بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد الاحتجاجات الشبابية في أوروبا مجرد تحركات مطلبية بشأن التعليم أو الأجور، بل أخذت تكشف عن اختلالات اقتصادية واجتماعية أعمق، في قارة يواجه فيها 17.3 مليون شاب وشابة خطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي، بينما تتزايد الضغوط المرتبطة بالسكن وتكاليف المعيشة وفرص العمل. ومع اتساع التحركات التي يقود بعضها «جيل زد»، خصوصًا في فرنسا وألمانيا، تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام مطالب تتجاوز المعالجات الظرفية، وتضع توزيع الثروة وأولويات الإنفاق العام والعدالة بين الأجيال في قلب النقاش الاقتصادي والسياسي.
وتكشف أحدث بيانات المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي «يوروستات» أن 24.2% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة كانوا معرضين لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي خلال 2025، مقابل 20.9% من مجموع السكان، بفارق يبلغ 3.3 نقاط مئوية. ويعني ذلك أن قرابة شاب واحد من كل أربعة في الاتحاد الأوروبي يواجه وضعًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا هشًا، رغم ما تتمتع به القارة من مستويات دخل مرتفعة وشبكات حماية اجتماعية واسعة.
وتتجاوز دلالة هذه الأرقام الفقر النقدي المباشر، إذ تشمل أيضًا الحرمان المادي والاجتماعي الشديد والعيش في أسر ذات كثافة عمل منخفضة، ما يجعلها مؤشرًا على الصعوبات التي تواجه الشباب في الانتقال من التعليم إلى العمل والاستقلال الاقتصادي.

وفي ألمانيا، تحولت هذه المخاوف إلى تحرك احتجاجي واسع في 31 أكتوبر 2026، عندما نظمت مبادرة «Gen Z regelt»، التي يمكن ترجمة شعارها إلى «جيل زد يتولى زمام الأمور»، تجمعات في عشرات المدن للمطالبة بتحسين تمويل التعليم والخدمات العامة، وخفض أعباء المعيشة، وتحقيق توزيع أكثر عدالة للتكاليف الاقتصادية بين الأجيال.
وبحسب المنظمين، شارك نحو 120 ألف شخص في الاحتجاجات على المستوى الوطني، بينما كانت التوقعات السابقة تشير إلى مشاركة أكثر من 180 ألفًا. وشهدت التحركات تجمعات في برلين وكولونيا وفرانكفورت وميونيخ ومدن أخرى، وسط تباين في تقديرات أعداد المشاركين بين الجهات المنظمة والشرطة.
ورغم الطابع السلمي لمعظم التجمعات، شهدت بعض المدن أعمال عنف وتخريب، خصوصًا في فرانكفورت، حيث تعرضت متاجر لأضرار وسُجلت مواجهات مع قوات الأمن. غير أن هذه الحوادث لا تختزل طبيعة الحركة أو مطالبها، التي تتمحور أساسًا حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومستقبل الشباب.
وتعكس المطالب الألمانية اتساع مفهوم الاحتجاج لدى الجيل الجديد؛ فإلى جانب التعليم والسكن والقدرة الشرائية، برز رفض العودة إلى التجنيد الإلزامي، والمطالبة بحماية الحقوق الأساسية، وتعزيز الإنفاق على الصحة النفسية ومكافحة الإدمان، وتسريع الاستجابة للتغيرات المناخية.
وتكشف هذه الأولويات عن قلق من الطريقة التي توزع بها الحكومات الموارد العامة، خصوصًا في ظل تزايد الاحتياجات المرتبطة بالدفاع والبنية التحتية والشيخوخة السكانية، مقابل مطالب الشباب بمزيد من الاستثمار في التعليم والخدمات التي تحدد فرصهم الاقتصادية مستقبلًا.
وفي فرنسا، تتقاطع الاحتجاجات الطلابية مع نقاش اجتماعي أوسع بشأن تمويل التعليم وتكاليف الحياة والقدرة الشرائية، في وقت يواجه فيه الشباب صعوبات متزايدة في الحصول على وظائف مستقرة ومساكن تتناسب أسعارها مع مستويات الدخل.
ولا تقتصر الأزمة الفرنسية على حجم الإنفاق العام، بل تشمل أيضًا كفاءة توزيعه وقدرة المؤسسات التعليمية وسوق العمل على توفير مسارات واضحة للاندماج الاقتصادي والاجتماعي، خصوصًا للفئات التي تبدأ حياتها المهنية في ظروف أكثر هشاشة.
وتبرز أزمة السكن بوصفها أحد أبرز محركات الاستياء الشبابي في أوروبا. فوفق بيانات يوروستات الخاصة بسنة 2025، بلغ متوسط العمر الذي يغادر فيه الأوروبيون منزل الأسرة 26.3 سنة، مع اختلافات واسعة بين البلدان؛ إذ وصل إلى 31.5 سنة في كرواتيا، مقابل 21.3 سنة في فنلندا.
كما يعيش 26.9% من الشباب الأوروبيين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة في مساكن مكتظة، مقارنة بنسبة 16.8% من إجمالي السكان، وهو فارق يكشف عن صعوبة حصول جزء مهم من الجيل الجديد على ظروف سكنية ملائمة.
وتزداد الضغوط عند النظر إلى تكاليف الإيجار والسكن، حيث يعيش 9.1% من الشباب في أسر تنفق ما لا يقل عن 40% من دخلها المتاح على السكن، مقابل 7.7% من مجموع السكان.
وتصل هذه النسبة إلى مستويات أعلى بكثير في بعض الدول، خصوصًا الدنمارك واليونان، حيث تجاوزت 25% بين الشباب، ما يعكس تفاوتًا كبيرًا في قدرة الأجيال الجديدة على تحمل تكاليف الاستقلال السكني.
وفي الفئة العمرية بين 20 و24 سنة، بلغت نسبة الذين يتحملون أعباء سكنية مرتفعة 11.1% على مستوى الاتحاد الأوروبي، ووصلت إلى 34.9% في الدنمارك، و28.1% في اليونان، و18.9% في هولندا، و18.4% في ألمانيا.
وتشير هذه الفوارق إلى أن أزمة السكن لا ترتبط بمستوى الدخل الوطني وحده، وإنما تتأثر أيضًا بحجم المعروض العقاري وسياسات الإيجار وتوزيع النشاط الاقتصادي وفرص العمل بين المدن والمناطق.
ومن هنا، يصبح السكن عاملًا اقتصاديًا حاسمًا في تفسير الاحتجاجات؛ فارتفاع الإيجارات لا يقلص القدرة الشرائية فقط، بل يؤخر تكوين الأسر، ويحد من التنقل المهني، ويزيد الاعتماد المالي على الوالدين، بما ينعكس على الاستهلاك والادخار وآفاق النمو على المدى الطويل.
وفي إسبانيا والبرتغال، تتداخل هذه الضغوط مع الاعتراضات على ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وتوسع الإيجارات السياحية قصيرة الأجل في بعض المدن، حيث يتزايد النقاش حول قدرة السكان المحليين، خصوصًا الشباب، على البقاء في المناطق التي يعملون أو يدرسون فيها.
أما في إيطاليا، فتبرز صعوبات دخول سوق العمل واستقرار الدخل والفوارق الاقتصادية بين المناطق ضمن التحديات التي تؤثر في آفاق الشباب، إلى جانب الضغوط المرتبطة بتكاليف السكن والخدمات.
وتكشف المؤشرات الأوروبية أن أزمة الشباب لا تتعلق بالسكن وحده؛ فقد بلغ معدل البطالة بين الفئة العمرية من 15 إلى 24 سنة في الاتحاد الأوروبي 15.2% خلال 2025، بينما بلغت نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريبًا 10.9% بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة.
وتشير هذه الأرقام إلى استمرار فجوة بين متطلبات سوق العمل وقدرة الأنظمة التعليمية والتكوينية على تأهيل الشباب، خصوصًا في الاقتصادات التي تواجه تباطؤًا في النمو أو اختلالات هيكلية في سوق الشغل.
وتبرز المفارقة الاقتصادية في أن أوروبا تحتاج إلى اليد العاملة لمواجهة الشيخوخة السكانية، لكنها تواجه في الوقت نفسه صعوبات في إدماج فئات من الشباب ضمن وظائف مستقرة ومجزية، وهو ما يطرح تساؤلات حول كفاءة سياسات التشغيل والتكوين وتوزيع الفرص.
وتكتسب هذه المفارقة أهمية إضافية مع ارتفاع تكاليف أنظمة التقاعد والرعاية الصحية في عدد من البلدان الأوروبية، نتيجة تغير التركيبة العمرية للسكان وتراجع نسبة الأشخاص في سن العمل مقارنة بالفئات الأكبر سنًا.
ولا تعني هذه التطورات بالضرورة وجود تعارض مباشر بين مصالح الأجيال، لكنها تفرض على الحكومات خيارات مالية أكثر تعقيدًا، تتعلق بتوزيع الموارد بين الحماية الاجتماعية الحالية والاستثمار في التعليم والسكن والبنية التحتية والوظائف المستقبلية.
كما أن زيادة الإنفاق الدفاعي في عدد من الدول الأوروبية تضيف عنصرًا جديدًا إلى النقاش بشأن أولويات الميزانيات العامة، خصوصًا عندما تتزامن مع ضغوط لخفض العجز أو ضبط النفقات الاجتماعية.
ومن منظور اقتصادي، يتمثل التحدي في قدرة الحكومات على تمويل التزاماتها القائمة دون تقليص الاستثمار الذي تحتاج إليه الأجيال الجديدة لتحسين إنتاجيتها ودخولها وفرصها المهنية.
وتتضح خطورة هذه المعادلة عندما يتحول الشعور بعدم تكافؤ الفرص إلى فقدان الثقة في قدرة المؤسسات على معالجة الاختلالات الاقتصادية، وهو ما يفسر انتقال بعض التحركات من المطالب القطاعية إلى انتقاد السياسات العامة بصورة أشمل.
وقد أظهرت التطورات السياسية في صربيا، التي تقع خارج الاتحاد الأوروبي، قدرة الحركات الطلابية على تجاوز الشارع إلى المنافسة السياسية. ففي الانتخابات البرلمانية التي جرت في 25 أكتوبر 2026، حصلت القائمة المدعومة من الحركة الطلابية على 53.7% من الأصوات و141 مقعدًا من أصل 250، مقابل 39.5% و103 مقاعد للقائمة التي قادها الحزب التقدمي الصربي المرتبط بألكسندر فوتشيتش.
وجاءت هذه النتيجة بعد احتجاجات طلابية طويلة بدأت إثر انهيار مظلة محطة للقطارات في نوفي ساد عام 2024، في حادث أودى بحياة 16 شخصًا وأثار مطالب بمحاسبة المسؤولين وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.
غير أن التجربة الصربية تختلف في دوافعها وسياقها المؤسسي عن الاحتجاجات الاقتصادية في دول الاتحاد الأوروبي، ولا يمكن اعتبارها نموذجًا موحدًا لجميع الحركات الشبابية في القارة.
وتواجه الحكومات الأوروبية، في المحصلة، تحديًا يتجاوز احتواء الاحتجاجات أو الاستجابة لمطالب منفردة، ويتمثل في إعادة بناء الثقة في قدرة النموذج الاقتصادي والاجتماعي على توفير فرص حقيقية للترقي الاقتصادي.
فالنمو الاقتصادي لا ينعكس تلقائيًا على مستويات معيشة جميع الفئات، كما أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لا يضمن تحسن القدرة على شراء مسكن أو الحصول على وظيفة مستقرة، إذا كانت مكاسب النمو تتوزع بصورة غير متكافئة.
وبقدر ما تتزايد صعوبات الاستقلال المالي والسكني، تتسع الفجوة بين توقعات الشباب والنتائج التي تحققها السياسات الاقتصادية، ما يجعل الاستجابة الفعالة مرتبطة بإصلاحات تتناول المعروض السكني والإنتاجية والأجور والتكوين وفرص التشغيل.
وبين احتجاجات ألمانيا وفرنسا وضغوط السكن والعمل في دول أوروبية أخرى، تكشف تحركات «جيل زد» عن سؤال اقتصادي متصاعد: كيف تستطيع أوروبا المحافظة على نموذجها الاجتماعي في ظل الشيخوخة السكانية والقيود المالية، مع ضمان ألا يتحمل الجيل الجديد النصيب الأكبر من تكاليف التحولات المقبلة؟ فوجود 17.3 مليون شاب معرضين للفقر أو الإقصاء الاجتماعي يجعل معالجة هذه الاختلالات مسألة تتعلق بمستقبل النمو والاستقرار الاقتصادي، وليس بمجرد تهدئة موجة احتجاجية عابرة.











