ديكتاتورية الأنانية والذاتية تنتصر في اختبار دبلوماسية الجنائز!
بوابة الجزائر الإخبارية: غاب مؤسس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الأرسيدي) عن جنازة مناضله الكبير حميد لوناوسي الذي ووري الثرى يوم أمس بمقبرة العالية، كما غاب أيضا علي العسكري وكريم طابو باعتبارهما تقلدا منصب السكريتير الأول للأفافاس الذي تكون وناضل فيه أيضا حميد لوناوسي!

بالنسبة لسعيد سعدي الذي عاد إلى الجزائر قادما من عزلة إرادية بباريس، عدم حضور جنازة أحد الموازين الثقيلة مثل حميد لوناوسي يعد جريمة أخلاقية في حق النضال السياسي الذي جمعهما في الأرسيدي.

لقد قدّم سعيد سعدي حميد لوناوسي إلى الانتخابات التشريعية عام 1997 ليكون ممثلا للشعب واقترح لاحقا اسمه على الراحل الرئيس بوتفليقة، ليتولى حقيبة وزارية في حكومته أيام كان الأرسيدي شريكا أساسيا في حكم “النظام السياسي الجزائري“، كما يحلو للأرسيدي وصفه.

لو كان سعيد سعدي معزولا في فرنسا كما يرى بعض الذين لاحظوا غيابه، “لكان عدم حضوره الجنازة أمرا مفهوما نوعا ما، أما وأنه غاب وهو يتنقل بين الجزائر وفرنسا بشكل عادي فهذه سقطة أخلاقية ما بعدها سقطة!”.

سعيد سعدي ليس وحده في وحل هذه السقطة..علي العسكري وكريم طابو كذلك معنيان. إنهما ينتميان إلى عائلة سياسية واحدة من “أصول ديمقراطية”! لكن هل أفادت تعاليم الديمقراطية العسكري وطابو أمام اختبار القبر!؟ لا يبدو ذلك أبدا! لقد حلّت محلها ديكتاتورية الأنانية والذاتية، رغم اقتسام المسار السياسي المتطابق تقريبا، فجميعهم ناضلوا في أحزاب ديمقراطية، أفكارهم تكاد تكون منسوخة بتماثل، وجلسوا على كرسي برلمان واحد، وهو البرلمان ذاته الذي أثار الجدل الشعبي في انتخاب نوابه سواء في عهد لوناوسي أو عهد العسكري وطابو، فالمشاركة في حكومة بوتفليقة أو في برلمان بوتفليقة، يعني عند المنطقيين نظام سياسي واحد خاصة وأن الانتخابات التي قذفت بطابو والعسكري إلى البرلمان في عهد بوتفليقة، كانت تشرف عليهما حكومة بوتفليقة بشكل مباشر من خلال وزارة الداخلية.

فلا يمكن أن يكون الخلاف بين سعدي وطابو والعسكري، مع لوناوسي رحمه الله سياسياً، ولا حتى مراسميا فمعروف أن في الجنازة تسقط البروتوكولات والرسميات وتصطف المعارضة والموالاة جنبا إلى جنب ماداموا بين جدران المقبرة، لأن المُصاب والفقد واحد.. هكذا تقول الأخلاق السياسية والإنسانية.. وهكذا فهمها مثلا حينما حضر الجنازة، المحامي العملاق مقران آيت العربي رفيق المرحوم ولكن الذي طالما رفض أن يكون مشاركا في الحكومات مثل لوناوسي.. وحضرها النائب الأسبق المخضرم جلول جودي الذي لم يشارك في الحكومات!

ألم يكن بوسعهم مقاطعة جنازة لوناوسي لأنهم يختلفون عنه!؟
المقبرة ليست فضاء سياسياً نعبّر فيه عن مواقفنا تجاه السلوك السياسي، وإنما فضاء لتذكر الأخطاء الشخصية، وفضاء يوفر فرصة لا تعوض من أجل التسامح بين الأحياء والأموات، وليس لتصفية الحسابات السياسية الضيقة..

ماعدا المرض.. يكون الثلاثي المنتمي لعائلة سياسية واحدة (سعدي والعسكري وطابو) قد أبانوا نهائياً للجزائريين عن معدنهم الإنساني الذي يكشف كل شيء، لأن الجزائريين سبق وعرفوا معادنهم السياسية، ومنهم من اتبع ومنهم من لم يتبع..فكيف يقف سياسي غداً أمام جزائريين ليسوق لهم خطابا وهو أصلا ليس من معدنهم الإنساني!






















