بوابة الجزائر الإخبارية: مرة أخرى، تتصرف بعض غرف التحرير الباريسية كما لو أن الجزائر ما تزال ملفًا داخليًا فرنسيًا يمكن العبث بتوازناته، وانتقاء المتحدثين باسمه، ومنح شهادات «الديمقراطية» لكل من يعلن خصومته للدولة الجزائرية. هذه المرة جاء الدور على صحيفة «ليبيراسيون» التي اختارت أن تفتح صفحاتها أمام رواية عنصرين محسوبين على حركة «الماك»، يقيمان في المغرب، ثم تغلف انتماءهما الانفصالي بمشهد إنساني مصطنع صُمم لاستدرار التعاطف قبل عرض الحقائق.

يفتتح المقال الفرنسي حكايته بسريرين وبعض الملابس وثلاجة وقارورة غاز، في بناء سردي لا يحتاج إلى كثير من الذكاء لكشف وظيفته. فالقارئ يُدفع أولًا إلى رؤية شخصين بائسين يعيشان في ظروف صعبة، قبل أن يعرف طبيعة الحركة التي ينتميان إليها، أو علاقتها بالمشروع الانفصالي الذي يستهدف وحدة الجزائر، أو سبب احتضانهما من طرف المغرب في ذروة عدائه السياسي والأمني للجزائر.
ليست تلك صحافة تبحث عن الحقيقة، بل عملية تجميل سياسي تبدأ من ترتيب الأثاث وتنتهي بتبييض الانفصال. وحين تُخفى هوية المشروع خلف بطانية وقارورة غاز، تتحول التفاصيل المنزلية إلى أدوات دعائية، ويصبح البؤس المفترض بطاقة عبور تمنع مساءلة الشخصيات التي يقدمها المقال في ثوب الضحية.
المشكلة ليست في وصف ظروف إقامة الرجلين، ولا في حق أي صحيفة في إجراء مقابلة معهما، وإنما في بناء رواية تحذف عمدًا نصف الوقائع. فهما ليسا مجرد لاجئين تائهين في الدار البيضاء، بل ناشطان محسوبان على حركة انفصالية صنفتها الجزائر منظمة إرهابية سنة 2021. كما أن وجودهما في المغرب لا يمكن فصله عن توظيف نظام المخزن لحركة «الماك» ضمن خصومته المفتوحة مع الجزائر.
وعندما تتجاهل «ليبيراسيون» هذا السياق، ثم تستبدله بحكاية عاطفية عن الغربة والفقر، فهي لا تنقل حدثًا، بل تؤدي وظيفة سياسية واضحة: نزع الطابع الانفصالي عن الحركة، ومنح عناصرها شرعية أخلاقية، وتقديم المغرب في صورة الملجأ الإنساني بدل مساءلته عن أسباب احتضان ناشطين يعملون ضد وحدة بلد جار.
أما الادعاء بأن المقال مجرد مادة إنسانية مستقلة، فيصعب ابتلاعه. فالدار البيضاء ليست محطة لجوء محايدة، والمخزن ليس جمعية خيرية، واحتضان عناصر «الماك» لا يجري خارج حسابات الصراع الإقليمي. ولذلك يصبح السؤال الذي تهربت منه الصحيفة هو الأكثر أهمية: لماذا يفتح المغرب أراضيه وواجهاته الإعلامية لتنظيم انفصالي يستهدف الجزائر؟ ولماذا تتكفل صحيفة فرنسية يسارية بإعادة تغليف هذه الاستضافة سياسيًا وأخلاقيًا؟

تتقاطع المصالح هنا في صورة شديدة الوضوح. يمنح المخزن الملجأ والمنصة، وتقدم الصحافة الفرنسية غطاء «حقوق الإنسان»، بينما يحصل الانفصالي على صورة «المعارض الديمقراطي». أما الدولة الجزائرية، فتُدفع مرة أخرى إلى قفص اتهام صُنع في باريس، اعتمادًا على مادة أولية وصلت من الرباط.
ليست هذه الآلية جديدة داخل جزء من اليسار الفرنسي. فحين يتعلق الأمر بالجزائر، تتعطل لديه معايير التمييز بين المعارضة السياسية والمشروع المتطرف، وتتحول الخصومة مع الدولة الجزائرية إلى شهادة ديمقراطية تُمنح آليًا لأي جماعة ترفع شعار العداء لها. يصبح الإسلامي المتشدد «معارضًا»، والانفصالي «مناضلًا»، والمتعاون مع خصوم الجزائر «لاجئًا»، بينما تختفي الأسئلة المتعلقة بالأيديولوجيا والتمويل والتحالفات والغاية السياسية.
وبهذا المنطق، لا يعود ضروريًا أن يكون الخصم ديمقراطيًا بالفعل؛ يكفي أن يكون ضد الجزائر. ولا يشترط أن يدافع عن وحدة المجتمع أو الدولة؛ يكفي أن يوفر مادة لمهاجمة مؤسساتها. أما إذا احتضنه المغرب وفتح له أبوابه، فلا ترى بعض المنابر الفرنسية في ذلك تضاربًا يستحق التحقيق، بل تفصيلًا يمكن إخفاؤه خلف بضعة أثاث منزلي.
لقد مارست دوائر فرنسية النهج نفسه خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما تعاملت بقدر لافت من التساهل السياسي والإعلامي مع شبكات محسوبة على الحركة الإسلامية الجزائرية. واتخذت مؤسسات اللجوء الفرنسية آنذاك قرارات فرقت بين الانتماء إلى «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» والمشاركة المثبتة في أعمال العنف، وهو فصل يستند قانونيًا إلى دراسة المسؤولية الفردية، لكنه تحوّل سياسيًا وإعلاميًا لدى بعض الأوساط إلى ستار حجب خطورة الشبكات المتطرفة التي كانت تتمدد داخل أوروبا.
ولا يجوز اختزال الإرهاب الذي ضرب فرنسا لاحقًا في قرار لجوء واحد أو تحميله بصورة آلية لتيار سياسي بعينه؛ فالتطرف ظاهرة مركبة ارتبطت بشبكات عابرة للحدود ومسارات تجنيد وتمويل متعددة. غير أن ذلك لا يلغي حقيقة أن الجزائر حذرت مبكرًا من منح الإسلاموية المتطرفة منصات وحرية حركة تحت عنوان حماية «المعارضة السياسية»، بينما اختارت أوساط فرنسية كثيرة التعامل مع التحذير الجزائري باستعلاء وشك.
ثم دفعت فرنسا نفسها ثمن الوهم الذي شاركت في صناعته. ففي ديسمبر 1994، اختطف أربعة إرهابيين من الجماعة الإسلامية المسلحة طائرة الخطوط الجوية الفرنسية رقم 8969، قبل أن تنتهي العملية بتدخل قوات الدرك الفرنسية في مطار مرسيليا. وتؤكد الرواية الرسمية للدرك الفرنسي أن المهاجمين كانوا من عناصر الجماعة الإسلامية المسلحة وأنهم احتجزوا ركاب الطائرة قبل القضاء عليهم في عملية الاقتحام.
وفي 1995، ضربت موجة تفجيرات باريس ومناطق فرنسية أخرى، وكان أكثرها دموية اعتداء محطة سان ميشال الذي أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 117 آخرين. وتبين لاحقًا أن فرنسا لم تكن محصنة من الشبكات التي ظن بعض ساستها وإعلامييها أنها تستطيع مراقبتها أو استثمار وجودها للضغط على الجزائر.
بعد ذلك بسنوات، اتخذ التطرف أشكالًا جديدة، والتحق عدد كبير من المتطرفين القادمين من أوروبا بتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في العراق وسوريا، قبل أن تواجه فرنسا موجة اعتداءات دامية خلال 2015 و2016. ولم تكن هذه الأحداث استمرارًا تنظيميًا مباشرًا للجبهة الإسلامية للإنقاذ، لكن الرابط السياسي بينها يكمن في خطأ فرنسي متكرر: التقليل من شأن التطرف عندما يبدو موجهًا إلى الخارج، ثم اكتشاف خطره بعد أن يعود إلى الداخل.

الجزائر فهمت هذا الدرس قبل فرنسا، لأنها دفعته دمًا. واجهت الإرهاب وحيدة في مرحلة كانت فيها أصوات باريسية تمنح المتطرفين صفات المعارضة السياسية، وتشكك في مؤسسات الدولة التي كانت تقاتل من أجل بقائها. وبينما كان الجزائريون يشيعون ضحايا المجازر، كانت بعض الصالونات الفرنسية تناقش كيفية الضغط على الجزائر باسم الديمقراطية، كما لو أن السكين التي تذبح المدنيين يمكن أن تتحول إلى أداة سياسية محترمة بمجرد عبورها استوديو فرنسيًا.
واليوم، يعاد إنتاج الآلية نفسها مع «الماك»، وإن تغيرت الأيديولوجيا والأدوات. حل الانفصال العرقي محل الإسلاموية السياسية، وتبدلت الأسماء والواجهات، لكن القاعدة الفرنسية القديمة بقيت ثابتة: كل قوة يمكن استخدامها ضد الدولة الجزائرية تستحق التلميع، ولو حملت مشروعًا يمس وحدة البلاد.
ولا تعني المقارنة بين «الفيس» و«الماك» التطابق الفكري أو التنظيمي بينهما، بل تكشف تطابق الوظيفة التي تريد بعض الدوائر الخارجية إسنادها إليهما: تشكيل أداة ضغط على الدولة الجزائرية، ثم تقديمها إلى الرأي العام الفرنسي في صورة بديل ديمقراطي أو ضحية سياسية. فالهدف ليس فهم المجتمع الجزائري، وإنما البحث عن نقطة كسر داخله.
وتبلغ المفارقة ذروتها عندما تنحاز صحيفة تصنف نفسها ضمن اليسار إلى حركة تقوم على فصل جزء من الشعب الجزائري عن دولته، وتجد لنفسها مكانًا داخل استراتيجية نظام مغربي لا يشتهر باحترام حق تقرير المصير عندما يتعلق الأمر بالشعب الصحراوي. فالمخزن الذي يحتل الصحراء الغربية ويقمع المدافعين عن استقلالها يتحول فجأة إلى حامٍ لحقوق «الشعوب» داخل الجزائر، بينما تتطوع «ليبيراسيون» لتسويق المسرحية.

إنه نفاق سياسي لا يحتاج إلى تفكيك معقد. حق تقرير المصير يصبح مقدسًا عندما يُستخدم ضد الجزائر، ومرفوضًا عندما يطالب به الصحراويون. الانفصالي الذي تحتضنه الرباط يتحول إلى مناضل، أما الصحراوي الذي يقاوم الاحتلال المغربي فيُحذف من الصورة. وتلك ليست ازدواجية معايير عابرة، بل توزيع للأدوار بين مخزن يحتاج إلى ورقة معادية للجزائر ومنبر فرنسي مستعد لإلباسها لغة حقوقية.
وتكشف هذه الواقعة أيضًا ضآلة الرؤية التي ما تزال تحكم جزءًا من النخبة الفرنسية. فباريس التي فقدت معظم نفوذها في إفريقيا لم تستخلص الدرس، وما تزال بعض دوائرها تتصرف وكأن مقالًا في صحيفة أو منبرًا لانفصالي قادر على تغيير موازين القوة داخل الجزائر. إنها سياسة تعويضية لدولة تراجع حضورها الفعلي، فصارت تحاول استعادة وهم القوة عبر صناعة أصوات هامشية وتضخيمها.
فرنسا الرسمية والإعلامية تستطيع أن تمنح ناشطي «الماك» صفحات وبرامج وإقامات، لكنها لا تستطيع منحهم قاعدة شعبية داخل الجزائر. كما يستطيع المخزن توفير الشقق والحماية والمنصات، لكنه لا يستطيع تصنيع شرعية لا وجود لها. فالهوية الجزائرية ليست مادة يحررها صحفي في باريس، ووحدة البلاد ليست بندًا قابلًا للتعديل في مكتب تابع للمخابرات المغربية.
وتكمن سذاجة هذه الحملات في اعتقاد أصحابها أن تكرار صورة «المعارض المضطهد» يكفي لإخفاء المشروع السياسي الذي يحمله. غير أن الجزائريين يميزون بين معارضة وطنية تختلف مع السلطة داخل إطار الدولة، وبين حركة تنقل نشاطها إلى بلد معادٍ وتبحث عن حماية لدى نظام يستخدم الانفصال سلاحًا ضد الجزائر.
كما يدركون أن منطقة القبائل ليست ملكًا لفرحات مهني ولا لحركته، وأن تاريخها الوطني أكبر من أن تختزله مجموعة تقيم في باريس أو الدار البيضاء. فقد كانت المنطقة في قلب المقاومة والثورة وبناء الدولة الجزائرية، ولا يستطيع انفصاليون مهما تضخمت مساحاتهم الإعلامية مصادرة انتمائها الوطني أو التحدث باسم سكانها.
أما «ليبيراسيون»، فقد كان بإمكانها ممارسة الصحافة فعلًا: أن تسأل عن علاقة الرجلين بالمشروع الانفصالي، وعن سبب وجودهما في المغرب، وطبيعة الدعم الذي يتلقيانه، ومصلحة الرباط في احتضانهما، وموقفهما من وحدة الجزائر، والتناقض بين دعم المخزن للانفصال داخل الجزائر ورفضه تقرير المصير في الصحراء الغربية. لكنها اختارت الطريق الأسهل: مرتبتان وثلاجة وقارورة غاز، ثم سيل من العاطفة يغطي الأسئلة المحرجة.
وعندما تتخلى صحيفة عن الأسئلة الأساسية خدمةً لرواية جاهزة، تصبح جزءًا من الحدث لا ناقلًا له. وحين تتقاطع مادتها مع مصالح دولة تناصب الجزائر العداء، يصبح الحديث عن البراءة التحريرية إهانة لعقل القارئ. فالصحافة لا تُقاس بجمال السرد، بل بما تكشفه؛ وما فعلته «ليبيراسيون» هو حجب السياق لتسويق الضحية التي اختارتها مسبقًا.
لقد جرّبت أوساط فرنسية الرهان على الإسلاموية ضد الجزائر، وانتهت إلى اكتشاف أن التطرف لا يحترم حدود الراعي ولا حساباته. واليوم تجرب الرهان على الانفصال، متوهمة أن تغيير الأداة سيغير النتيجة. غير أن الجزائر التي هزمت الإرهاب في واحدة من أقسى المعارك الحديثة لن تهتز أمام بضعة ناشطين تعيد الرباط تدويرهم وتتكفل باريس بتلميعهم.
كما أن فرنسا التي تعاني انقساماتها الداخلية وتراجع نفوذها الإفريقي ليست في موقع من يوزع شهادات الشرعية على الجزائريين. والأجدى بإعلامها أن يحقق في أزمات بلاده وفي أسباب انهيار الثقة بمؤسساتها، بدل البحث في الدار البيضاء عن شخصيات هامشية ليصنع منها «قضية جزائرية».
فلا «ليبيراسيون» تملك حق اختيار ممثلي الجزائر، ولا المخزن قادر على تصنيع بديل سياسي لها، ولا حركة انفصالية تستمد صوتها من الخارج تستطيع فرض نفسها على شعب حسم انتماءه بوحدة الأرض والدم والتاريخ.
من احتضان شبكات الإسلاموية بالأمس إلى تبييض الانفصال اليوم، يتغير الغلاف وتبقى الوصفة ذاتها: تطرف يُعاد تقديمه باعتباره معارضة، وخيانة للوحدة الوطنية تُغلف بحقوق الإنسان، ومنبر فرنسي يتوهم أنه يصنع التاريخ بينما لا يفعل أكثر من خدمة أجندة مغربية مكشوفة.
أما الجزائر، فليست في حاجة إلى اعتراف «ليبيراسيون» بوحدتها، ولا إلى إذن من اليسار الفرنسي لحماية سيادتها. لقد حسم الجزائريون مصيرهم بتضحيات أثقل من كل أعمدة الصحافة الباريسية، وستبقى بلادهم سيدة قرارها، فيما تظل الحركات التي تستجدي شرعيتها من الرباط وباريس أصواتًا هامشية تعيش على الضجيج، ولا تملك من الواقع إلا المساحة التي تمنحها لها صحافة فقدت البوصلة.
























