مقال رأي بقلم الكاتبة والباحثة الليبية آمنة الفرجاني
بوابة الجزائر الإخبارية : لم تكن مغادرة خليفة حفتر للمشهد السياسي والعسكري مجرد انسحاب طبيعي فرضته سنين العمر، بل إعلاناً عن انكسار مشروع فرضه الاتفاق العسكري المبرم. يطوي الرجل اليوم حقائبه متوجهاً برفقة زوجته رانيا حنيش إلى منفاه الأخير في ضاحية “تلال الإمارات” بمدينة دبي، ليتبدل صخب السلاح بهدوء الفيلات الفارهة، بعد أن وافق على مقترح ظل يرفضه لسنوات، بحثاً عن أمن شخصي ورعاية صحية تبعده عن أعين المنتقمين، ومخلفاً وراءه بلاداً أثقلتها الحروب.

هذا الخروج العاجل جاء مدفوعاً بصيغة الاتفاق العسكري الأخير بين الشرق والغرب، والذي قضى صراحة بإنهاء صفة القائد العام وتصفية القيادة العامة” بشكلها الحالي.
لقد أزاح الاتفاق الجيل القديم ليستبدله بمجلس قيادة عسكري جديد يتشارك رئاسته نجله الأصغر، صدام حفتر، مع عبد السلام الزوبي بتمثيل متساوٍ بين الأقاليم، وهو الترتيب الذي جرد المشير من أدوات القوة، ودفع به خارج الحسابات الميدانية تماماً، ليتنحى تاركاً الساحة

ويرتبط هذا المشهد الختامي بروابط وثيقة مع البدايات؛ فقبل نحو 12 عاماً، وتحديداً في فبراير 2014، أعلن حفتر في بيان متلفز تجميد الإعلان الدستوري وحل المؤتمر الوطني، في خطوة ارتجالية دشنت لسنوات من النزاع الدموي. ومنذ ذلك الإعلان، انزلقت البلاد في أتون حروب مدمرة وحصارات للمدن كلفت الليبيين آلاف الأرواح والبنى التحتية، من بنغازي ودرنة وصولاً إلى الهجوم على العاصمة طرابلس عام 2019، وهي المغامرات التي لم تورث البلاد سوى تعميق الشرخ المجتمعي والمؤسساتي، لتنتهي اليوم على طاولات المفاوضات الإقليمية.
هذه النهاية المأزومة تُعيد إلى الأذهان فصولاً قديمة من سيرة الرجل وعلاقته التاريخية بالاستخبارات الدولية؛ فمنذ انشقاقه في أعقاب حرب تشاد نهاية الثمانينيات، واحتضان وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) له في فرجينيا لقرابة عشرين عاماً، ظل يُنظر إليه كأحد الأوراق الخارجية لتحريك صراعات النفوذ. هذه التبعية والعمالة التاريخية هي ذاتها التي جعلت من مشروعه رهينة مستمرة للضوء الأخضر الخارجي، حتى استنفد أدواره وتحول من ورقة استراتيجية إلى عبء سياسي وعسكري جرى الاستغناء عنه بمجرد تبدل مصالح الكبار.
يغلق حفتر اليوم خلفه أبواب المقرات العسكرية في الرجمة، ويفتح أبواب قصره الجديد في دبي محملاً بحقيبة أدويته وتاريخ حافل بالانقسامات. إن هذا التقاعد الإجباري يثبت مجدداً أن المشاريع التي تبنى على حكم الفرد الواحد والحلول العسكرية سرعان ما تتلاشى أمام توافقات المصالح الدولية، ليرحل حفتر بجسده وتاريخه المشبع بالولاءات الخارجية، تاركاً الساحة الليبية أمام تساؤلات معقدة حول مدى قدرة الهياكل العسكرية المستحدثة ومجلس القيادة المشترك على ترميم ما دمرته سنوات الحرب.















