الطاسيلي في ذاكرة السيادة عشية القرار البرلماني
مقال بقلم الباحثة سارة محمد مرزوڨي
بوابة الجزائر الإخبارية : ثمة أراض لا تكتفي بأن تكون جزءا من الخريطة بل تفرض على من يقترب منها أن يعيد حساباته. والطاسيلي ناجر في أقصى الجنوب الجزائري واحد من تلك الشواهد التي تجعل الجغرافيا أكثر من مجرد تضاريس وتجعل الأرض نفسها جزءا من حكاية الصمود.بين الصخور الشاهقة والممرات المتعرجة والامتدادات الصحراوية تبدو الطبيعة في بعض مناطق الجنوب عائقا أمام الحركة السهلة لكنها ليست وحدها من يحمي الحدود.
فالأرض تمنح الدولة بعض عناصر قوتها أما حماية السيادة فتحتاج إلى جيش يقظ ومؤسسات قادرة على تقدير المخاطر وقرار سياسي يعرف متى يتحرك ومتى يتريث.وغدا الأحد 25 أكتوبر تتجه الأنظار إلى البرلمان الجزائري بغرفتيه في جلسات استثنائية لم يعلن رسميا عن جدول أعمالها وسط تقارير إعلامية ترجح ارتباطها بالموافقة على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الحدود في سياق التعاون العسكري مع النيجر.
ويستند هذا الاحتمال إلى الفقرة الثانية من المادة 91 من دستور 2020 التي تشترط موافقة ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان على إرسال وحدات الجيش إلى الخارج.وهنا تبرز المفارقة التي تختصر العلاقة بين الجغرافيا والسياسة: الطاسيلي يحرس الأرض بصمته والبرلمان يحدد الإطار الدستوري لحركة الدولة خارج حدودها.فإذا كانت صخور الجنوب تفرض على أي متوغل حسابات التضاريس والمسافة والإمداد فإن الأمن القومي لا يمكن أن يبقى رهين الدفاع عند خط الحدود وحده. ففي عالم تتداخل فيه التهديدات قد تمتد تداعيات الاضطراب في دول الجوار إلى عمق المصالح الجزائرية من أمن الحدود إلى مكافحة الإرهاب ومنع انتقال الأزمات إلى المجال الوطني.لكن الانتقال من حماية الحدود إلى أي حضور عسكري خارجها ليس قرارا هينا أو خطوة يمكن فصلها عن حسابات السيادة وموازين الأمن الإقليمي. إنه قرار تحكمه اعتبارات السيادة والقانون ومصالح الدولة وتترتب عليه مسؤوليات تتصل بسلامة الجنود وطبيعة المهمة وحدودها وأهدافها ومآلاتها السياسية والأمنية.
كما أن الدستور الجزائري يربط السياسة الدفاعية بمبدأ عدم اللجوء إلى الحرب للمساس بالسيادة المشروعة للشعوب وحريتها وبالجهود الرامية إلى تسوية الخلافات بالوسائل السلمية.ولذلك فإن أهمية الموعد البرلماني لا تكمن فقط في طبيعة التصويت المحتمل بل في دلالته المؤسساتية وهي أن القرارات التي تمس حركة الجيش خارج الوطن ينبغي أن تمر عبر الإطار الدستوري المحدد لها وأن تظل غاياتها واضحة ومتصلة بحماية المصالح الوطنية واحترام الالتزامات الدولية.لقد علمتنا الجغرافيا الجزائرية أن المساحة الشاسعة ليست عبئا بالضرورة وأن الصحراء ليست فراغا وأن الجبال والأودية والممرات جزء من معادلة الأمن.
لكن التاريخ يعلمنا أيضا أن قوة الدول لا تقاس بما تملكه من حواجز طبيعية فقط بل بقدرتها على تحويل عناصر القوة إلى سياسة متزنة تعرف حدود الضرورة وتقدّر كلفة القرار.
من حصون الطبيعة إلى حصانة القرار
ليست المسألة أن تتحرك الجزائر لمجرد أنها قادرة على الحركة بل أن تعرف كيف تحمي أمنها وتصون سيادتها وتمنع التهديد قبل أن يتحول إلى خطر دون أن تفقد بوصلتها القانونية والسياسية.
فالطاسيلي لا يصوّت غدا لكن صورته تضع أمام صناع القرار حقيقة لا تتغير: الأرض أمانة والسيادة مسؤولية والقرار الذي يتصل بأمن الوطن لا يكتسب قيمته من قوته وحدها بل من حكمته أيضا.
مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر



























