوية ليست تلك التي تجمع السلطات في مركز واحد فحسب، وإنما التي تستطيع إخضاع استخدام السلطة والمال العام لقواعد واضحة للمساءلة.

ثانياً: مكافحة التهريب وحماية القوات النظامية

تكتسب التعديلات المرتبطة بمكافحة التهريب أهمية خاصة في ظل الحرب السودانية، وما تفرضه من تحديات على مراقبة الحدود وحماية الموارد وملاحقة الشبكات التي تستغل ضعف المؤسسات واضطراب الأوضاع الأمنية.

ومن حيث المبدأ، فإن توفير الحماية القانونية للقوات النظامية المكلفة بمكافحة التهريب يمكن أن يسهم في تمكينها من أداء مهامها، خصوصاً عندما تواجه جماعات مسلحة وشبكات منظمة تعمل على استنزاف الاقتصاد الوطني.لكن هذه الحماية ينبغي أن تُفهم في إطار أداء الواجب القانوني، لا باعتبارها حصانة مطلقة من المساءلة. فالتشريعات التي تمنح سلطات تنفيذية أو أمنية صلاحيات واسعة تحتاج إلى معايير دقيقة تحدد نطاق استخدامها، وتضمن التناسب بين القوة المستخدمة وطبيعة التهديد، وتتيح التحقيق المستقل في أي ادعاءات تتعلق بالتجاوزات.

إن حماية القوات النظامية وحماية المواطنين ليستا هدفين متعارضين؛ بل إن وضوح القانون وعدالة تطبيقه يعززان شرعية المؤسسات وثقة المجتمع بها. ولا يمكن بناء أمن مستدام على الخوف وحده، وإنما على المهنية والانضباط والمساءلة المتساوية أمام القانون.

ثالثاً: النشر الإلكتروني والأمن القومي وحدود حرية التعبير

تثير التعديلات التي أدخلت النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية ضمن نطاق المادة (50) من القانون الجنائي، المتعلقة بتقويض النظام الدستوري، نقاشاً بالغ الأهمية حول العلاقة بين الأمن القومي وحرية التعبير.لا خلاف على حق الدولة في مواجهة التحريض على العنف، والتخطيط للأعمال التخريبية، والتنسيق مع الجماعات المسلحة، ونشر المعلومات بقصد ارتكاب جرائم تهدد أمن البلاد. كما أن الفضاء الإلكتروني أصبح ساحة مؤثرة في الصراعات الحديثة، ويمكن أن يُستغل في التجنيد والتضليل والتحريض وإدارة العمليات العدائية.لكن التحدي الحقيقي يكمن في التمييز القانوني بين الفعل الإجرامي المحدد وبين التعبير السياسي أو النقد الصحفي أو تداول المعلومات، حتى عندما تكون هذه الممارسات مزعجة للسلطة أو مخالفة لروايتها الرسمية.وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بنص جنائي قد تترتب على تطبيقه عقوبات شديدة. فالتعبير عن الرأي، أو انتقاد أداء المسؤولين، أو نشر معلومات غير دقيقة دون توافر أركان الجريمة، لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى دليل على ارتكاب جريمة تمس النظام الدستوري.وعليه، فإن فعالية هذه التعديلات ستتوقف على دقة تفسير النصوص، وتوافر القصد الجنائي والأدلة المعتبرة، واستقلال القضاء، وضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة. فالأمن القومي لا يتحقق بإغلاق المجال العام، وإنما بحماية الدولة من التهديدات الحقيقية مع صيانة الحقوق التي تمنح مؤسساتها الشرعية والثقة.

رابعاً: إصلاح المؤسسات العدلية وتوحيد القواعد القانونية

إن امتداد التعديلات إلى قانون تنظيم وزارة العدل وقانون النيابة العامة وقانون تفسير القوانين والنصوص العامة يشير إلى أن الحزمة التشريعية لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تشمل أيضاً بنية الإدارة القانونية للدولة.ومن أبرز المسائل التي تستحق الاهتمام إلزام السلطات المفوضة بإيداع اللوائح والقواعد لدى وزارة العدل لمراجعتها وتدقيقها قبل التوقيع عليها، والحصول على شهادة مطابقة للقانون الأصلي. فإذا طُبّق هذا الإجراء

مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر

#افريقيا#السودان
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

الجزائر
شارك المقال

قمة روسيا… الجزائر هي الخيار الآمن! (مقال رأي)

قمة روسيا… الجزائر هي الخيار الآمن! (مقال رأي)

مقال رأي بقلم الكاتب والإعلامي الجزائري إسماعيل مليلي

بوابة الجزائر الإخبارية : اجتمعت كبرى العواصم في روسيا، بانتظار ما ستسفر عنه القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة للغاز، التي استضافتها موسكو في السابع والعشرين من أكتوبر الجاري، في ظل ظروف استثنائية لم يسبق لها مثيل في تاريخ صناعة الطاقة العالمية، تمتلك الدول المجتمعة ما نسبته سبعين بالمائة من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، في الوقت الذي ما يزال فيه مضيق هرمز مغلقا أمام حركة الملاحة، وهو الشريان الحيوي الذي تعبره خُمس صادرات الغاز المسال العالمية؛ ما أدى إلى اضطراب غير مسبوق في الأسواق العالمية، وارتفاع حاد في الأسعار، وتنافس شرس على مصادر الإمداد البديلة.

لم تكن القمة مجرد اجتماع دوري لمنتدى تأسس قبل خمس وعشرين سنة، بل كانت اختبارا حقيقيا لقدرة الدول المصدرة على التعامل مع أزمة بنيوية كبرى، أعادت رسم خريطة التجارة العالمية للطاقة، وفرضت معادلات جديدة، وكشفت في الوقت ذاته عن نقاط القوة، والضعف لدى كل دولة عضو، وفي قلب هذا المشهد، برز اسم الجزائر كواحدة من أبرز الرابحين من هذا التحول، ليس بمحض الصدفة، بل بفضل موقعها الجغرافي الفريد، وتنويع مساراتها، مما أتاح لها أن تكون عضوا بارزا في قلب المعادلة الاستراتيجية الجديدة.

كان شعار القمة “الغاز: ركيزة للتنمية المستدامة وأمن الطاقة العالمي”، بحضور رؤساء الدول والحكومات الأعضاء، إضافة إلى وفود رفيعة المستوى من الدول المراقبة، والمنظمات الإقليمية والدولية، وفي كلمته الافتتاحية، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على أن منتدى الدول المصدرة للغاز، ليس كارتلا يهدف إلى التحكم في الأسعار، بل هو منصة تعاون، تجمع الدول المنتجة والمصدرة، لضمان استقرار الأسواق، وضمان أمن الإمدادات، وتطوير صناعة الغاز العالمية لما فيه مصلحة جميع الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.

وفي إعلان موسكو الذي صدر في ختام أعمال القمة، ركز البيان على مجموعة من المبادئ العامة، أبرزها: التأكيد على أهمية ضمان أسعار عادلة ومعقولة للغاز الطبيعي، تتناسب مع تكاليف الاستثمار، والدعوة إلى تنويع مسارات وتقنيات تجارة الغاز، عالميا لتعزيز أمن الإمدادات، والتحذير من أن القيود الأحادية الجانب، والقيود السياسية المفروضة على التجارة الدولية للغاز، تشكل تهديدا مباشرا لأمن الطاقة العالمي، مع التأكيد على أن الغاز الطبيعي يظل وقودا أساسيا لا غنى عنه، في مسار تحول الطاقة العالمي، ورغم أهمية هذه المبادئ، فإن قراءة واقعية لمخرجات القمة تكشف عن فجوة واضحة بين الطموح والقدرة على التنفيذ الفعلي، فالإعلان الصادر عن موسكو، وفّر منصة موحدة للتعبير عن المخاوف المشتركة، لكنه لم يقدم آليات عملية ملزمة للتعامل مع أزمة هرمز تحديدا، والسبب ليس نقصا في الإرادة، بقدر ما هو انعكاس لتباين المصالح العميقة بين الدول الأعضاء أنفسهم، فبينما ترى إيران أن إغلاق المضيق هو رد مشروع على التهديدات التي يتعرض لها أمنها القومي، فإن قطر والإمارات تمر أكثر من نصف صادراتهما عبر هرمز، تتحملان خسائر يومية تقدر بمئات الملايين من الدولارات، ولا تملكان بدائل فورية كافية لتعويض هذا النقص، وبحسب تحليل معهد الطاقة العالمي، خرجت القمة بموقف موحد في الشأن العام، لكن كل دولة ستتعامل مع أزمة هرمز وفق حساباتها الخاصة، ومصالحها الحيوية المباشرة.

للإشارة فإن مضيق هرمز يستوعب ما يقارب 20% من إجمالي صادرات الغاز المسال العالمية، أي ما يعادل 110 مليار متر مكعب سنويا، وتستأثر قطر وحدها بأكثر من ثلث هذه التدفقات، ومنذ تعليق حركة الملاحة في المضيق في أوائل فبراير 2026، انخفضت حركة الناقلات بنسبة تزيد عن 90%، وتحولت موانئ الخليج من أكثر المناطق نشاطا في العالم، إلى مناطق شبه متوقفة، ولم تقتصر التداعيات على الدول المصدرة فحسب؛ بل امتدت لتعيد ترتيب أولويات الدول المستهلكة أيضا، فأوروبا التي كانت تعتمد بنسبة كبيرة على واردات الغاز من كل من روسيا والخليج، وجدت نفسها أمام تحدٍ مزدوج؛ أولا العقوبات المفروضة على خطوط الأنابيب الروسية، وثانيا انقطاع الإمدادات القادمة عبر هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية، بنسبة وصلت إلى 65% في غضون أسابيع، وسارعت العواصم الأوروبية إلى إعادة فتح مفاوضاتها مع موردين بدلاء، من الولايات المتحدة إلى أستراليا، مرورا بغرب إفريقيا والجزائر، وفي هذا السياق، يقول تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية في باريس: إن أزمة مضيق هرمز قد أدت إلى تسريع تحول هيكلي كان قيد الدراسة بالفعل لدى الدول المستهلكة، والمتمثل في تقليل الاعتماد على ممرات ملاحية واحدة وموردين محددين، وسيكون هذا التحول دائما، حتى بعد استعادة حركة الملاحة في المضيق لمعدلاتها الطبيعية، وهنا برزت الجزائر كواحدة من الدول القليلة التي لم تتأثر صادراتها مباشرة بإغلاق هرمز، بل على العكس تماما، فتحت أمامها أبوابا لم تكن متاحة قبل الأزمة، فصادرات الغاز الجزائرية لا تعبر أي مضيق مائي مغلق؛ تنقلها خطوط أنابيب مباشرة إلى إسبانيا وإيطاليا عبر البحر المتوسط، أو عبر موانئها على الساحل، لتصديرها كغاز مسال إلى مختلف الوجهات، وهذه الميزة الجيوسياسية والجغرافية الفريدة، جعلت من الجزائر هي الشريك الأكثر استقرارا ،والأقرب جغرافيا لأوروبا.

تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والمناجم الجزائرية، إلى أن صادرات الغاز المسال الجزائرية ارتفعت بنسبة 14% خلال شهر مارس 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وتلقت شركة سوناطراك عروضا لشراء كميات إضافية من الغاز من كل من إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا، بعضها عقود فورية وبأسعار تفضيلية، وبعضها على شكل عقود طويلة الأجل، تمتد من 10 إلى 15 عاما، وارتفعت العائدات المالية للجزائر من الغاز تجديدا، بنسبة تزيد عن 30% في الأشهر الستة الأولى من الأزمة، مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، بفضل زيادة الكميات المصدرة، وارتفاع الأسعار في آن واحد.وربما يكون أهم ما خرجت به مشاركة الجزائر في قمة موسكو هو الإعلان الرسمي عن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر، مرورا بالنيجر، من مرحلة الدراسات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، حيث انطلقت الأشغال في الجزء الجزائري بولاية أدرار في الرابع من يونيو 2026، وستبلغ قدرة الأنبوب عند اكتماله 30 مليار متر مكعب سنويا، مما سيحول الجزائر من مجرد دولة مصدرة للغاز، إلى محور عبور إقليمي للطاقة يربط افريقيا بأوروبا والعالم، ويرى محللون أن هذا المشروع هو الاستثمار الأذكى على المدى الطويل، لأنه يمنح الجزائر نفوذا استراتيجيا، يتجاوز مجرد تصدير إنتاجها الوطني.لقد أصبحت الجزائر اليوم في موقع يعزز مكانتها الاستراتيجية، بما تستطيع توفيره للعالم من احتياجات في وقت الأزمات، وقد سمح لها هذا الموقف بتعديل بنود عقودها التقليدية، فقد أصبحت الأسعار مرتبطة بمعايير سوقية أكثر مرونة، مع ضمان حدود دنيا للأسعار، تغطي تكاليف الاستثمارات المستقبلية، كما أن الأزمة قد فتحت الباب أمام محادثات مع دول لم تكن تعتمد سابقا على الغاز الجزائري، مثل المملكة المتحدة وبولندا والبرتغال، إلا أن هذه الفرص الاستثنائية لا تخلو من تحديات حقيقية قد تقف أمام تحويلها إلى مكاسب دائمة، فالطاقة الإنتاجية الحالية للجزائر لا تسمح بزيادة الصادرات بنسب كبيرة ومستمرة، دون استثمارات عاجلة في استكشاف حقول جديدة، وتطوير الحقول الحالية، والاستثمار في صناعة الغاز يتطلب وقتا يتراوح بين 4 إلى 7 سنوات، قبل دخول أي حقل جديد مرحلة الإنتاج التجاري، كما أن الاستهلاك المحلي المتزايد على الغاز بنسبة تتراوح بين 4% و5% سنويا، مدفوعا بنمو السكان، وتوسيع شبكات الكهرباء، والتحول نحو الغاز الطبيعي في قطاع النقل والصناعة، ما يعني أن كل زيادة في الإنتاج تقابلها زيادة في الاستهلاك المحلي، ما لم تُصاحب هذه الزيادة مشاريع ترشيد استهلاك طموحة، إضافة إلى ذلك تأتي تكاليف إنشاء مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء المقدرة بأكثر من 13 مليار دولار، على مسافة 4128 كيلومتر، عبر مناطق تعاني من هشاشة أمنية في منطقة الساحل، ورغم توقيع اتفاقيات أمنية بين الجزائر والنيجر لضمان حماية مسار الأنبوب، فإن المخاطر الأمنية تظل قائمة، وتتطلب تعاونا دوليا أوسع، لضمان سلامة هذا الشريان الحيوي، أما العنصر الأهم فإن مضيق هرمز لن يبقى مغلقا إلى الأبد، وعندما تعود حركة الملاحة إلى طبيعتها، ستعود أسعار الغاز إلى مستوياتها السابقة تدريجيا، وستستأنف قطر والإمارات صادراتهما بكامل طاقتهما، وهنا يكمن التحدي الأكبر؛ هل تستطيع الجزائر في غضون سنوات قليلة، أن تحول قاعدة عملائها المؤقتين إلى شركاء دائمين، عبر عقود طويلة الأمد، وبنية تحتية قادرة على تلبية الطلب المتزايد.

كانت قمة موسكو مرآة عكست عمق التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم، فمن جهة، أثبتت الأزمة أن الاعتماد على ممرات استراتيجية محددة، يحمل مخاطر وجودية لسلاسل الإمداد العالمية، ومن جهة أخرى، أتاحت للدول ذات المواقع البديلة، فرصة تاريخية لإعادة تعريف مكانتها على الخارطة الجيوسياسية للطاقة، والجزائر تقف اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر بسهولة، لقد أثبتت أنها البديل الأكثر أمانا لأوروبا، وأن مشروعها للأنبوب العابر للصحراء ليس مجرد خط أنابيب، بل هو مشروع جيوسياسي بامتياز، يربط إفريقيا بأوروبا، ويجعل من الجزائر بوابة عبور لا يمكن الاستغناء عنها، لكن هذه المكانة الجديدة تحتاج إلى ما يجعلها دائمة ومستمرة، كاستثمار العوائد الإضافية في تطوير القدرات الإنتاجية، وتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وتحديث الإطار القانوني والتنظيمي، لجعل الجزائر وجهة جاذبة للاستثمارات الدولية في قطاع الطاقة، والجزائر تملك الكثير من المقومات التي تجعلها في الريادة، على رأسها، الموارد البشرية، والبنية التحتية، وسرعة البديهة لدى صانع القرار.الفرصة إذا متاحة بقوة الآن، ولكن الباب لن يبقى مفتوحا إلى الأبد، فالدول المتضررة من مضيق هرمز، ستعود بقوة للتعافي، وتعويض خسائرها، وسيكون العقدان القادمان هما الفاصل، بين أن تصبح الجزائر واحدة من أهم محاور الطاقة في العالم، أو أن تظل مجرد مورد تقليدي، استفاد من ظرف استثنائي.

#الجزائر#قمة روسيا
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

مقالات الرأي
شارك المقال

ثورة الجزائر في مرآة الفكر العالمي.. السلاح الذي هزم الفكرة الاستعمارية

ثورة الجزائر في مرآة الفكر العالمي.. السلاح الذي هزم الفكرة الاستعمارية

مقال رأي بقلم : سارة محمد مرزوڨي

بوابة الجزائر الإخبارية : في تاريخ الأمم لحظات تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح جزءا من الوعي الإنساني. وكان أول نوفمبر 1954 واحدة من تلك اللحظات التي لم تغير مسار الجزائر وحدها، بل وضعت العالم أمام اختبار أخلاقي وسياسي عسير: كيف يمكن لقوى رفعت شعارات الحرية والتنوير أن تتمسك باستعمار شعب آخر، وتحرم ملايين البشر من أبسط حقوقهم في تقرير المصير؟لم تكن الثورة الجزائرية مجرد انتفاضة ضد سلطة أجنبية، بل كانت مواجهة مع فكرة استعمارية كاملة، أرادت إقناع العالم بأن التفوق العسكري يمنح صاحبه حق الوصاية على الآخرين. ومن هنا تجاوز صداها ميادين القتال، لتصبح قضية فكرية وأخلاقية استقطبت مفكرين من قارات مختلفة، وأعادت طرح أسئلة الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.كان فرانتز فانون، الذي عاش التجربة الجزائرية وانخرط في دعم ثورتها، من أكثر المفكرين قدرة على تفكيك البنية النفسية للاستعمار.

ففي كتابه «معذبو الأرض» لم يتوقف عند عنف المحتل، بل تناول ما يتركه الاستعمار من جراح في وعي الإنسان، مؤكدا أن التحرر الحقيقي لا يكتمل برحيل المستعمِر ما لم يستعد الإنسان ثقته بنفسه وقدرته على صناعة مستقبله.أما جان بول سارتر، فقد واجه التناقض بين القيم التي أعلنتها الجمهورية الفرنسية وممارساتها الاستعمارية، وانحاز إلى حق الجزائريين في الاستقلال. وبذلك تحولت القضية الجزائرية إلى امتحان للفلسفة نفسها: ما قيمة الحديث عن الحرية إذا لم يكن الإنسان مستعدا للدفاع عنها حين يطالب بها الآخرون؟ولم يكن الموقف الأوروبي واحدا. فقد جسد ألبير كامو تعقيدات الانتماء إلى الجزائر الفرنسية ومخاوف العنف، ودافع عن حماية المدنيين، لكنه لم يتبنَّ مشروع الاستقلال الذي دافع عنه فانون وسارتر.

وهنا تكشف الثورة أن إدانة الظلم لا تعني دائما الوصول إلى النتيجة السياسية نفسها، وأن المبادئ لا تبلغ اكتمالها إلا حين تقود إلى الاعتراف بحق الآخر في اختيار مصيره.وفي الجزائر، قدم مالك بن نبي قراءة تتجاوز لحظة التحرر السياسي إلى شروط النهضة الحضارية. فالاستعمار، في رؤيته، ليس مجرد قوة خارجية، بل قضية ترتبط أيضا بقدرة المجتمع على بناء الإنسان وإنتاج المعرفة واستعادة الفاعلية التاريخية.

ومن ثم فإن الاستقلال ليس نهاية المعركة، بل بدايتها الجديدة: معركة بناء الدولة والعقل والمؤسسات.وعلى امتداد آسيا، وجدت الثورة الجزائرية صدى في مناخ عالمي مناهض للاستعمار. فقد مثل مؤتمر باندونغ سنة 1955 محطة مهمة لتدويل القضية الجزائرية، فيما دعمت الصين بقيادة ماو تسي تونغ الثورة سياسيا ودبلوماسيا، واعترفت بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية سنة 1958.

لم يكن ذلك موقفا فلسفيا بالمعنى الدقيق، لكنه جسد انتقال القضية من حدود الصراع الفرنسي الجزائري إلى ساحة العلاقات الدولية.وفي أمريكا اللاتينية، التقت تجارب التحرر المختلفة حول سؤال السيادة والعدالة، وبرز تشي غيفارا رمزا للتضامن الثوري الأممي، كما زار الجزائر المستقلة سنة 1963. وهكذا لم تعد الجزائر مجرد بلد يقاتل من أجل استقلاله، بل أصبحت جزءا من خريطة عالمية تتشكل فيها علاقات جديدة بين الشعوب التي رفضت استمرار الهيمنة الاستعمارية.ولم يكن جميع هؤلاء المفكرين متفقين في الوسائل أو الرؤى أو تصورات الدولة التي ينبغي أن تولد بعد التحرر.

لكن الثورة الجزائرية جمعتهم، بدرجات متفاوتة، حول سؤال ظل يؤرق الفكر السياسي الحديث: هل يمكن بناء عالم عادل بينما تحتفظ بعض الدول لنفسها بحق تقرير مصير شعوب أخرى؟لقد انتصرت الجزائر لأنها حولت مطلب الحرية إلى إرادة شعبية لا يمكن إخضاعها إلى الأبد، ولأنها أدركت أن البندقية وحدها لا تكفي، وأن الدبلوماسية وكسب الرأي العام الدولي جزء من معركة الاستقلال.

وكان تدويل القضية الجزائرية أحد المسارات التي أسهمت في نقلها من مواجهة استعمارية إلى قضية تحظى باعتراف دولي متزايد.لكن القيمة الأعمق لأول نوفمبر لا تكمن في استعادة النصر وحده، بل في مساءلة الحاضر على ضوء ذلك النصر.

فما جدوى أن تستعيد الأمم سيادتها إذا لم تحمِ استقلال قرارها؟

وما معنى التحرر إذا لم يتحول إلى عدالة اجتماعية ومعرفة ومؤسسات تصون كرامة الإنسان؟لقد هزمت الثورة الجزائرية الفكرة الاستعمارية في ميدانها، لكنها تركت للأجيال اللاحقة مسؤولية حماية المعنى الذي انتصرت من أجله. فالأوطان لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، وإنما بما تحوله من تضحيات إلى مشروع للمستقبل.في أول نوفمبر، لا نستعيد فقط شعبا انتزع استقلاله، بل نستعيد لحظة أجبرت العالم على الاعتراف بأن الحرية لا تتجزأ، وأن الأمة التي تملك حق كتابة تاريخها لا تحتاج إلى إذن من أحد كي تكون سيدة مصيرها.

مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر

#الثورة التحريرية الجزائرية#الجزائر
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

مقالات الرأي
شارك المقال

الجزائر بين ثوابت الدولة ومتطلبات الأمن الاستراتيجي

الجزائر بين ثوابت الدولة ومتطلبات الأمن الاستراتيجي

مقال رأي بقلم : غالي لنصاري، عضو المجلس الشعبي الوطني سابقا

بوابة الجزائر الإخبارية : ليست قوة الدول في قدرتها على تجنّب التحولات، وإنما في قدرتها على استيعابها، والاستعداد لمتطلباتها، وتحويل تحدياتها إلى فرص تعزز أمنها واستقرارها وتحفظ استقلال قرارها. وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، وما يرافقها من تحديات أمنية وتجاذبات جيوسياسية، تبرز أهمية المقاربة الجزائرية القائمة على حماية المصالح العليا للوطن، وتعزيز استقرار الجوار، والتمسك بثوابت السياسة الخارجية، في إطار رؤية استراتيجية تستجيب لمتطلبات المرحلة دون التفريط في المبادئ الوطنية.

وفي هذا السياق، يندرج تفعيل الأحكام الدستورية المتعلقة بإمكانية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الوطن، وفق الضوابط التي يحددها الدستور، ضمن مسؤولية الدولة في مواكبة التحولات الإقليمية وحماية مصالحها الاستراتيجية. فالأمن الوطني لم يعد منفصلًا عن محيطه الإقليمي، كما أن التحديات العابرة للحدود، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة والاضطرابات الأمنية، تفرض يقظة مستمرة وتنسيقًا فعالًا وتقديرًا مسؤولًا لمتطلبات الأمن والدفاع الوطنيين.لقد ظلت الجزائر، انطلاقًا من تاريخها النضالي وتجربتها مع الاستعمار، متمسكة بمبادئ السيادة الوطنية، واحترام استقلال الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتفضيل الحلول السياسية والسلمية للنزاعات. وهي مبادئ تشكل ركيزة ثابتة في سياستها الخارجية، ولا تتعارض مع امتلاك الدولة القدرة على التحرك المسؤول لحماية أمنها ومصالحها الحيوية، بل تقتضي ترجمتها إلى مواقف عملية تستجيب للتحولات وتحافظ على استقلال القرار الوطني.فالسيادة ليست مجرد شعار سياسي، وإنما مسؤولية وطنية ومؤسساتية تستوجب امتلاك أدوات حمايتها، وتقدير المخاطر التي تهددها، واتخاذ القرارات المناسبة في إطار الدستور والقانون. كما أن احترام سيادة الدول لا يعني تجاهل انعكاسات الأزمات المحيطة على أمن الوطن، وإنما يقتضي بناء علاقات تعاون متوازن تقوم على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والالتزام بالمرجعيات القانونية والمؤسساتية المنظمة للعلاقات بين الدول.وتكتسي منطقة الساحل والصحراء أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة إلى الجزائر، بالنظر إلى الامتدادات الجغرافية والروابط التاريخية والمصالح الأمنية والاقتصادية التي تجمع دول المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن استقرار جمهورية النيجر الشقيقة يمثل عنصرًا مهمًا في معادلة الأمن الإقليمي، كما أن حماية المصالح الاقتصادية والطاقوية المشتركة تندرج ضمن مقتضيات التعاون الثنائي المسؤول، الذي يحقق المصالح المتبادلة ويسهم في دعم الاستقرار والتنمية.وفي هذا الإطار، يكتسب القرار المتعلق بإرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى جمهورية النيجر، بهدف حماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة الجزائرية-النيجرية، دلالته في ارتباطه بحماية المصالح العليا للدولة، وتعزيز التعاون بين البلدين، ومواكبة المتغيرات الأمنية في المنطقة. وهو قرار يستند إلى المرجعية الدستورية، ويعكس أهمية التنسيق بين مؤسسات الدولة في التعامل مع القضايا المرتبطة بالأمن والدفاع والمصالح الاستراتيجية للجزائر.غير أن بناء الاستقرار المستدام في منطقة الساحل لا يمكن أن يتحقق بالمقاربة الأمنية وحدها، مهما بلغت أهميتها. فالأمن يرتبط كذلك بالتنمية الاقتصادية، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومكافحة الفقر والتهميش، وتوسيع فرص التعاون الإقليمي، ودعم قدرة الدول على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة. ومن ثم، فإن الرؤية الجزائرية مطالبة بمواصلة الجمع بين اليقظة الأمنية والعمل الدبلوماسي والمبادرات التنموية، بما يحول دون اتساع بؤر التوتر ويعزز فرص الاستقرار والتكامل الإفريقي.

وتبرز أهمية المادة 91 من الدستور في هذا السياق، باعتبارها جزءًا من الإطار الذي ينظم صلاحيات رئيس الجمهورية في مجال الدفاع الوطني والسياسة الخارجية، ويحدد الشروط الدستورية المتعلقة بإرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج. ويؤكد هذا الإطار أن القرارات السيادية الكبرى ترتبط بمسؤوليات دستورية واضحة، وبأدوار المؤسسات المعنية، بما يعزز شرعية القرار ويحفظ التوازن بين متطلبات الأمن الوطني والالتزامات القانونية للدولة.

إن قوة الدولة لا تقاس بمجرد امتلاك أدوات القوة، وإنما بحسن توظيفها، ووضوح أهدافها، ودقة تقدير نتائجها، ومدى ارتباطها بالمصلحة الوطنية. فالقوة، في منطق الدولة المسؤولة، ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الوطن وصون استقلاله والدفاع عن مصالحه، ضمن رؤية سياسية واضحة تحترم القانون وتراعي مقتضيات الاستقرار الإقليمي والدولي.

وتنسجم هذه المقاربة مع التوجهات التي يؤكد عليها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في ما يتعلق بصون السيادة الوطنية، وتعزيز استقلال القرار الجزائري، وحماية المصالح العليا للبلاد، وترسيخ دور الجزائر في محيطها الإفريقي.

كما تتقاطع مع المبادئ التي يقوم عليها خطاب الدولة الجزائرية بشأن رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتغليب الحلول السلمية، وتعزيز التعاون القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وهي مرتكزات ينبغي فهمها في إطار توجهات الدولة ومؤسساتها، لا باعتبارها مبررًا للتخلي عن الثوابت، وإنما أساسًا لتفعيلها بما يتناسب مع طبيعة التحديات الراهنة.

ومن هذا المنطلق، يندرج موقف التجمع الوطني الديمقراطي الداعم للقرارات السيادية التي تستهدف حماية المصالح العليا للوطن وتعزيز الاستقرار في الجوار، في إطار المسؤولية السياسية والوطنية تجاه قضايا الأمن والدفاع. فالدفاع عن الدولة ومؤسسات الجمهورية، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، يقتضيان خطابًا سياسيًا رصينًا يواكب التحولات، ويدرك تعقيدات البيئة الإقليمية، ويؤكد أن استقلال القرار الوطني يمثل ركيزة أساسية في بناء دولة قوية وقادرة على حماية مصالحها.

كما أن الوفاء لتضحيات الشهداء لا يقتصر على استحضار الذاكرة الوطنية، وإنما يتجسد في صيانة استقلال الجزائر، وتعزيز مؤسساتها، وحماية وحدتها الترابية، وتحصين قرارها السيادي، والعمل على تحقيق تطلعات شعبها إلى الأمن والاستقرار والتنمية. فالدولة التي استرجعت سيادتها بتضحيات جسيمة تدرك أن الحفاظ عليها مسؤولية متجددة تفرض الاستعداد للمستقبل، والتمسك بالمبادئ، والقدرة على التعامل مع التحولات بوعي وحكمة.

إن الجزائر التي تتمسك بثوابتها الوطنية هي ذاتها الجزائر القادرة على تطوير أدوات عملها ومواكبة المتغيرات، بما يحفظ مصالحها ويعزز حضورها الإقليمي، دون التفريط في استقلال قرارها أو المساس بسيادة الدول الأخرى. وبين الحكمة والقدرة، وبين الدبلوماسية والجاهزية، تتجسد معادلة الدولة التي تجعل من السيادة ممارسة مسؤولة، ومن التعاون سبيلًا للاستقرار، ومن القوة أداة لحماية الوطن وصون مصالحه العليا.الجزائر أولًا، وسيادتها فوق كل اعتبار، ومصالح شعبها أساس كل قرار. عاشت الجزائر حرة مستقلة، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر

#الجزائر،#النيجر،
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

إفريقيا
شارك المقال

النيجر تعزز قدراتها في التخطيط الطاقوي تمهيدا لتطوير برنامجها النووي السلمي

النيجر تعزز قدراتها في التخطيط الطاقوي تمهيدا لتطوير برنامجها النووي السلمي

مقال رأي بقلم حسين لنصاري: صحافي وكاتب مختص بالشؤون الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي

بوابة الجزائر الإخبارية: أطلقت الهيئة العليا النيجرية للطاقة الذرية (HANEA)، في 26 أكتوبر الجاري، ورشة تدريبية تستمر حتى 6 نوفمبر 2026، مخصصة للتعريف بنموذج MESSAGE التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بهدف تعزيز قدرات الكفاءات الوطنية في التخطيط الطاقوي واستشراف احتياجات البلاد المستقبلية.

النيجر تعزز قدراتها في التخطيط الطاقوي تمهيدا لتطوير برنامجها النووي السلمي
حسين لنصاري: صحافي وكاتب مختص بالشؤون الأمنية في منطقة الساحل الأفريقي

وشهدت مراسم الافتتاح كلمة الأمين العام المساعد لوزارة الطاقة النيجرية، ياغي حكيمي ساليفو، الذي أكد أهمية هذه المبادرة في تطوير أدوات دعم القرار وتحسين التخطيط لقطاع الطاقة، مشيداً بالتعاون القائم بين النيجر والوكالة الدولية للطاقة الذرية في مجال بناء القدرات وتكوين الإطارات الوطنية.

وأشار ساليفو إلى أن التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية مكّن الوزارة، عام 2014، من إنجاز دراسة حول تطور العرض والطلب على الطاقة في النيجر خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2035، بالاعتماد على نموذجي MESSAGE وMAED. وقد خلصت الدراسة إلى إمكانية إدراج الكهرباء المولدة من الطاقة النووية ضمن المزيج الطاقوي الوطني بحلول عام 2030.

النيجر تعزز قدراتها في التخطيط الطاقوي تمهيدا لتطوير برنامجها النووي السلمي

وفي سياق استعراض تطورات القطاع، أبرز المسؤول النيجري التقدم المحرز على المستويات السياسية والقانونية والتقنية، إلى جانب تنفيذ مشاريع طاقوية مهمة، مشيراً إلى مواصلة العمل على البرنامج النووي لتوليد الكهرباء، مع برمجة تقييم المرحلة الثانية منه خلال العام المقبل، وفق مقاربة «المراحل» المعتمدة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

كما شدد على أهمية السياسة الوطنية للطاقة التي تشمل مختلف المصادر، بما فيها اليورانيوم، باعتبارها ركيزة لتعزيز أمن الإمدادات وتقوية السيادة الطاقوية للنيجر، مؤكداً ضرورة تحديث خطط الطاقة بصورة دورية لمواكبة التحولات الوطنية والتطورات التكنولوجية.

النيجر تعزز قدراتها في التخطيط الطاقوي تمهيدا لتطوير برنامجها النووي السلمي

وتُقام الورشة في إطار مشروع التعاون التقني NER2007 المتعلق بتطوير البنية التحتية اللازمة للبرنامج النووي السلمي في النيجر، حيث يتلقى المشاركون تدريبات نظرية وتطبيقية على استخدام نموذج MESSAGE، تشمل تقنيات الطاقة المختلفة، وبناء النظام المرجعي للطاقة، وتحليل البيانات الوطنية الضرورية لإعداد السيناريوهات والتوقعات المستقبلية.

وتندرج هذه المبادرة ضمن مساعي النيجر إلى تطوير الخبرات الوطنية في مجال التخطيط الطاقوي، وتنويع مصادر الإمداد، والاستعداد للطلب المتزايد على الطاقة، بما يدعم توجهاتها نحو تعزيز الاستقلالية الطاقوية وتطوير قطاع الكهرباء على المدى الطويل.

النيجر تعزز قدراتها في التخطيط الطاقوي تمهيدا لتطوير برنامجها النووي السلمي

مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر

#الجزائر#النيجر
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي