بوابة الجزائر الإخبارية : يمثل القرار الجزائري الأخير بإرسال وحدات عسكرية إلى النيجر، وتحديداً نحو نقاط استراتيجية مثل قاعدة “ماداما” ومحيط العاصمة نيامي، تحولاً جيوسياسياً فارقاً يعيد صياغة عقيدة الأمن القومي للبلاد خارج الحدود للمرة الأولى منذ حرب أكتوبر 1973، وهو ما أحدث هزة عميقة في الدوائر السياسية والاستخباراتية والإعلامية بباريس التي تعاني أصلاً من أزمات داخلية خانقة وتآكل متسارع لنفوذها التاريخي في الساحل الإفريقي.
وبينما تحاول وسائل الإعلام الفرنسية، من خلال استدعاء تقارير مثل ما نشرته صحيفة “إل فوليو” الإيطالية، التقليل من شأن هذه الخطوة عبر التهوين من القيمة اللوجستية لقاعدة ماداما والتركيز على صعوبة الإمداد الصحراوي، فإن هذا الخطاب الإعلامي يبدو مرآة عاكسة للحسرة والانكسار جراء طرد القوات الفرنسية وفشل عملية “برخان”، ليجد النفوذ الفرنسي نفسه مستبدلاً بحضور سيادي جزائري وشراكات إقليمية ودولية جديدة تضم إيطاليا وعناصر “فاغنر” أو الفيلق الإفريقي الروسي، مما يضع باريس وجهاً لوجه أمام حقيقة مُمرة تتمثل في خسارتها المطلقة لزمام المبادرة في حديقتها الخلفية السابقة، ويطرح التساؤل اللاذع حول ما إذا كان التقليل الإعلامي الفرنسي من أهمية قاعدة ماداما مجرد غطاء مفضوح للتغطية على مرارة الفشل الذريع لمؤسستها العسكرية في حفظ موطئ قدمها، وكيف يمكن لباريس مواصلة العزاء بوهم “عقبات الإمداد الصحراوي” متجاهلة أن خارطة النفوذ في الصحراء الكبرى قد أُعيد رسمها نهائياً لتخرج فرنسا تماماً من معادلة الأمن والطاقة في المنطقة.

في تصريح خصّ به “بوابة الجزائر”، يؤكد المحلل السياسي والعسكري إيليا مغانير أن سعي الدوائر الإعلامية والسياسية في باريس للتقليل من شأن تموضع الجيش الجزائري في قاعدة “ماداما” بحجة “وعورة الإمداد” لا يعدو كونه بكائية بائسة ومكابرة لمفلس يعجز عن تجرّع مرارة السقوط الاستخباراتي.
ويشير مغانير في حديثه لـ “بوابة الجزائر” إلى أن القاعدة التي كانت إلى الأمس القريب درة التاج لعمليات الاستعمار الفرنسي في الصحراء الكبرى، تتحول بقدرة قادر في تقارير إعلام العاصمة الفرنسية إلى نقطة هامشية لمجرد أن الراية الجزائرية ترفرف فوقها. ويبين المحلل العسكري أن تذرع باريس بصعوبة الإمداد اللوجستي هو محاولة سمجة لتبرير العجز الذريع وصدمة الطرد المهين من عملية “برخان”، ليضيف مغانير لـ “بوابة الجزائر” أن الجيش الجزائري لا يملأ فراغاً عابراً، بل يبسط سيادة دولة حدودية تحرس عمقها الإقليمي باقتدار.
وفي السياق ذاته، يوضح إيليا مغانير لـ “بوابة الجزائر” أن باريس تعاني من رهاب الاستبدال الكبير ونكبة الطرد صاغرة من حديقتها الخلفية، ليتضاعف هوان استخباراتها حين تجد الجزائر هي من ملأت الفراغ، مدعومة بشراكات إقليمية ودولية جديدة تضم إيطاليا وحضوراً روسياً، بينما أُخرجت فرنسا من المولد بلا حمص لتصحو على انهيار تام لحزامها الأمني.هروب فرنسا إلى الأضاليل وحتمية الأمن السيادي في الصحراء
وفي ذات السياق يشدد إيليا مغانير على أن باريس تواصل مكابرتها وعزل نفسها عن الواقع الجيوسياسي الجديد، متخندقة خلف تقارير إعلامية باهتة تحاول عبثاً إيهام الرأي العام الفرنسي بأن شيئاً لم يتغير.
ويرى مغانير في تصريحه لـ “بوابة الجزائر” أن الوهم لا يصنع استراتيجية، وأن خارطة الأمن والطاقة في الساحل الإفريقي قد أُعيد حفرها بالحديد والنار السيادي لتخرج فرنسا منها مكسورة الجناح.
ويؤكد المحلل العسكري لـ “بوابة الجزائر” أن محاولة الهروب للأمام عبر التهوين من الخطوات الجزائرية ليست سوى محاولة بائسة لستر عورات المؤسسة العسكرية الفرنسية التي منيت بفشل تاريخي متلاحق في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وفي ختام حديثه لـ “بوابة الجزائر”، يخلص إيليا مغانير إلى أن وسائل الإعلام الفرنسية تكتفي بتوزيع العزاء الوهمي وتبرير عجزها التاريخي، بينما تثبت الخطوة الجزائرية السيادية في ماداما أن عصر الوصاية الفرنسية قد دُفن نهائياً، وأن أمن الصحراء الكبرى اليوم يُصنع في العواصم السيادية القوية، لا في أروقة الخارجية الفرنسية المهشمة التي باتت تندب حظها خارج معادلة الطاقة والأمن في القارة السمراء.


















