بوابة الجزائر الإخبارية : كشف تحقيق صحفي نشرته منصة «دروب سايت نيوز» الأمريكية، أعده الصحفيان عمران فيروز ومرتضى حسين بناءً على وثائق ومراسلات مسربة من شركة الاستخبارات الخاصة السويسرية «ألب سيرفيسز» (Alp Services) ومقرها جنيف، عن تفاصيل عملية استخباراتية سريّة نفذتها الشركة لصالح حكومة الإمارات العربية المتحدة تحت اسم «أرنيكا 2» (Arnica 2). واستهدفت هذه العملية إعداد قاعدة بيانات ضخمة تضم أكثر من 11,300 سجل لمستخدمين مقيمين داخل الأراضي الإماراتية، اعتمدت في تصنيفهم كأشخاص «معادين» أو محتملين للمعارضة على مجرد نشاطهم وتفاعلاتهم الرقمية عبر منصة «فيسبوك»، بما في ذلك تسجيل الإعجاب بمقالات إخبارية أو الانضمام إلى صفحات ومجموعات تعتبرها السلطات في أبوظبي مناهضة لسياساتها.
وتعود جذور التعاقد على هذا المشروع الاستخباري إلى صيف عام 2017، وهي فترة شهدت تشديداً أمنياً وتضييقاً مكثفاً على حرية التعبير السياسي داخل الإمارات بالتزامن مع اندلاع الأزمة الخليجية وفرض الحصار على دولة قطر.
وفي جويلية 2017، حذر النائب العام الإماراتي من عقوبات بالسجن تصل إلى 15 عاماً بحق كل من يبدي تعاطفاً مع الدوحة أو يعترض على القرارات الحكومية. وفي ظل هذه الأجواء، قدمت الشركة السويسرية عرضاً استخباراتياً لأبوظبي تحت عنوان «استخبارات وسائل التواصل الاجتماعي لتحديد المؤيدين المعادين داخل نطاق ولايتكم القضائية»، مؤكدة قدرة فريقها التحليلي وأدواتها البرمجية المتقدمة على رصد وتحديد مئات الأشخاص المقيمين داخل البلاد ممن يتفاعلون مع صفحات ومجموعات تصنفها الدولة كمعادية، وخاصة تلك المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين التي استمرت قيادة الدولة في التعامل معها بوصفها هاجساً أمنياً رئيسياً منذ أحداث الربيع العربي.وأظهرت الوثائق المسربة، التي حصلت عليها بداية صحيفة «ميديابارت» الفرنسية وتشاركها اتحاد الصحفيين الاستقصائيين الأوروبيين، أن شركة «ألب سيرفيسز» أعدت تقارير أولية رصدت فيها نحو ألف شخص مقيم بالإمارات ووصفتهم بالمؤيدين للجماعات المناهضة، مشيرة إلى وجود أشخاص من بينهم يعملون في أجهزة ومؤسسات حيوية مثل شرطة دبي وشرطة أبوظبي، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المعلمين والطلاب والمهندسين والصيادلة وعمال المطاعم والموظفين.
واعتمدت الشركة في تصنيف هؤلاء الأفراد على معلوماتهم الشخصية المتاحة إلكترونياً وتفاعلاتهم الرقمية مثل الإعجاب بصفحات إخبارية ناطقة بالعربية، دون تقديم أدلة مادية تثبت انتمائهم التنظيمي الفعلي، معتبرة أن هذه البيانات بمثابة مرحلة أولية تمهد لإجراء تحقيقات أعمق لصالح الأجهزة الأمنية.وفي إطار تنفيذ العمليات، أدرجت الشركة في اوت 2017 عشر صفحات محددة على منصة «فيسبوك» للتحقيق بشأن متابعيها والمقيمين في الإمارات من مسجلي الإعجاب بها، وشملت هذه القائمة مؤسسات إعلامية وإخبارية ناطقة بالعربية مثل «الإمارات 71»، و«عربي21»، و«رصد»، و«العربي الجديد»، و«دراسات إماراتية»، و«شؤون إماراتية»، و«الدبور»، وهي وسائل إعلام كان عدد منها ضمن قائمة المطالب التي قدمتها دول الحصار لقطر لإغلاقها.
واستعانت الشركة السويسرية بشركة متعاقدة من الباطن مقرها بوخارست في رومانيا تُدعى «توتال تراست إنفستيغيشنز» لتطوير برمجيات سحب البيانات تلقائياً، مع التشديد في المراسلات الداخلية بين مسؤولي الشركة، وعلى رأسهم ماريو بريرو وليونيل بادال، على الطابع السري للغاية للمشروع.
وتشير السجلات المالية والإدارية المرفقة بالأرشيف إلى أن الدبلوماسي الإماراتي مطر حميد النيادي، الذي كان يشغل حينها موقع جهة الاتصال لدى الشركة ويشغل حالياً منصب سفير الإمارات لدى الكويت، طلب عرضاً مالياً للمشروع وتحليلي الجمهور والصفحات، حيث أصدرت «ألب سيرفيسز» فاتورة بقيمة 55 ألف يورو في كانون الأول/ديسمبر 2017 جرى تسديدها عبر شركة «أرياف للدراسات والبحوث» ومقرها أبوظبي، قبل أن تُسلَّم قاعدة البيانات الكاملة في كانون الثاني/يناير 2018 محملة على وحدة تخزين خارجية (USB).
وعلى الرغم من أن الوثائق المسربة لا توضح مباشرة المصير النهائي الذي آلت إليه قائمة الأشخاص المذكورين في قاعدة البيانات، إلا أن خبراء وأكاديميين، من بينهم الدكتور أندرياس كريغ من كينغز كوليدج لندن، أبدوا قلقاً بالغاً من العواقب الأمنيّة المحتملة لوصول هذه البيانات إلى جهاز أمن الدولة الإماراتي. وأوضح كريغ أن الجهاز الأمني في أبوظبي يمتلك بنية مراقبة رقمية واسعة تعتمد على جمع المعلومات وتصنيف الأفراد لمنع أي نشاط أو حشد سياسي مستقل خارج سيطرة السلطة قبل وقوعه، مؤكداً أن السلطات دأبت على استخدام تصنيف الإخوان المسلمين كغطاء شامل لنزع الشرعية عن المعارضين والحقوقيين والصحفيين والمستقلين اعتماداً على منطق «الإدانة بالارتباط» القائم على علاقات واهية على منصات التواصل.
وتأتي هذه التكشوفات في سياق تاريخي شهد تشديد القوانين المتعلقة بالجرائم الإلكترونية منذ إصدار قانون عام 2012، والذي حظر الانتقاد المباشر أو الدعوة للإصلاح السياسي، وأعقبته محاكمات وأحكام سجن قاسية صدرت بحق ناشطين وأكاديميين وصحفيين مثل الناشط الحقوقي أحمد منصور الذي شملته ملفات التقارير الاستخباراتية للشركة رغم أنه كان قيد الاحتجاز بالفعل، والصحفي تيسير النجار والأكاديمي ناصر بن غيث، وصولاً إلى المحاكمات الجماعية الأخيرة في صيف 2024 والتي صدرت فيها أحكام بالسجن المؤبد بحق عشرات المتهمين في قضية «لجنة العدالة والكرامة»، وهي الأحكام التي أيدتها المحكمة الاتحادية العليا في مارس 2025 وسط انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية الدولية.













