بوابة الجزائر الإخبارية: لم يحتج قصر «لا ثارثويلا» إلى بيان هجومي كي تصل الرسالة إلى الرباط؛ فقد كان ظهور ملك إسبانيا فيليبي السادس بالزي العسكري، محاطًا بوزيرة الدفاع وقيادة القوات المسلحة، كافيًا لإعلان تحول أزمة سبتة من عبء إنساني وحدودي إلى ملف سيادي تدرسه الدولة الإسبانية «من وجهة نظر الدفاع»، بعد عبور ما بين 70 ألفًا و80 ألف شخص من الأراضي المغربية خلال يومي 30 و31 جويلية 2026.
ولم تكن الصورة بروتوكولية أو عابرة. فالاجتماع الذي انعقد الاثنين 7 سبتمبر داخل القصر الملكي لم يُدرج مسبقًا في الأجندتين العلنيتين للملك ووزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، غير أن القصر اختار الكشف عنه ونشر صورته رسميًا في اليوم التالي، بما يحول الاجتماع العسكري المغلق إلى رسالة سياسية موجهة عمدًا إلى الداخل والخارج.
وأكد القصر الملكي أن اللقاء خُصص لفحص الوضع في سبتة «من وجهة نظر الدفاع»، وهي صياغة محسوبة تنزع عن الأزمة غطاءها الهجري الضيق وتضعها داخل دائرة حماية الحدود والسيادة والجاهزية العسكرية. كما تعني أن مدريد لم تعد مستعدة لقراءة كل تدفق جماعي من المغرب باعتباره حادثًا اجتماعيًا منفصلًا عن علاقات القوة بين الدولتين.

صورة عسكرية صُممت كي تراها الرباط
ترأس فيليبي السادس الاجتماع بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الإسبانية، مرتديًا زيه العسكري، بينما جلست حوله القيادة المكلفة بالتخطيط والعمليات والدفاع البري عن سبتة.
وحضر اللقاء رئيس أركان الدفاع الأدميرال العام تيودورو إستيبان لوبيز كالديرون، ورئيس قيادة العمليات الفريق خوسيه أنطونيو أغويرو، ورئيس القيادة العملياتية البرية الفريق خوليو سالوم، والقائد العام لسبتة اللواء لويس خيسوس فرنانديز هيريرو، إلى جانب وزيرة الدفاع وعدد من كبار المسؤولين العسكريين.
وتكشف تركيبة الحضور طبيعة الأسئلة الموضوعة على الطاولة؛ إذ لم يكن الاجتماع مخصصًا لدراسة الإيواء أو ملفات اللجوء أو توزيع القصر، وإنما لجاهزية القوات، وحماية الحدود، وتقييم الوضع الميداني في مدينة تمثل جزءًا من الأراضي الإسبانية وحدودًا خارجية للاتحاد الأوروبي.
ووفق صحيفة «إلباييس»، أراد القصر أن يعرف الرأي العام بانعقاد اللقاء، ولذلك نشر صورته رغم غيابه عن البرنامج المعلن. ومن هنا لا يمكن اختزال ما حدث في إحاطة تقنية روتينية؛ فالدولة التي تريد اجتماعًا عاديًا لا تحوله بنفسها إلى حدث بصري وسياسي بهذا الثقل.
كما أن اختيار الزي العسكري لم يكن تفصيلًا شكليًا. فقد ظهر رأس الدولة في موقع القيادة، وبين المسؤولين المكلفين بالقدرة العملياتية، وفي لحظة تشهد فيها العلاقات مع المغرب توترًا بسبب سبتة ومليلية والتصريحات المغربية التي تعيد التشكيك في السيادة الإسبانية عليهما.
ولم يعلن الاجتماع تعبئة عسكرية أو قرارًا قتاليًا، لكن الإشارة الموجهة إلى الرباط تبدو واضحة: سبتة لم تعد بندًا يمكن الضغط عليه بواسطة الحشود ثم إغلاقه ببيان دبلوماسي، بل أصبحت موضوعة أمام المؤسسة العسكرية الإسبانية باعتبارها ملف دفاع وسيادة.

المغرب يحول الحدود إلى ورقة فترفع إسبانيا مستوى الرد
بدأ التحول الإسباني بعد التدفق غير المسبوق الذي شهدته سبتة في نهاية جويلية. فقد دخل عشرات الآلاف من الأراضي المغربية خلال فترة زمنية قصيرة، بينما سجلت مليلية وصول نحو 1300 شخص في سياق الأزمة نفسها.
ويتجاوز هذا الحجم قدرة شبكات الهجرة السرية التقليدية على الحشد والتوجيه والنقل، وفق ما خلص إليه تقرير أعده المركز الوطني للهجرة والحدود التابع للشرطة الإسبانية. كما رصد التقرير حالة من «السلبية غير المعتادة» لدى القوات المغربية، وتحدثت إفادات عن عناصر رسمية ساعدت في توجيه بعض الحشود.
وأقر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بأن قوات الأمن المغربية سمحت بعمليات العبور خلال فترة حاسمة قاربت عشر ساعات، لكنه قال إن مدريد لا تملك دليلًا قاطعًا يثبت صدور قرار رسمي مغربي بتدبير العملية.
ويحافظ هذا الموقف على القنوات السياسية مع الرباط، لكنه لا يحل التناقض الجوهري في الرواية المغربية: كيف تمكن عشرات الآلاف من التحرك والوصول إلى الحدود والعبور في ساعات، إذا كانت الدولة المغربية تملك بالفعل الجهاز الأمني القادر على منعهم؟
لقد أثبتت السلطات المغربية في 15 أوت أنها تستطيع نشر وحدات مكافحة الشغب حول الفنيدق، وتوقيف نحو 300 شخص، وتفريق التجمعات ومنع محاولة جديدة. ولذلك يصبح الحديث عن عجز مفاجئ يوم 30 جويلية أقل إقناعًا كلما ظهرت القدرة نفسها بكامل قوتها بعد أسبوعين.
وإذا كانت الرباط عاجزة عن حماية حدودها، فإنها لا تستحق صفة الشريك الأمني الموثوق. وإذا كانت قادرة واختارت التراخي، فإنها تكون قد تعاملت مع البشر بوصفهم وسيلة ضغط على دولة جارة. وفي الحالتين، تضررت صدقية النموذج الذي قدّم المغرب بموجبه نفسه حارسًا للحدود الجنوبية لأوروبا.
القضاء والجيش يلتقيان عند مفهوم الأمن القومي
جاء الاجتماع الملكي بعد يوم واحد من دخول قضية سبتة مرحلة قضائية جديدة، إذ تولت المحكمة الوطنية الإسبانية التحقيق في احتمال ارتكاب جرائم تمس السلامة الإقليمية للدولة وحقوق الأجانب، إلى جانب القتل غير العمد والتنظيم الإجرامي.
واعتبرت القاضية ماريا تاردون أن التدفق ربما استُخدم لشن اعتداء خطير على سلامة الأراضي الإسبانية، مستندة إلى قرائن تشير إلى وجود إدارة مسهلة للعملية انطلاقًا من المغرب.
ولا يشكل فتح التحقيق حكمًا نهائيًا على السلطات المغربية، لكنه يعني أن الاتهامات تجاوزت المقالات الصحفية والمواجهة الحزبية. فالملف أصبح بين أيدي القضاء، مدعومًا بتقرير شرطي يرصد مراحل العبور والجهات التي يُشتبه في مساهمتها في الترويج والتنسيق والتنظيم الميداني.
وبذلك تتحرك الدولة الإسبانية على مسارين متوازيين: القضاء يبحث في المسؤوليات الجنائية، والمؤسسة العسكرية تقيّم الوضع الدفاعي. وبين المسارين، تضيق مساحة المناورة أمام الرباط، لأن روايتها لم تعد تواجه معارضة سياسية فحسب، بل مؤسسات دولة تطالب بإجابات موثقة.
كما يكشف تزامن التحركين أن إسبانيا بدأت تتعامل مع الهجرة الجماعية بوصفها أداة ممكنة في النزاعات غير التقليدية. فـ«الحرب الهجينة» لا تحتاج إلى اجتياح عسكري مباشر؛ بل يمكن أن تستخدم المعلومات المضللة وشبكات التواصل والحشود المدنية والفراغ الأمني المتعمد لإرباك الدولة المستهدفة.
سبتة تدفع ثمن الارتهان لحارس حدود متقلب
كشفت أزمة جويلية نقطة الضعف الأساسية في السياسة الإسبانية تجاه المغرب: مدريد تحتاج إلى تعاون الرباط لضبط الحدود، بينما يملك الطرف المغربي القدرة على تعديل مستوى هذا التعاون بما يربك المدينة ويضغط على الحكومة الإسبانية.
وقد منحت هذه المعادلة المغرب نفوذًا كبيرًا، لكنها دفعت إسبانيا في المقابل إلى تحمل مخاطر استراتيجية متكررة. فكلما ارتبط ضبط الحدود بمزاج العلاقة السياسية، تحوّل «الشريك» إلى مصدر تهديد محتمل.
ولم يعد السؤال في مدريد يتعلق فقط بمن سمح للمهاجرين بالمرور، بل بمدى سلامة إبقاء أمن مدينتين إسبانيتين تحت رحمة قرار أمني يُتخذ خارج الأراضي الإسبانية.
كما أن الأزمة خلّفت خسائر بشرية وأعباء مالية واجتماعية هائلة. فقد تحدثت التقارير عن عشرات الوفيات، بينما وجدت سبتة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 83 ألف نسمة، نفسها مطالبة باستيعاب كتلة بشرية تساوي نسبة معتبرة من سكانها خلال يومين.
وبحسب التقديرات المتداولة في سبتمبر، بقي داخل المدينة ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف مهاجر، ما فرض ضغطًا على الإيواء والصحة والتعليم والأمن، ودفع الحكومة الإسبانية إلى تعبئة 309 ملايين يورو لدعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
وهكذا لم تدفع مدريد وحدها ثمن هشاشة الرقابة المغربية، بل دفعه سكان سبتة، والمهاجرون الذين خاطروا بحياتهم، والموازنة الإسبانية، ومرافق المدينة التي تعرضت لضغط لم تُصمم لاستيعابه.

استطلاع إسباني يحول المغرب إلى المتهم الأول
لم تعد الشكوك في المسؤولية المغربية حبيسة دوائر الأمن والمعارضة. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «40dB» لصالح «إلباييس» وإذاعة «كادينا سير» أن 90% من الإسبان يحملون المغرب مسؤولية أزمة سبتة.
كما أيد 63.8% من المشاركين تدخل الجيش للدفاع عن سبتة ومليلية إذا تعرضتا لاعتداء، وهو رقم يفسر التأثير السياسي الكبير للصورة التي نشرها القصر الملكي.
فالإسبان لم يروا في الصورة مجرد اجتماع بين الملك والضباط، بل استجابة رمزية لمطلب شعبي متزايد بإظهار الدولة في المدينتين، وإنهاء الانطباع بأن مدريد تضبط خطواتها السيادية وفق درجة انزعاج الرباط.
ويضع هذا المزاج الشعبي حكومة سانشيز أمام ضغط مزدوج؛ إذ تحاول الحفاظ على التعاون مع المغرب، لكنها لا تستطيع تجاهل اعتقاد واسع بأن الرباط استخدمت الحدود أو فشلت عمدًا في حمايتها.
كما لا تستطيع الحكومة مطالبة الإسبان بالثقة في الشريك المغربي من دون تقديم تفسير للفارق بين الانهيار الكامل يوم 30 جويلية والانتشار الأمني الصارم يوم 15 أوت.
زيارة ملكية قد تُسقط آخر محرمات الرباط
يتزامن اجتماع «لا ثارثويلا» مع التحضير لزيارة محتملة لفيليبي السادس إلى سبتة وربما مليلية، في خطوة ستكون الأولى له منذ اعتلائه العرش عام 2014.
وتؤكد الحكومة الإسبانية أن الزيارة ستُجرى عندما تتوافر الظروف المناسبة، رغم عدم تحديد موعد نهائي لها. وإذا تمت، فستحمل معنى سياديًا يفوق عشرات البيانات، لأنها ستضع رأس الدولة الإسبانية على الأرض التي تستمر الرباط في التشكيك في وضعها.
ويبدو الانزعاج المغربي ظاهرًا من خلال الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يصف الزيارة المحتملة بأنها «استفزاز»، في مفارقة تكشف هشاشة الموقف المغربي: فالرباط تريد أن يكون حضور ملك إسبانيا داخل مدينة تديرها الدولة الإسبانية خاضعًا لاعتراضها السياسي.
ويعود آخر انتقال ملكي إسباني إلى المدينتين إلى نوفمبر 2007، عندما زارهما الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا. ورد المغرب حينها باستدعاء سفيره في مدريد، واستمرت الأزمة 65 يومًا قبل عودته.
لكن الظروف الحالية تختلف؛ إذ تأتي الزيارة المحتملة بعد تدفق بشري غير مسبوق، وتحقيق قضائي، وتقرير شرطي، واجتماع دفاعي برئاسة الملك. ولذلك ستُقرأ بوصفها تأكيدًا عمليًا أن الضغط عبر الحدود لم يدفع مدريد إلى التراجع، بل أعاد الدولة الإسبانية بكل مؤسساتها إلى واجهة سبتة.
ويمكن أن تتحول محاولة الرباط إرباك إسبانيا إلى نتيجة معاكسة تمامًا: زيارة ملكية، وحضور عسكري أكبر، وتمويل حكومي إضافي، ومطالبة بإدماج سبتة ومليلية بصورة أعمق في منظومة الحماية الأوروبية.

المغرب يخسر ورقة الضغط ويوقظ الدولة الإسبانية
إذا كان الهدف من التراخي الحدودي انتزاع مكاسب سياسية، فإن النتيجة حتى الآن تبدو عكسية. فقد أدى التدفق إلى وضع المغرب تحت تدقيق الشرطة والقضاء والإعلام والرأي العام، كما دفع القصر الملكي وقيادة الجيش إلى التعامل مع سبتة ضمن منظور دفاعي.
كذلك أعاد الملف فتح النقاش الأوروبي بشأن حماية الحدود الخارجية للاتحاد، ورفع المطالب بمنح سبتة ومليلية وضعًا خاصًا ودعمًا ماليًا وأمنيًا أكبر.
وبذلك تكون سياسة الضغط قد منحت إسبانيا مبررات إضافية لتعزيز حضورها في المدينتين، بدل دفعها إلى خفضه. كما أضعفت الثقة في المغرب شريكًا أمنيًا، ودفعت قطاعات واسعة من الإسبان إلى تأييد رد أكثر حزمًا.
ولا تستطيع الرباط الجمع إلى ما لا نهاية بين خطاب «الشريك الموثوق» وممارسة الضغط عند الحدود. كما لا يمكنها المطالبة بالثقة والتمويل الأوروبيين، ثم ترك عشرات الآلاف يتقدمون نحو سبتة خلال ساعات، قبل أن تستعيد قوتها الأمنية عندما تنتهي الرسالة السياسية.
لقد سقطت، في أزمة جويلية، صورة الحارس الضروري الذي لا بديل عنه، وظهرت بدلًا منها صورة جار يستخدم موقعه الجغرافي لتضخيم قدرته التفاوضية، ولو أدى ذلك إلى تعريض المدنيين والفئات الهشة للخطر.

الزي العسكري يختصر الرسالة الإسبانية
حاولت مصادر حكومية إسبانية تقديم اجتماع الملك وقيادة الجيش بوصفه نشاطًا طبيعيًا يندرج ضمن صلاحياته الدستورية قائدًا أعلى للقوات المسلحة. غير أن التوقيت والصورة والزي العسكري وتركيبة الحضور وعبارة «من وجهة نظر الدفاع» تمنع تجريده من دلالته السياسية.
فلو كان الاجتماع تقنيًا محضًا، لما حرص القصر على إخراجه إلى العلن بهذه الصورة. ولو كانت الأزمة مجرد ملف هجرة، لما جلس قائد العمليات والقائد العام لسبتة ورئيس القيادة البرية حول طاولة واحدة مع الملك ووزيرة الدفاع.
ولذلك تمثل الصورة أقوى رد رمزي إسباني منذ اندلاع الأزمة. فهي لا تعلن حربًا، لكنها تسحب من الرباط امتياز فرض تعريفها الخاص لما جرى. فإسبانيا باتت هي التي تحدد طبيعة التهديد، وتقرر مستوى الرد، وتضع سبتة داخل حسابات الدفاع الوطني.
كما تقول الصورة إن زمن إدارة الادعاءات المغربية بالصمت الدبلوماسي قد يقترب من نهايته. فالمدينة التي تراهن الرباط على إبقائها موضوعًا قابلًا للمساومة ظهرت داخل قصر الملك بوصفها أرضًا تخضع للتخطيط الدفاعي الإسباني.
وبذلك انقلبت أزمة سبتة على المغرب. فقد أراد الضغط على الحدود، فاستدعى قيادة الجيش إلى طاولة الملك. وأراد إبقاء السيادة موضع تشويش، ففتح الطريق أمام زيارة ملكية تاريخية. وأراد استثمار اعتماد مدريد على تعاونه، فدفع إسبانيا إلى مناقشة تقليص ذلك الاعتماد وتعزيز الحماية الوطنية والأوروبية.
أما الخلاصة التي حملها زي فيليبي السادس إلى الرباط، فهي شديدة الوضوح: سبتة لم تعد مجرد نقطة عبور يمكن تشغيلها وإغلاقها وفق الحسابات المغربية؛ إنها ملف دفاع إسباني، وأي محاولة جديدة لاستخدام الحدود ستُقرأ باعتبارها ضغطًا على سيادة الدولة، لا حادث هجرة عابرًا.


















