مقال رأي بقلم إسماعيل مليلي كاتب وإعلامي جزائري
بوابة الجزائر الإخبارية: عندما تقدّمت مجموعة استثمارية لشراء صحيفة التلغراف البريطانية في خريف 2023، لم يكن الاسم المعلن مألوفا للكثيرين، شركة الاستثمارات الإعلامية الدولية IMI، بدى المشتري كيانا مستقلا، مدفوعا بمنطق السوق والربح التجاري، لكن لم تمضي بضعة أشهر حتى اتضح أن وراء هذا الاسم الجديد شبكة من العلاقات تربطه مباشرة بدوائر صنع القرار في أبوظبي، وتحديدا بشخص نائب رئيس الدولة منصور بن زايد، لم تكن تلك مجرد صفقة تجارية من صفقات ابو ظبي المشبوهة، بل كانت حلقة في سلسلة من التحركات التي امتدت من لندن إلى باريس فنيويورك، تدار بأسماء خاصة، وتُمول بمليارات الدولارات، وتسعى وفقا لما تكشفه البيانات إلى إعادة تشكيل الرأي العام في الدول الأكثر تأثيرا في العالم، بما ينسجم مع رؤية الإمارات السياسية، ومصالحها في المنطقة وخارجها.

خلال أقل من عقد، ضخت الإمارات ما يزيد على مليار ونصف المليار دولار في صفقات استحواذ، ومساهمات إعلامية في الغرب وحده، أعلن عن جانب منها، وبقي جانب آخر طيّ الكتمان، تنفذ جميعها عبر واجهات استثمارية لا تُظهر صلة مباشرة بحكومة أبوظبي، ما يمنحها غطاء من الاستقلالية ظاهريا، بينما تختفي الأهداف الرئيسية الاستراتيجية التي تتجاوز مبدأ الربح المادي بكثير. ففي مايو 2024، أتمت (ريدبيرد آي إم آي) المشروع المشترك بين (آي إم آي) وصندوق أمريكي، استحواذها على شركة أول ثري ميديا (All 3 Media) البريطانية للإنتاج بقيمة 1.15 مليار جنيه إسترليني، وفقا لبيان رسمي صادر عن الطرفين، ثم في مارس 2026، أعلن عن اندماجها مع مجموعة بانيهاي العالمية (BanijayGroup)، لإنشاء كيان تقدر قيمته بنحو ثمانية مليارات دولار، ليصبح بذلك أكبر شركة إنتاج مستقل للمحتوى خارج الولايات المتحدة، وفقا لما نشرته مجلة سكرين ديلي، ولم يظهر في أي من هاتين الصفقتين اسم حكومة الإمارات بشكل مباشر، بل جاءت الأسماء بصفات شركات استثمار خاصة، رغم أن (آي إم آي) نفسها مملوكة لجهات مرتبطة بدائرة الحكم في أبوظبي، كما أكد تقارير مرصد الإعلام الحكومي في بروكسل.

قبل ذلك، وفي عام 2018، دخلت الجهة نفسها كشريك في شبكة يورونيوز الفرنسية، من دون الكشف عن قيمة الحصة التي حصلت عليها، وتقدرها بعض المصادر بمبلغ يتراوح بين ثلاثين وخمسين مليون يورو، ثم في يناير 2026 ووفقا لوكالة رويترز، استكملت استحواذها الكامل على سكاي نيوز عربية، بعد شراكة استمرت أربعة عشر عاما مع المجموعة البريطانية، من دون الإعلان عن المبلغ الذي دفع لشراء الحصة المتبقية، وفي كل مرة كان الاسم التجاري هو الظاهر، والصلة بالدولة غامضة.
أمام هذا التوسّع المتسارع، يبرز سؤالا محوريا: هل هذه الاستثمارات تهدف للربح المادي فقط، أم أن وراءها غاية أعمق تتجاوز العوائد المادية؟

تقول المؤشرات أن ما ينفق لا يتناسب غالبا مع ما يتم تحقيقه من أرباح مباشرة، فالشركات التي تم الاستحواذ عليها لا تزال في مرحلة التأسيس والنمو، ومن المتوقع أن تمضي ما بين ثلاث إلى خمس سنوات قبل أن تدر عائدات واضحة، وفقا لمحللين ماليين، بينما تستمر التدفقات المالية دون انقطاع، وهذا النمط من الإنفاق يدفع للقول بأن الهدف الأساسي ليس الربح المادي في المقام الأول، بل هو الحصول على منصات تمنح صانعي القرار في أبوظبي صوتا مسموعا في العواصم التي تصنع القرارات والسياسات العالمية.
لقد ارتقت الإمارات في مؤشر براند فاينانس للقوة الناعمة من المرتبة السابعة عشرة عام 2022 إلى المرتبة العاشرة عالميا في تقرير فبراير 2026، لكن هذا الاستقرار قد يكون مؤقتا، فاستمرار تورط الإمارات في أزمات متعددة قد يخلق تناقضا يصعب إخفاؤه في السنوات القادمة، ولم يكن هذا التقدم نابعا من جاذبية ثقافية أو تاريخية عميقة، بقدر ما كان نتيجة استثمار مالي مباشر، استحوذت من خلاله على مساحات بث، ومواقع نفوذ في قلب المشهد الإعلامي الغربي، لتعرض من خلالها سردية تُصور الإمارات كمركز للاستقرار والانفتاح، ووطرفا فاعلا في معالجة القضايا الإقليمية -بما يتناسب مع مواقف أبوظبي-، سواء في الخلافات مع دول الجوار، أو في الملفات العربية والإقليمية بشكل عام. وفي السياق الإقليمي، يبدو أن لهذا الحضور الإعلامي دورا أبعد من مجرد تحسين الصورة، إذ يأتي متزامنا مع سياسات خارجية نشطة، ومحاولات بسط نفوذ في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط وأفريقيا. ويعتبر امتلاك منصات قادرة على الوصول إلى ملايين المشاهدين في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة أداة قوية لتشكيل مواقف الرأي العام الغربي تجاه النزاعات والتحولات في المنطقة، فالإمارات تحرص على أن لا يعرض إلا ما يخدم توجهاتها، وتُغفل تُقلل من شأن ما يخالفها، وهنا تبرز المخاوف من أن تستخدم هذه المنصات ليس فقط للدفاع عن سياسات الإمارات، بل للتأثير في نظرة الغرب نحو الدول الأخرى، بما يسهّل التدخل في شؤونها أو زعزعة استقرارها حين تقتضي المصالح ذلك، وقد عبر صحفيون وموظفون في بعض هذه المنصات عن قلقهم المتزايد إزاء الضغوط التي تمارس على المحتوى التحريري، ليتوافق مع خطوط عامة لا تُكتب صراحة، لكنها تُفهم ضمنا خلال الاجتماعات اليومية مع الصحفيين والمحررين. ففي يورونيوز، طالبت النقابة مرارا بضمانات مكتوبة بعدم التدخل في الشؤون التحريرية، بعد تبني القناة برامج وصفت بأنها ممولة، عن دول خليجية، وفقا لبيان النقابة في نوفمبر 2025. وفي بريطانيا، اعتبر أعضاء في مجلس اللوردات أن محاولة شراء التلغراف تمثل خطرا على استقلال الإعلام الوطني، محذرين من أن المال الخارجي لا يعطى مجانا، وإنما هو ضريبة تسترجع لاحقا من خلال التأثير في الأراء العامة والقرارات السيادية، وما يزيد خطورة هذا المسار، هو أن معظم الصفقات التي تقوم بها أبو ظبي، تُنفذ عبر شركات مسجلة في مناطق لا تفرض إفصاحا صارما عن هويات الممولين الحقيقيين، مما يجعل تتبع مسارات الأموال أمرا بالغ الصعوبة، حتى للجهات الرقابية نفسها.
(آي إم آي) شركة خاصة غير ملزمة بنشر ميزانيتها، ولا أحد يعرف بدقةٍ حجم ما أنفقته، أو مصدر تدفقاتها المالية، وكما يقول محللون متخصصون، أن هذا الغموض المتعمد، ليس مجرد تقنية قانونية فحسب، بل هو غطاء يسمح لجهات في الدولة بتوجيه دفة الاستثمار الإعلامي دون أن تظهر بصمتها مباشرة، فإذا ما أثمرت الصفقة، كان العائد المادي والمعنوي للشركة الخاصة، وإذا ما أثارت الجدل، يعزى الأمر إلى أنه مسعى تجاريا لا علاقة له بالسياسة، لكن الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها هي أن هذه الشبكة من الأسماء المستعارة والواجهات المتداخلة، والتي تشكل في مجملها قوة ناعمة لا تملكها دولة أخرى بحجم الإمارات، فكل استثمار جديد، وكل حصة تُشترى، وكل قناة تُؤسس، هو خط إضافي في خريطة نفوذ تمتد لتشكل الرأي العام حيث يتخذ القرار، ولترسم صورة للمنطقة كما تراها أبوظبي، وليس كما هي عليه بالفعل.
لقد انتهجت الإمارات استراتيجية واضحة المعالم، فهي لا تدير الإعلام الدولي من الخارج كما تفعل الدول الأخرى، بل تشتري جزءا منه، ثم تدمجه في نسيجها الاستراتيجي بأسماء لا تثير الريبة، وما زالت الحلقات تُضاف واحدة تلو الأخرى، في ظل غياب رقابة فعالة أو إفصاح حقيقي، ليبقى السؤال الأكبر؛ إلى أي مدى سيسمح العالم لهذه الخيوط الخفية بأن تعيد نسج سرديته الواقعية وعرضه للعالم بعيون اماراتية!
نعلم جميعا أن الامارات دعمت أطرافا عسكرية وسياسية متنافسة، وغذّت الانقسام عبر تحالفات متغيرة، بدعوى مواجهة التطرف أو حفظ الاستقرار، بينما الهدف الحقيقي كان تأمين موطئ قدم استراتيجي على الساحل المتوسطي، والتحكم في مسارات النفط والغاز والطرق التجارية التي تربط إفريقيا بأوروبا، ففي السودان، تدخلت مبكرا في مرحلة ما بعد تغيير النظام، وراهنت على قوى عسكرية بعينها، وساهمت في إضعاف المسارات المدنية والانتقالية، لتبقى السودان في حالة هشاشة دائمة، تُمكن أبوظبي من التحكم بثرواته وموقعه الجغرافي، وتمنع قيام نظام قوي ينافسها على سيادة البحر الأحمر. أما في اليمن، فقد انخرطت ابو ظبي ضمن تحالفات عدة، ثم انفردت بدعم فصائل في الجنوب والشرق، وفرضت نفوذا على الموانئ والممرات المائية الحيوية، فالمصلحة الحقيقية لم تكن إعادة شرعية، أو مواجهة جماعات مسلحة، بقدر ما كانت ضمان السيطرة على مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين الملاحة الدولية، ومنع أي قوة إقليمية أخرى من السيطرة عليه. وفي إفريقيا، امتدت الاستثمارات الاماراتية لتقترن بشراكات اقتصادية وعسكرية ظاهرها بناء موانئ ومشاريع تنموية، وباطنها السيطرة على مصادر المعادن والطاقة، وتثبيت وجود عسكري خفي يمنح الإمارات حق التدخل في أي لحظة لحماية خطوطها الاقتصادية ومصالحها، وحتى في المغرب، تراوح الموقف بين دعم وتقارب وتحالفات مزيفة، حيث وُطفت العلاقات لتحقيق نفوذ في منطقة المغرب العربي، وللتأثير في ملفات الخلاف الإقليمي بما يخدم رؤية أبوظبي للمنطقة.
إن السبب الجوهري إذا وراء كل الاستثمارات الاماراتية، سواء ما يُبذل في الإعلام أو ما يُنفذ على الأرض، لا يقتصر على جمع ثروة أو تحسين صورة، بل هو سعي ممنهج لفرض نموذج نفوذ جديد، نموذج لا تقوم فيه أي منطقة على نظام قوي ومستقر ذو سيادة، بل على كيانات هشة، منقسمة، تُدار من الخارج عبر أدوات محلية تُمول وتُوجه، لتصبح الإمارات بذلك هي اللاعب الرئيسي، وسيدة القرار والخيار في مساحات شاسعة، تمتد من سواحل المتوسط إلى أعماق القارة الإفريقية، وبوابات البحر الأحمر، وهنا تبرز خطورة ما يُبثّ عبر تلك المنصات الإعلامية التي تمتلك الامارات أغلبها، فهي لا تُخبر المشاهد بما يجري حقا، بل تُعيد صياغة الوقائع لتُصور هذا التدخل المدمر بأنه مسعى امارتيا للاستقرار والتنمية.















