مقال رأي بقلم الكاتب والإعلامي الجزائري إسماعيل مليلي
بوابة الجزائر الإخبارية : لفهم ما حدث في ليلة 31 أكتوبر، لا بد من العودة إلى الجذور الصراع في الصحراء الغربية؛ فالأزمة لم تبدأ بإنشاء المينورسو عام 1991، بل تمتد جذورها إلى ما قبل ذلك بعقود، ففي 6 نوفمبر 1975، خرج المغاربة في المسيرة الخضراء استجابة لقرار محكمة العدل الدولية، التي أكدت حق السكان الأصليين في تقرير المصير، دون أن تنفي روابط الولاء التاريخية مع المغرب، وفي نهاية الشهر، وقّعت إسبانيا والمغرب وموريتانيا اتفاقيات مدريد، التي قسمت الإقليم إلى جزء شمالي استولى عليه المغرب، وجنوبي كان من نصيب موريتانيا، دون أن يمنح أحد طرفي النزاع، جبهة البوليساريو، أي نصيب في هذه التركة، اندلعت على إثرها الحرب فورا.
وفي عام 1979، انسحبت موريتانيا، فسيطر المغرب على كامل الإقليم، وبدأ ببناء الجدران الرملية التي فصلت بين المناطق المأهولة، والمناطق الصحراوية النائية، استمرت الحرب أكثر من عقد، حتى توصل الطرفان عام 1988 إلى قبول خطة التسوية الأممية التي نصت على وقف إطلاق النار، تبعه استفتاء يخيّر السكان بين الاستقلال والاندماج، وفي أبريل 1991، أصدر مجلس الأمن القرار 690 بإنشاء بعثة المينورسو، ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في السادس من سبتمبر من العام نفسه، بدت الخطة وكأنها بداية النهاية، لكن سرعان ما اتضح أن العقبة ليست في وقف إطلاق النار، بل في تحديد من يحق له التصويت، فقد ركّزت جبهة البوليساريو على معايير التعداد السكاني التي تركتها الإدارة الإسبانية، بينما وسّع المغرب دائرة الناخبين لتشمل من استوطنوا الإقليم على مدار العقود، الأمر الذي جمد كل الجهود، مرّت خمسة عشر عاما من التمديد السنوي المتكرر دون تقدم فعلي، وتحولت المينورسو إلى شاهد صامت، ظلت البعثة تراقب وقف إطلاق النار بدقة، لكنها عجزت عن تنفيذ المهمة التي أُنشئت من أجلها، وفي ربيع 2007، قدّم المغرب رسميا مقترح الحكم الذاتي، الذي يمنح الإقليم صلاحيات واسعة في إطار السيادة المغربية، واعتبره الحل الواقعي الوحيد، رفضت جبهة البوليساريو الطرح، باعتباره خروجا عن خطة التسوية، وبدأت منذ ذلك الوقت لغة قرارات مجلس الأمن تتغير تدريجيا، توقف الحديث عن الاستفتاء كأمر عاجل لإنهاء الخلاف، وبدأت الإشارة إلى مقترح الحكم الذاتي بوصفه جادا، وذي مصداقية، تحول بطيء لم يُعلن عنه صراحة، لكنه غيّر مرجعية العملية برمتها. وفي نوفمبر 2020، انهار اتفاق وقف إطلاق النار في منطقة الكركرات الحدودية؛ أعلنت جبهة البوليساريو استئناف الكفاح المسلح، ورد المغرب بعمليات عسكرية مماثلة، انتهت بذلك ثلاثة عقود من الهدنة الهشة، وجاء الدعم الأمريكي في ديسمبر 2020، حين اعترف دونالد ترامب بسيادة المغرب الكاملة على الصحراء مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لم يكن القرار ملزما قانونا، لكنه أعطى دفعة قوية لسياسة فرض الأمر الواقع، وفي أكتوبر 2025، صدر القرار 2792، الذي أعاد صياغة المرجعية السياسية للملف، ركّز على الحكم الذاتي دون أن يلغي صراحة حق تقرير المصير، كانت تلك هي الجولة الأخيرة قبل الاصطدام الكبير أمام جولات المفاوضات التي قادها المبعوث الأممي أنطونيو غوتيريش، ثم ستيفان دي ميستورا في النصف الأول من العام، لم تُثمر عن أي اتفاق على أرض الواقع، لم يلتقِ الطرفان على أرض مشتركة، وإنما ابتعدا أكثر فأكثر، ثم جاءت جلسة 30 أكتوبر التي وضعت النقاط على الحروف، لا توافق، لا تمديد، ولا عودة إلى الوراء. في تمام منتصف ليلة الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، انطفأت الأضواء التي ظلت تُشعلها بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المينورسو، على مدار خمس وثلاثين عاما، لم يكن ذلك مجرد انتهاء ولاية روتينية تُمدد كل عام بقرار رمزي، بل كان فصلا تاريخيا يُغلق بابا ظل مفتوحا على توتر لم يهدأ منذ نهاية الحرب الباردة.فشل مجلس الأمن الدولي في التوصل إلى توافق لتمديد عمل البعثة، و هو مشروع أمريكي جاء به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سعى من خلاله لقلب المعادلة بفرض خيار الحكم الذاتي كمرجعية وحيدة، أوقفته روسيا والصين بفيتو؛ وطالبتا بتميد تقليدي لبعثة المينورسو، فلم ينل سوى ثلاث أصوات، رحلت المينورسو دون اتفاق أو بديل يخلفها، تاركة وراءها فراغا لا أحد يعرف كيف سيُملأ. لم يكن رحيل البعثة نتيجة مؤامرة من طرف واحد، بل كان تتويجا لتقاطع ثلاث إرادات استراتيجية، اجتمعت في لحظة واحدة لتنتهي عندها ولاية أطول بعثة أممية في التاريخ الحديث، بدأت القصة قبل أشهر، حين أعدّت واشنطن (المهندس الخفي للاغتيال)، مشروع قرار لم يكن مجرد تمديد، بل إعادة كتابة كاملة لولاية البعثة، حيث تم تغيير الاسم من بعثة الاستفتاء، إلى بعثة الدعم السياسي، وحذف الإشارات الصريحة إلى استفتاء تقرير المصير، وجعل خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب عام 2007، هي الأساس الوحيد للحل السياسي، استخدمت روسيا والصين حق النقض ضد المشروع، فامتنعت الولايات المتحدة للمرة الأولى في تاريخ الملف عن الموافقة على أي تمديد مؤقت بالصيغة القديمة، وبعبارة صريحة، فضلت واشنطن رحيل البعثة على بقائها بصلاحيات لا تخدم رؤيتها للحل، كان قرارا محسوبا يقضي بتحويل الملف من مسار تقرير المصير، إلى مسار فرض الأمر الواقع، ولم يكن الموقف الروسي مجرد رد فعل عابر، فقد قدمت موسكو مشروعها الخاص بتمديد الولاية لعام كامل دون أي تعديل، متوقعة أن تُجبر الدول الغربية على التفاوض، لكن النتيجة لم تكن حسب توقعاتها؛ فقد صوتت الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وأكثر من نصف أعضاء المجلس ضده، هكذا مارست روسيا الفيتو المزدوج، منعت من خلاله الحل الذي يميل لصالح المغرب، وفشلت في الحفاظ على الوضع القائم، ووراء هذا الموقف تكمن حسابات أوسع، رغبة موسكو وبكين في إظهار عدم انفراد واشنطن بملفات العالم، ومحاولة لعب دور الوسيط المتوازن، ووقوفهما ضمنيا مع التوجه التاريخي للجزائر في الحث على استفتاء تقرير المصير.
ظلت الرباط لسنوات عديدة تضغط لتعديل صلاحيات المينورسو دون أن تطالب برحيلها، لكن التحول جاء تدريجيا مع تزايد الاعتراف الدولي بخطة الحكم الذاتي، وأصبح وجود البعثة رمزيا أكثر منها أداة ضغط، أصدرت الخارجية المغربية بيانا وصفت فيه رحيل البعثة بأنه نهاية لمرحلة التدويل التي طال أمدها، وأكدت المضي قدما في تطبيق نموذج الحكم الذاتي، تأمل الرباط أن تكون المرحلة القادمة في تاريخ علاقتها بالصحراء الغربية لا تعتمد على وصاية خارجية، بينما لن تتخلى جبهة البوليساريو عن حقها في تقرير المصير، مايجعل الحل السلمي قد يكون أكثر تعقيدا. إن غياب بعثة المينورسو لا يعني بأي حال نهاية الأزمة، بل هو بداية طريق مسدود يحمل عدة مخاطر، نستعرض هنا أربعة سيناريوهات مرتقبة في المنطقة:
السيناريو الأول: الهدنة دون جهة ضامنةلا حرب شاملة ولا حل نهائي، يبقى الموقف كما هو، المغرب يُعزز وجوده الميداني، والبوليساريو يحتفظ بقواته في المناطق النائية ومخيمات تندوف، وتستمر التصريحات الحادة دون تحولها إلى عمليات كبرى، ينقل الملف تدريجيا من مجلس الأمن حيث يتحكم الفيتو، إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث لا دولة تستطيع منع إصدار القرارات، وهنا تستمر التأكيدات الدولية على حق تقرير المصير، لكن دون أي آلية تنفيذية ميدانية واضحة، ثم يصبح الوضع مجمدا لعقود، تتآكل خلاله الشرعية الدولية القديمة، دون أن تُستبدل بشرعية جديدة، وتتحول قضية الصحراء الغربية إلى نزاع طويل الأمد، يشبه نزاعات أخرى لم تجد طريقها إلى الحل بعد.
السيناريو الثاني : العودة إلى المواجهة المسلحةفي غضون أيام من رحيل البعثة، أعلنت جبهة البوليساريو استئناف العمليات العسكرية وقصفت مواقع للجيش المغربي، وفي ظل غياب مراقب محايد، قد يؤدي أي خطأ ميداني أو رد فعل مبالغ فيه إلى انزلاق القوات العسكرية في مواجهة مفتوحة، وهنا تكمن الخطورة، فإذا امتدت العمليات إلى مناطق الإمداد داخل الأراضي الجزائرية، أو تعرضت مخيمات اللاجئين للقصف، قد لا تبقى الجزائر على الحياد، و يتحول الصراع من نزاع محلي إلى نزاع إقليمي يغير معادلات الأمن في شمال إفريقيا بأكملها، وقد تفتح بابا للتدخلات الخارجية بكل ما تحمله الكلمة من انقسامات.
السيناريو الثالث: فرض الأمر الواقع وتثبيت الحكم الذاتييمضي المغرب في تطبيق نموذج الحكم الذاتي من جانب واحد، يوسّع نطاق الخدمات والاستثمارات، ويستقطب مزيدا من الاعترافات الدبلوماسية، ويُعزز الروابط الاقتصادية مع الدول المؤيدة لقراره، يتلاشى ملف الاستفتاء تدريجيا من الأجندة الدولية، ليصبح مجرد حدث قديم في تاريخ المنطقة، وفي البيانات السياسية وكتب التاريخ، لكن لأنه لا يوجد اعتراف دولي شامل بالسيادة الكاملة للمغرب على الصحراء الغربية حتى الآن؛ ولأن الجمعية العامة للأمم المتحدة ما زالت تؤكد على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بغالبية واسعة، كما أن الجزائر والبوليساريو لن تقبلا بهذا المسار، وستعملان على عرقلة أي تقدم دبلوماسي في هذا الاتجاه، مايجعل هذا السيناريو محدود على المدى القصير، لكنه قد يكتسب وزنا مع مرور الوقت، إذا استمر تآكل الاهتمام الدولي بالملف.
السيناريو الرابع: وساطة جديدة وتسوية إقليميةقد يظهر طرف ثالث، إما دولة عربية أو إفريقية أو تكتل دولي محايد، يقود مسارا تفاوضيا جديدا يربط بين تسوية الملف، واستقرار المنطقة بأكملها، لكن قد يُشترط أولا تطبيع العلاقات بين الجزائر والمغرب، فلا حل ممكن في المنطقة دون توافق بين البلدين، قد يتضمن الحل ترتيبات أمنية مشتركة، فالجزائر حريصة ألا تطبع علاقاتها مع أي كيانات مشبهوهة، على رأسها إسرائيل والإمارات، واشتراط عدم استقطاب أي قوى أمنية أجنبية للمنطقة، هذا السيناريو منخفض الحدوث في الوقت الحالي، حيث لا طرف يبدو مستعدا لتقديم تنازلات جوهرية، لكن قد يبرز هذا السيناريو كخيار تفضيلي إذا اشتدت وطأة التوتر، وتعذر استمرار الوضع القائم.
انتهى إذا عهد المينورسو بكل ما يمثله، عهد الوعد بالاستفتاء، وعهد المراقبة المحايدة، وعهد إدارة النزاع من دون حرب ومن دون سلام، لم يكن رحيلها نتيجة لانتصار طرف على آخر، بقدر ما كان نتيجة مصالح دول كبرى في المنطقة، والواضح الآن أن لا عودة إلى الوراء، فالمسار الذي ألفه العالم طوال خمس وثلاثين عاما قد أُغلق، وما سيأتي لن يُكتب في قاعات مجلس الأمن فقط، بل في الميدان، وفي العواصم الإقليمية، وفي انتفاضات الشعوب التي عانت طويلا من هذه التجاوزات، فبين خيار العودة إلى السلاح، وخيار التفاوض من جديد، تظل الكلمة الأخيرة رهينة للوقت، فالفراغ الحالي لن يكون أبديا، وانتصار المغرب في هذه المعركة -إن حدث-، قد يجر المنطقة إلى توتر غير مسبوق.


























