بوابة الجزائر الإخبارية : في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل، تتجدد الخلافات بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى، على خلفية الإدارة الأحادية لسد النهضة وانعكاساتها على الأمن المائي لدولتي المصب. وفي موقف مشترك يعكس تنامي المخاوف من تداعيات التحركات الإثيوبية، شددت القاهرة والخرطوم على رفض أي إجراءات أحادية تمس حقوقهما المائية أو تهدد سيادة دول المنطقة، بالتزامن مع تصاعد المخاوف الأمنية المرتبطة بالبحر الأحمر واستمرار الحرب في السودان، وما يرافقها من اتهامات باستخدام أراضي دول مجاورة لشن هجمات بالمسيّرات.

ويؤكد الخبير الاستراتيجي المختص بنزاعات الشرق الأوسط، ميلاد الأطرش،”لبوابة الجزائر ” أن أزمة سد النهضة لم تعد مجرد خلاف فني تقني يتعلق بتقاسم حصص المياه أو آليات تشغيل المنشآت الهيدرولوجية، بل أضحت اختباراً حقيقياً وبنيوياً لمعادلات الأمن القومي والسيادة في منطقة استراتيجية تتقاطع فيها مختلف المصالح الإقليمية والدولية. ويوضح الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن ملامح هذا الصراع الأوسع تتدفق وتتسع من ضفاف النيل الأزرق وصولاً إلى الممرات البحرية الاستراتيجية في البحر الأحمر؛ حيث تتداخل حسابات التنمية الإثيوبية مع المخاوف المصرية والسودانية الحيوية، وتتحول الجغرافيا من عامل للتكامل والتعاون الإقليمي إلى ساحة مفتوحة للتنافس وفرض النفوذ.
ويشير الخبير الاستراتيجي المختص بنزاعات الشرق الأوسط، ميلاد الأطرش، إلى أن الموقف المصري السوداني المشترك يأتي ليؤكد حقيقة مفادها أن الأمن المائي لكل من القاهرة والخرطوم لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن أمنهما القومي الشامل، وأن إدارة الموارد المائية المشتركة لا يجوز أن تتحول بأي شكل إلى أداة لفرض الوقائع الأحادية أو إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
ويرى الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن قضية سد النهضة لم تعد تتعلق بسد مائي على مجرى نهر فحسب، بل بمنظومة إقليمية معقدة تتشابك فيها ملفات المياه، والسيادة الوطنية، والحدود، والممرات البحرية، مما يمنح أي تصعيد في أحد هذه الملفات القدرة التلقائية على الامتداد والسرعة في التأثير على باقي الملفات الأخرى.
وفيما يتعلق بالتحول من أزمة مياه إلى معادلة أمن قومي، يبين الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن سد النهضة يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية الإثيوبية، ليس فقط بسبب الضخامة الاستراتيجية للمشروع وأهميته التنموية لإثيوبيا، وإنما بسبب غياب اتفاق قانوني ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل ويضمن التنسيق الدائم بين دول النيل الشرقي في فترات الجفاف والتغيرات الهيدرولوجية الحادة. ويشرح الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أنه بالنسبة لمصر، لا يتعلق الأمر بمجرد منشأة مائية، بل بنهر يمثل شريان الحياة الأساسي، فيما ينظر السودان للسد باعتباره مشروعاً يحمل فرصاً ومخاطر متزامنة؛ إذ قد يسهم في تنظيم تدفق المياه والحد من الفيضانات، ولكنه يتطلب بالضرورة تنسيقاً صارماً بشأن التشغيل وتبادل البيانات لضمان سلامة منشآته المائية.ويتابع الخبير الاستراتيجي المختص بنزاعات الشرق الأوسط، ميلاد الأطرش، تحليله موضحاً أن جوهر الخلاف لا يكمن في حق إثيوبيا في التنمية أو في مجرد وجود السد، بل في غياب القواعد الواضحة والملزمة التي تحكم تشغيله وتمنع تحول السيطرة على المنبع إلى قدرة على التحكم بأمن دول المصب.
ويرى الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن هذه النقطة بالتحديد هي التي نقلت الأزمة من إطارها الفني إلى مستوى السيادة والأمن القومي؛ فحين تصبح الموارد الحيوية خاضعة لقرارات أحادية، تتجاوز التداعيات الجوانب الاقتصادية والزراعية لتمتد إلى الاستقرار الاجتماعي والسياسي وقدرة الدول على حماية مصالحها. ولهذا يؤكد الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن التقارب المصري السوداني يعكس إدراكاً حاسماً بأن المفاوضات الفنية لم تعد كافية دون إطار قانوني وسياسي يمنع استخدام المياه كأداة لفرض الإرادات.
وعن طبيعة العلاقات بين القاهرة والخرطوم وحدّة المصالح، يرى الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن التقارب المصري السوداني يمتلك دلالات استراتيجية تتجاوز التنسيق السياسي العابر، ليعبر عن وعي عميق بضرورة مواجهة التحديات المترابطة بشكل جماعي يمنع فتح المجال أمام مزيد من الضغوط الإقليمية. ويؤكد الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن مصر تنظر إلى استقرار السودان باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، فيما يمثل السودان حلقة أساسية في معادلة الأمن المائي لدولتي المصب؛ وبالتالي فإن دعم استقرار السودان وإعادة إعمار مؤسساته يمثل مصلحة استراتيجية متبادلة.
ويضيف الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن هذا التنسيق الموحد ليس خياراً للدخول في مواجهة مع إثيوبيا، بقدر ما هو ضرورة لتوفير موقف تفاوضي متماسك يحول دون فرض الأمر الواقع ويعزز الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة.وفي قراءته للساحة السودانية باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في معادلة الصراع، يحذر الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش من تداخل تداعيات الحرب الداخلية في السودان مع الخلافات المائية والحدودية، مما يضع الإقليم أمام سيناريوهات بالغة التعقيد.
ويشير الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش إلى أن تصاعد الاتهامات بشأن استخدام أراضي دول مجاورة لشن هجمات بالمسيّرات يوسع دائرة الخلاف لما هو أبعد من سد النهضة، مبيناً أن الخطورة تكمن في تحول الحدود إلى مساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. ويشدد الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش على ضرورة الفصل بين الاتهامات السياسية والوقائع المثبتة عبر التحقيق والآليات القانونية، مؤكداً أن استقرار السودان ووحدة أراضيه يشكلان شرطاً أساسياً لحماية الأمن المائي المصري السوداني ومنع تداعي التوازنات في النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وفي محوره المتعلق بالبحر الأحمر كساحة جديدة لتوازنات النفوذ، يوضح الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن هذا الممر البحري الاستراتيجي يمثل العنوان الموازي للصراع على الموانئ والنفوذ، واصفاً إياه بالشريان الحيوي للأمن الاقتصادي والعسكري للدول المطلة عليه ونقطة تقاطع المصالح الدولية. ويرى الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن سعي إثيوبيا -كدولة حبيسة- للحصول على منفذ بحري يُفهم من الناحية الجغرافية والاقتصادية، لكنه يثير مخاوف مشروعة لدى دول المنطقة إذا تحول إلى مدخل لإعادة تشكيل موازين القوة أو المساس بسيادة الدول المشاطئة.
ويلفت الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش إلى أن أمن البحر الأحمر لا يتحقق بإقصاء طرف أو منح امتيازات غير مشروعة، بل عبر تفاهمات إقليمية تضمن حرية الملاحة وتمنع عسكرة الممرات البحرية، لتغدو هذه المسألة امتداداً حيوياً لأزمة سد النهضة.أما فيما يخص المسارات المستقبلية للعلاقات مع أديس أبابا، فيستعرض الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش ثلاثة مسارات رئيسية تتجاذب المشهد؛ المسار الأول هو العودة إلى التفاوض الجاد للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يحكم قواعد التشغيل والملء والتعامل مع فترات الجفاف، بالتوازي مع احترام سيادة الدول ومنع استخدام الأراضي للإضرار بالجوار.
والمسار الثاني يكمن في استمرار الجمود والتصعيد السياسي والدبلوماسي، وهو مسار يرفع كلفة التوتر دون الوصول المباشر إلى مواجهة عسكرية نظراً للضريبة الباهظة التي سيتكبدها الجميع.
بينما يمثل المسار الثالث السيناريو الأكثر خطورة، والمتمثل في اتساع الأزمة إلى ساحة إقليمية شاملة تتداخل فيها ملفات الموانئ والممرات البحرية والاتهامات الأمنية، وهو ما يفرض -بحسب الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش- إدارة هذه الاختلافات بوعي قبل تحولها إلى صراع مفتوح.ويختتم الخبير الاستراتيجي المختص بنزاعات الشرق الأوسط، ميلاد الأطرش، مقاربته بالتأكيد على أن الدبلوماسية المشفوعة بإرادة سياسية حقيقية وآليات رقابة وضمانات قانونية ملزمة تظل الخيار الأكثر ضرورة وأهمية لمنع انزلاق المنطقة.
ويرى الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش أن الحل لا ينبغي أن يقوم على معادلة صفرية تنظر للتنمية الإثيوبية كتهديد أو للحقوق المائية كعائق، بل يتطلب صياغة معادلة تضمن حق إثيوبيا في التنمية وتحمي الأمن المائي لدولتي المصب وتصون استقرار السودان من الانهيار. ويؤكد الخبير الاستراتيجي ميلاد الأطرش في نهاية تصريحه أن النيل ليس ساحة لفرض الإرادات، والبحر الأحمر ليس مجالاً مفتوحاً لإعادة رسم خرائط النفوذ، مشدداً على أن المعركة الحقيقية تكمن في احترام حقوق الآخرين، لأن التنمية التي تُبنى على حساب أمن الجوار لا تصنع استقراراً بل تؤجل انفجار الأزمات.














