بوابة الجزائر الإخبارية : تتجاوز المقاربة الجزائرية تجاه منطقة الساحل الإفريقي المنظور الكلاسيكي لإدارة الأزمات، لتكرّس رؤية متكاملة تقوم على حتمية التلازم بين الأمن والتنمية. وفي زمن تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية عميقة، تنطلق الجزائر – كما أكد على ذلك السيد الفريق أول السعيد شنڨريحة، الوزير المندوب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي – من قناعة راسخة مفادها أن أمن مجاوراتها الإقليمية هو امتداد حيوي ومباشر لأمنها القومي، مما يستوجب الانتقال من الحلول العسكرية المجردة إلى بناء شبكات استقرار مستدامة. ويعكس الشروع في إنجاز المشاريع التنموية والمهيكلة إدراكاً استراتيجياً بأن تحصين المجتمعات ضد مخاطر الإرهاب والتطرف يمرّ حتماً عبر تجسيد التنمية الشاملة وتعزيز البنى التحتية المشتركة، تعزيزاً لأواصر حسن الجوار والسيادة الوطنية للدول.
عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية وحماية الأمن القومي: قراءة في تحليل العميد المتقاعد منير شحادة
في تصريح خاص لـ “بوابة الجزائر”، قدم العميد المتقاعد في الجيش اللبناني، منير شحادة، تحليلاً استراتيجياً عميقاً لمبادئ السياسة الخارجية الجزائرية ودورها في حماية الأمن القومي وسط الاستقطابات الجيوسياسية المتصاعدة. وأكد شحادة أن احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض فرض الحلول بالقوة، لا تمثل مجرد التزامات قانونية أو مواقف أخلاقية للجزائر، بل تُحلل بوصفها أدوات استراتيجية تسعى من خلالها إلى حماية استقلالية قرارها السيادي، وتقليص انعكاسات الصراعات الإقليمية والدولية على أمنها القومي.
وأوضح العميد المتقاعد منير شحادة أن أهمية هذه المقاربة تتضاعف بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي للجزائر؛ باعتبارها دولة متوسطية وإفريقية ومغاربية تقع في قلب تحديات أمنية متعددة، تشمل الاضطرابات في الساحل، والأزمة الليبية، والتنافس الدولي على الموارد وممرات الطاقة. وفي هذا الصدد، فكك شحادة مرتكزات هذه العقيدة الأمنية والدبلوماسية عبر المبادئ التالية:
الحد من انتقال الصراعات وتأمين السيادة: يرى منير شحادة أن سياسة عدم التدخل تشكل آلية لحماية الداخل الوطني من التداعي العسكري، والإرهاب، والجريمة العابرة للحدود، وموجات النزوح. كما شدد المصرح على أن التمسك بسيادة الدول المجاورة يعزز حماية السيادة الوطنية الجزائرية نفسها، ويدعم استقرار النظام الإقليمي بمنع تفكك المؤسسات الوطنية وظهور فراغات أمنية تُستغل من التنظيمات المسلحة.

مرونة المناورة والدبلوماسية الوقائية: أشار العميد شحادة إلى أن عدم الانخراط في سياسة المحاور يمنح الجزائر هامشاً أوسع للحفاظ على علاقات متوازنة وتنويع الشراكات دون الارتهان لطرف دولي معين. وأضاف الباحث العسكري أن الأمن القومي الجزائري يرتبط وثيقاً باستقرار العمق الإفريقي والساحل، مما يجعل دعم الحلول السياسية والتعاون التنموي امتداداً عملياً لفلسفة “الأمن الوقائي” لمعالجة التهديدات قبل وصولها إلى الحدود.
التوفيق بين الثوابت والجاهزية الدفاعية: ينبه شحادة إلى أن فعالية هذه المبادئ لا تتحقق تلقائياً، بل تتطلب الجمع بين الالتزام الدبلوماسي والجاهزية الدفاعية وقوة الردع؛ موضحاً أن عدم التدخل لا يعني الحياد أمام التهديدات المباشرة. واستشهد العميد المتقاعد بالتطورات الإقليمية الأخيرة والمرونة الدستورية (المادتين 31 و33 من دستور 2020) التي أتاحت مشاركة الجزائر في عمليات حفظ السلام والمبادرات الإقليمية وفق أطر دستورية ودولية محددة.
واختتم العميد المتقاعد منير شحادة تصريحه بالـتأكيد على أن التحدي الأساسي أمام الجزائر ليس الاختيار بين التمسك بالثوابت أو التكيف مع التحولات، بل يكمن في تطوير أدوات التطبيق الميداني. وأكد شحادة أن ضمان الأمن القومي في بيئة مضطربة يتطلب تحويل المبادئ إلى سياسة متكاملة تجمع بين قوة الردع، والوساطة الدبلوماسية، وأمن الحدود، والتنمية الاقتصادية، بما يحمي القرار السيادي المستقل دون الانعزال عن المحيط الإقليمي.
المقاربة الجزائرية للأمن والتنمية: نحو منظومة استقرار إقليمي متكاملة
تكتسب المقاربة الاستراتيجية للجزائر في معالجة التحديات الإقليمية أهمية بالغة بالنظر إلى تحولات المشهد الأمني في المنطقة؛ وفي هذا السياق، يرى الباحث المختص في الأمن القومي بليبيا، فيصل بوالراقية، أن الطرح الجزائري الذي يربط التنمية بالأمن يعكس فهماً متقدماً لطبيعة التهديدات العابرة للحدود. وينطلق بوالراقية من مفهوم أن الأمن القومي لم يعد شأناً وطنياً منفرداً، بل أضحى منظومة تكاملية تتأثر فيها استقرارات الدول بشكل مباشر ومتبادل.

ويرى الباحث في الأمن القومي أن استقرار الجزائر وليبيا ودول منطقة الساحل يعتمد بصفة أساسية على مدى القدرة على بناء شراكات إقليمية متينة تتأسس على احترام السيادة الوطنية، وتبادل المصالح، والتنسيق الوثيق في المجالات الأمنية والاستخباراتية. ويؤكد بوالراقية في تحليله أن الاستثمار في المشاريع التنموية والبنى التحتية العابرة للحدود يمثل أداة استراتيجية فعالة لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، مما يساهم بشكل مباشر في تجفيف البيئات الحاضنة للتطرف والجريمة المنظمة والمجموعات المسلحة.
ويختتم فيصل بوالراقية رؤيته بالشد على أن الرؤية الأكثر استدامة لحماية المنطقة تتطلب التكامل التام بين الأبعاد الأمنية والتنموية والدبلوماسية؛ إذ يعتبر بوالراقية أن هذا الثالوث الاستراتيجي هو الكفيل بترقية قدرة دول الإقليم على حماية حدودها، وصون قرارها الوطني المستقل، ومواجهة التحديات الأمنية المشتركة بإرادة سياسية وإقليمية مسؤولة.





















