بوابة الجزائر الإخبارية: تتجه الجزائر إلى ترسيخ مرحلة جديدة من التنويع الاقتصادي، تستهدف تحقيق نمو بنسبة 4.2% خلال 2027، مدفوعًا بتوسع النشاط الصناعي والفلاحي والخدماتي ومشاريع البنية التحتية، في وقت تتجاوز فيه الاعتمادات المخصصة للاستثمار ضمن مشروع قانون المالية للسنة المقبلة 3825 مليار دينار. وتأتي هذه المؤشرات في صلب التحولات الاقتصادية التي استعرضها الوزير الأول سيفي غريب، الأربعاء 4 نوفمبر 2026، أمام نائب رئيس البنك الدولي المكلف بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عصمان ديون، خلال لقاء بقصر الحكومة خُصص لتقييم التعاون القائم ومناقشة الحركية التنموية والإصلاحات الهيكلية التي تشهدها البلاد.
ويعكس اللقاء اهتمامًا متزايدًا بمسار التحول الاقتصادي الجزائري، في ظل توجه السلطات العمومية إلى توسيع مساهمة القطاعات المنتجة خارج المحروقات، وتطوير مشاريع استثمارية مترابطة تستهدف تعزيز الإنتاج الوطني، ورفع القيمة المضافة، وتحسين جاذبية الاقتصاد للاستثمارات.

وبحسب بيان مصالح الوزير الأول، فقد استعرض سيفي غريب الإصلاحات الهيكلية التي باشرتها السلطات العمومية تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، إلى جانب البرامج الاستثمارية والمشاريع المهيكلة المندمجة الجاري إنجازها، باعتبارها أدوات أساسية لدعم التنمية المستدامة وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
وتبرز الأهمية الاقتصادية لهذا العرض في تزامنه مع مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يضع القطاعات غير النفطية في مقدمة محركات النمو، ويستهدف رفع الناتج الداخلي الخام الحقيقي بنسبة 4.2%، على أن تتواصل وتيرة التوسع بنسبة 4.1% في 2028 قبل بلوغ 4.7% في 2029، وفق التوقعات الحكومية.
وتشير هذه التقديرات إلى أن الجزائر تتطلع إلى الحفاظ على مسار نمو متعدد السنوات، يستند إلى الاستثمار والإنتاج وتوسيع النشاط الاقتصادي، بدل الاكتفاء بالدورات المرتبطة بتقلبات أسعار النفط والغاز.
وفي هذا الإطار، تكتسب المشاريع المهيكلة التي جرى استعراضها أمام المسؤول بالبنك الدولي أهمية خاصة، بالنظر إلى دورها في ربط مناطق الإنتاج بشبكات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، وتطوير سلاسل القيمة بين القطاعات المنجمية والصناعية والفلاحية.
ويقوم الرهان الاقتصادي لهذه المشاريع على تجاوز أثرها المباشر خلال مرحلة الإنجاز، نحو خلق أنشطة إنتاجية دائمة، وتوسيع الطلب على المنتجات والخدمات الوطنية، وتحسين شروط الاستثمار في المناطق التي تستفيد من المنشآت الجديدة.
كما تندرج هذه الديناميكية ضمن مسار إصلاح الإطار القانوني والمؤسساتي للاستثمار، من خلال تحديث التشريعات المتعلقة بالنشاط الاقتصادي والعقار الصناعي والتمويل، بما يستهدف تحسين بيئة الأعمال وتسهيل تجسيد المشاريع المنتجة.
وتكشف المؤشرات الميزانياتية حجم الموارد التي تعتزم الدولة تعبئتها لمرافقة هذا المسار؛ إذ يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 اعتمادات دفع للاستثمار تتجاوز 3825 مليار دينار، إلى جانب برمجة شغل 125675 منصبًا في القطاع العمومي، منها 82948 منصبًا جديدًا و42727 منصبًا شاغرًا.
ولا تعكس هذه الأرقام وحدها نتائج اقتصادية محققة، لكنها توضح حجم الالتزامات المبرمجة لتطوير النشاط الاقتصادي ومواصلة تنفيذ السياسات العمومية، في مرحلة يرتبط فيها نجاح الاستثمار بقدرته على تحقيق مردودية إنتاجية وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
وفي موازاة ذلك، يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 تدابير تستهدف دعم الاستثمار المنتج وتوسيع الوعاء الجبائي وتحديث الإدارة، بما يعكس ارتباط الإصلاحات الاقتصادية بضرورة تطوير أدوات التمويل والتسيير وتحسين فعالية المؤسسات.
ومن هذه الزاوية، يبرز التعاون مع البنك الدولي بوصفه أحد المسارات الداعمة لتطوير الخبرة المؤسساتية، خاصة في مجالات المساعدة الفنية وبناء القدرات، التي حظيت بإشادة الطرفين خلال اللقاء.
وقد أعرب الوزير الأول ونائب رئيس البنك الدولي عن ارتياحهما لمستوى التعاون القائم، لا سيما البرامج التقنية التي تتيحها المؤسسة المالية الدولية، في إشارة إلى أهمية مرافقة التحولات الاقتصادية بالخبرات المتخصصة وتطوير كفاءات المؤسسات الوطنية.
ويكتسب هذا الجانب أهمية عملية في ظل اتساع حجم المشاريع الاستثمارية وتنوعها، إذ تتطلب البرامج المهيكلة قدرات متقدمة في التخطيط والتقييم وإدارة المخاطر والمتابعة، إلى جانب تطوير آليات التنسيق بين القطاعات والمؤسسات المعنية بالتنفيذ.
كما أن تحسين كفاءة الاستثمار لا يرتبط بحجم الاعتمادات المالية وحده، وإنما بمدى قدرة المشاريع على الانتقال إلى مرحلة الاستغلال في الآجال المحددة، وتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية تتناسب مع الموارد المرصودة لها.
وتتزامن هذه المحادثات مع اتساع التواصل بين الجزائر ومجموعة البنك الدولي، حيث شهدت الفترة نفسها مباحثات بين وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، وعصمان ديون، تناولت فرص التعاون في الصناعات الطاقوية والبتروكيميائية والهيدروجين الأخضر والأسمدة وتحلية مياه البحر.
كما وقعت سوناطراك بروتوكول تفاهم مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير ومؤسسة التمويل الدولية، يتعلق بالتعاون التقني في مجالات خفض حرق الغاز وانبعاثات الميثان وتطوير أنشطة صناعية وطاقوية، بما يبرز اتساع نطاق الحوار إلى قطاعات إنتاجية ذات أهمية استراتيجية.
ويكشف تزامن هذه اللقاءات عن مسارين متكاملين للتعاون؛ يرتبط الأول بتطوير القدرات المؤسساتية ومرافقة الإصلاحات الاقتصادية، بينما يتصل الثاني بدراسة فرص التعاون التقني والتمويلي في مشاريع صناعية وطاقوية محددة.
غير أن البيان الصادر عقب استقبال الوزير الأول لم يعلن عن توقيع اتفاق تمويل جديد أو تخصيص قرض أو غلاف مالي من البنك الدولي، إذ انصب اللقاء على تقييم التعاون القائم واستعراض التحولات الاقتصادية والبرامج الاستثمارية الوطنية.
وتتحدد أهمية هذه المقاربة في إمكانية الاستفادة من الخبرات الدولية لدعم تنفيذ الأولويات الاقتصادية الجزائرية، مع المحافظة على ارتباط البرامج الاستثمارية بالمخططات الوطنية واحتياجات القطاعات المنتجة.
وعلى المستوى الاقتصادي الأوسع، فإن التحدي المرتبط بالتنويع لا يقتصر على زيادة مساهمة الأنشطة غير النفطية في النمو، بل يشمل تطوير قدرتها على خلق الثروة القابلة للتصدير، وتوسيع حضور المؤسسات الجزائرية في الأسواق الخارجية، ورفع مساهمة الإنتاج المحلي في تلبية احتياجات الاقتصاد الوطني.
ومن شأن تطوير التكامل بين الصناعة والفلاحة والمناجم والخدمات اللوجستية أن يعزز هذا التوجه، خصوصًا إذا ترافقت الاستثمارات الكبرى مع تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين الإنتاجية، وتوسيع استخدام التكنولوجيا.
وبذلك، يحمل استقبال سيفي غريب لنائب رئيس البنك الدولي دلالة اقتصادية تتجاوز تقييم التعاون الثنائي، إذ يضع التحولات الهيكلية والاستثمارات المنتجة في صلب الحوار مع إحدى أبرز المؤسسات المالية الدولية.
وتعكس المحادثات توجه الجزائر نحو توظيف التعاون التقني والمؤسساتي لمرافقة إصلاحاتها الاقتصادية، في وقت تتطلع فيه إلى تحقيق نمو بنسبة 4.2% خلال 2027، وتوسيع قاعدة الإنتاج خارج المحروقات، وتحويل المشاريع المهيكلة إلى روافع دائمة للنشاط الصناعي والفلاحي والخدماتي، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني وقدرته على تحقيق نمو مستدام.










