بوابة الجزائر الإخبارية : في وقت تمضي فيه الجزائر وتونس نحو تعزيز التنسيق لمواجهة تحديات أمنية وإقليمية مشتركة، اختارت بعض الأصوات السياسية التونسية قراءة هذا التقارب من زاوية “الوصاية” والمساس بالسيادة. وفي مقدمتها وسام الصغيّر، الناطق باسم الحزب الجمهوري، الذي دعا إلى “تصحيح” العلاقة مع الجزائر، لتعود بذلك نغمة التشكيك في التقارب بين البلدين إلى الواجهة، وسط تساؤلات حول خلفيات هذا الخطاب وتوقيته.ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين وجود انتقادات ومخاوف حقيقية لدى جزء من الساحة السياسية والإعلامية التونسية، وبين الجزم بوجود “حملة منظمة” تقف وراءها جهة إقليمية بعينها؛ فالمصادر المتاحة تثبت وجود سجال حول العلاقة مع الجزائر، لكنها لا تكفي وحدها لإسناد هذا السجال إلى مخطط إقليمي محدد.وهو ما يفتح النقاش حول سؤالين أساسيين: من يقف وراء الخطاب الذي تسوقه بعض الأطراف التونسية للتشويش على العلاقة بين الجزائر وتونس، وهل يتعلق الأمر بخلاف تونسي داخلي حول السياسة الخارجية أم بتقاطعات مع مصالح إقليمية أوسع؟ ولماذا قد تكون هناك أطراف إقليمية لها مصلحة في إضعاف التقارب الجزائري التونسي.
وفي هذا السياق أكد الباحث والأستاذ الجامعي التونسي في العلوم الجيوسياسية والاستراتيجيات، رافع الطبيب، ” لبوابة الجزائر “أن قدرة الجزائر على بناء علاقات متوازنة مع قوى دولية متنافسة لا يمكن اختزالها في منطق البراغماتية الظرفية، وإنما ترتبط، وفق قراءته، بعقيدة دبلوماسية وسيادية تشكلت تاريخيا، وجعلت الجزائر حريصة على استقلال قرارها وعدم ربط مستقبلها بمحور دولي واحد.وقال رافع الطبيب، في تصريح لـ”بوابة الجزائر”، إن الجزائر قرأت جيدا التحولات والانهيارات التي أصابت عددا من الدول التي ربطت مستقبلها بمحاور محددة، خاصة بعد سقوط جدار برلين وما أعقب ذلك من أزمات مست شعوبا وأنظمة، مشيرا إلى أن هذه التجارب عززت لدى الجزائر أهمية الحفاظ على استقلالية القرار وعدم الارتهان للاستقطابات الدولية.وأوضح الطبيب لـ”بوابة الجزائر” أن السياسة الخارجية الجزائرية، لم تُبن فقط على البراغماتية والعقلانية في إدارة المصالح، وإنما استندت كذلك إلى منظومة من القيم والمبادئ المستمدة من الإرث التاريخي للبلاد، وفي مقدمتها التمسك بالسيادة الوطنية، واستقلال القرار، واحترام سيادة الدول، والالتزام بقواعد واضحة في العلاقات بين الأمم.

ويرى رافع الطبيب أن هذا النهج هو ما يسمح للجزائر اليوم بالحفاظ على علاقات متقدمة مع أطراف دولية تقف أحيانا على طرفي نقيض في ملفات كبرى، مضيفا أن كلا من الولايات المتحدة وروسيا تتعاملان مع الجزائر انطلاقا من إدراكهما لطبيعة مواقفها واستقلالية قرارها، حتى عندما توجد اختلافات بينها وبين أي من القوتين في بعض القضايا الدولية.وأضاف الطبيب أن من بين عناصر قوة الخطاب الدبلوماسي الجزائري، حسب تقديره، عدم وجود فجوة كبيرة بين المواقف المعلنة داخليا وتلك التي تدافع عنها الجزائر خارجيا، معتبرا أن هذا الثبات جعل القوى الدولية تنظر إلى مواقف الجزائر باعتبارها جزءا من استراتيجية طويلة المدى وليست مجرد محاولة للتموقع الظرفي داخل صراعات النفوذ الإقليمية والدولية.إرث دعم حركات التحرروفي حديثه عن العمق التاريخي لهذا التوجه، أكد رافع الطبيب لـ”بوابة الجزائر” أن الجزائر راهنت منذ الثورة التحريرية على البعد الكوني لحركات التحرر وحق الشعوب في الاستقلال، وخاصة الشعوب الإفريقية، دون التمييز بينها على أساس هوية القوة الاستعمارية التي كانت تسيطر عليها.وبحسب الطبيب، فإن تمسك الجزائر بهذه المواقف، وما تحمّلته نتيجة وقوفها إلى جانب حركات التحرر ومناهضة مشاريع الاستعمار الجديد، ساهم في بناء رصيد من المصداقية السياسية والدبلوماسية، خاصة لدى عدد من دول إفريقيا والجنوب العالمي.
ويشير الباحث التونسي أن هذا الرصيد التاريخي يفسر، من وجهة نظره، تطلع بعض القوى الدولية إلى اضطلاع الجزائر بأدوار أكبر في الوساطات وتسوية الأزمات، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وصلاتها الإفريقية وقدرتها على التواصل مع أطراف دولية مختلفة.
واعتبر الطبيب أن ما وصفه بـ”مقبولية الجزائر دوليا” يختلف عن منطق التقارب الدبلوماسي الظرفي، مشيرا إلى أن الجزائر تسعى إلى تحويل استقلالية قرارها إلى قدرة على الفعل الجيوسياسي والمساهمة في بناء مقاربات إقليمية تقوم على الأمن والتنمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وأضاف رافع الطبيب أن هذه العناصر تدفع، في قراءته، إلى الحديث عن تنامي الوزن الإقليمي للجزائر، بالتزامن مع التحولات التي تشهدها منطقة المغرب العربي والساحل وتراجع أنماط النفوذ التقليدية لبعض القوى الخارجية.أطراف تحاول ضرب العلاقة الجزائرية التونسيةوعن الجدل الذي تثيره بعض الأصوات في تونس وليبيا بشأن الدور الجزائري، قال رافع الطبيب لـ”بوابة الجزائر” إن التحولات الجيوسياسية الجارية في المنطقة تتزامن مع تراجع نفوذ قوى استعمارية تقليدية، معتبرا أن فرنسا تسعى، بحسب تحليله، إلى تغيير أدوات ومجالات المنافسة مع الجزائر.
وذهب الطبيب إلى القول إن بعض صفحات التواصل الاجتماعي في تونس وليبيا تعمل على تقديم الجزائر باعتبارها قوة تسعى إلى الهيمنة على جوارها، معتبرا أن هذا الخطاب يقلب، من وجهة نظره، مفهوم التكامل الإقليمي ويصور أي تقارب بين دول المغرب العربي باعتباره محاولة جزائرية لتوسيع النفوذ على حساب سيادة الدول الأخرى.
وفي السياق ذاته، رأى رافع الطبيب أن مواقف الجزائر من القضية الفلسطينية، إلى جانب رفضها ما تعتبره تدخلات خارجية في أمن المنطقة، ودورها التاريخي في مكافحة الجماعات الإرهابية، عززت صورتها لدى قطاعات من الرأي العام باعتبارها شريكا إقليميا يتمسك بمجموعة من المبادئ الثابتة.وبخصوص الحملات المتداولة عبر بعض المنصات، اعتبر الطبيب أن شبكة المواقع والصفحات التي تهاجم الجزائر لا تتمتع، بحسب تقديره، بتأثير واسع داخل الأوساط الشعبية التونسية، مضيفا أن بعض الشخصيات الدبلوماسية السابقة التي تنتقد العلاقة الجزائرية التونسية تمثل، في رأيه، تيارا محدودا ولا تعكس بالضرورة مواقف شرائح واسعة من المجتمع أو النخب التونسية.
كما اتهم رافع الطبيب بعض هذه الشخصيات بوجود ارتباطات سياسية مع المغرب، وهو توصيف يندرج ضمن تقييمه الشخصي للمشهد السياسي، معتبرا أن الخطاب الصادر عنها يستهدف، في نهاية المطاف، التشكيك في طبيعة العلاقة بين الجزائر وتونس وإثارة المخاوف من التقارب بين البلدين.”محور قرطاج–المرادية مشروع سيادي إقليمي”وفي قراءته لمستقبل العلاقات الجزائرية التونسية، وصف رافع الطبيب لـ”بوابة الجزائر” ما سماه “محور قرطاج–المرادية” بأنه يتجاوز مجرد قنوات التواصل التقليدية بين دولتين جارتين، ويرى فيه نواة لمشروع تعاون سيادي إقليمي يمكن أن يمتد مستقبلا نحو بقية دول الجوار المغاربي وإلى العمق الإفريقي في الساحل والصحراء.و
واعتبر الطبيب أن تعزيز التنسيق بين الجزائر وتونس، خصوصا في المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية، يمكن أن يساهم في بناء مساحة إقليمية أكثر قدرة على مواجهة مخاطر عدم الاستقرار والتحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة.
وختم رافع الطبيب إلى أن الرهان على إضعاف العلاقة بين الجزائر وتونس يرتبط، في تحليله، بخشية بعض القوى من تشكل محور إقليمي أكثر استقلالية في قراراته، معتبرا أن هذا ما يفسر السعي المحموم لضرب التقارب بين البلدين من الداخل والترويج لفكرة وجود “مشروع هيمنة جزائري”، وهي أطروحة يرفضها الطبيب ويرى أنها تتعارض مع طبيعة المشروع الإقليمي الذي تدافع عنه الجزائر وتونس.













