بوابة الجزائر الإخبارية: تتقدم الجزائر نحو تعزيز موقعها مركزًا إقليميًا لنقل الغاز الإفريقي إلى الأسواق الأوروبية، مع دخول مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء مرحلة التنفيذ الميداني، وتجديد نيجيريا التزامها بإنجاز البنية التحتية اللازمة لربط حقولها الغازية بالشمال. ويستهدف المشروع، الممتد على نحو 4128 كيلومترًا عبر نيجيريا والنيجر والجزائر، بلوغ قدرة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا، بما يفتح أمام الجزائر آفاقًا لتوسيع دورها في تجارة الغاز الدولية والاستفادة من شبكات النقل والمعالجة والتصدير التي تمتلكها.
وجاء التأكيد على تقدم المشروع، يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، خلال الاجتماع الوزاري الثامن والعشرين لمنتدى الدول المصدرة للغاز بالعاصمة الروسية موسكو، حيث أعلن وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، انتقال الأنبوب العابر للصحراء من مرحلة دراسات الجدوى إلى التجسيد الميداني، فيما أكد نظيره النيجيري، إكبيركبي إيكبو، أن بلاده تعتبر المشروع أولوية استراتيجية، وتعمل على استكمال خط الأنابيب الرابط بين جنوب نيجيريا وشمالها.

وتمنح هذه التطورات دفعًا جديدًا لمشروع يُعد من أكبر البنى التحتية الطاقوية المرتقبة في إفريقيا، وتقوم أهميته بالنسبة إلى الجزائر على ربط موارد الغاز النيجيرية بشبكتها الوطنية، وصولًا إلى مركز حاسي الرمل، قبل توجيه الكميات المخصصة للتصدير نحو الأسواق الدولية، ولا سيما الأوروبية.
وبحسب المعطيات التقنية المنشورة بشأن المشروع، تبلغ قدرته المستهدفة نحو 20 مليار متر مكعب سنويًا في مرحلة أولية، مع إمكانية رفعها إلى 30 مليار متر مكعب، وفق تطور الإنجاز واحتياجات الأسواق. وتبقى هذه الأرقام طاقات تصميمية مستهدفة، وليست كميات يجري نقلها حاليًا.
الجزائر تتحول إلى حلقة رئيسية في سلسلة إمدادات الغاز الإفريقي
تستند الأهمية الاقتصادية للأنبوب العابر للصحراء إلى الدور الذي ستؤديه الجزائر في ربط مناطق الإنتاج النيجيرية بالأسواق المستهلكة، عبر منشآت طاقوية قائمة وخبرة متراكمة في نقل الغاز ومعالجته وتسويقه.
فالمشروع سيتيح، عند استكماله، وصول الغاز النيجيري إلى مركز حاسي الرمل، أحد أهم مراكز تجميع وتوزيع الغاز في الجزائر، ومنه إلى الشبكة الوطنية والبنية التحتية المخصصة للتصدير، بما يشمل خطوط الأنابيب المتجهة نحو أوروبا ومنشآت الغاز الطبيعي المسال.
وتوفر هذه البنية القائمة ميزة اقتصادية للمشروع، إذ تسمح بدراسة الاستفادة من منشآت موجودة بدل إنشاء سلسلة تصدير جديدة بالكامل، وهو ما قد يساهم في تحسين الجدوى الاستثمارية وخفض بعض تكاليف الربط والتجهيز.
وتؤكد سوناطراك أن الشطر الجزائري، الذي انطلقت أشغاله رسميًا في 4 جوان 2026 بمنطقة أولف بولاية أدرار، سيمتد من الحدود الجزائرية–النيجرية على طول ممر الطريق العابر للصحراء، وصولًا إلى المركز الوطني لتوزيع الغاز بحاسي الرمل.
ويحمل هذا المسار فائدة إضافية للجزائر، تتعلق بإمكانية ربط حقول وأحواض غازية وطنية بالشبكة الرئيسية، ولا سيما حوض أحنات، بما يسمح بتثمين موارد جديدة وتعزيز قدرات نقل الإنتاج الجزائري نحو مراكز المعالجة والتصدير.
وعليه، فإن القيمة الاقتصادية المنتظرة من المشروع بالنسبة إلى الجزائر ترتبط بمسارين متكاملين: الاستفادة من خدمات نقل الغاز الإفريقي وربطه بالأسواق، وتطوير قدرات تثمين الموارد الغازية الوطنية في المناطق التي يمر عبرها الأنبوب.
ويمكن أن تفتح هذه الأنشطة مجالات استثمارية في محطات الضغط، والصيانة، والخدمات الهندسية، وأنظمة المراقبة والتشغيل، إلى جانب فرص للمؤسسات الجزائرية المتخصصة في إنجاز المنشآت الطاقوية.
غير أن تحديد العائدات التجارية الفعلية يظل مرتبطًا بالاتفاقات المستقبلية الخاصة برسوم العبور والنقل، والكميات المتعاقد عليها، وتوزيع الاستثمارات وتكاليف التشغيل بين الأطراف المعنية.
تعهد نيجيري أمام الرئيس تبون.. وتقدم في تعبئة الاستثمارات
حملت تصريحات الوزير النيجيري من موسكو رسالة سياسية واقتصادية مهمة بشأن استمرار التزام أبوجا بالمشروع، بعدما أكد أن بلاده قدمت ضمانات مباشرة للرئيس عبد المجيد تبون بشأن إنجاز خط الأنابيب الممتد من جنوب نيجيريا إلى شمالها.
وأوضح إكبيركبي إيكبو أنه زار الجزائر قبل أشهر برفقة ممثل عن الشركة الوطنية النيجيرية للبترول، حيث جرى استقبال الوفد من طرف رئيس الجمهورية، وتقديم ضمانات بشأن الالتزام بإنجاز المنشآت اللازمة لربط مناطق الإنتاج الغازي النيجيرية بمسار الأنبوب العابر للصحراء.
ويكتسب هذا التعهد أهمية خاصة لأن نجاح المشروع يتطلب استكمال الربط بين ثلاثة أقاليم جغرافية مترابطة، بدءًا من مناطق الإنتاج النيجيرية، مرورًا بالنيجر، وصولًا إلى شبكة النقل الجزائرية.
وكشف الوزير النيجيري عن اتخاذ نحو أربعة قرارات استثمارية نهائية بمشاركة شركات طاقة وطنية ودولية، بهدف تعزيز إنتاج الغاز في بلاده، مشيرًا إلى استمرار العمل على إعداد الخطط الاستثمارية الضرورية لإنجاز خطوط الأنابيب.
وتدعم هذه القرارات، بحسب التصريحات النيجيرية، جهود زيادة الإنتاج الغازي، لكنها لا تعني أن تمويل الأنبوب العابر للصحراء بالكامل قد حُسم؛ إذ يبقى تطوير موارد الإنتاج واستكمال البنية التحتية للنقل مسارين مترابطين يتطلب كل منهما استثمارات وترتيبات تنفيذية خاصة.
وفي المقابل، كانت الجزائر قد انتقلت إلى التنفيذ الفعلي للشطر الواقع على أراضيها، عقب المصادقة على التقرير النهائي لدراسة الجدوى المحينة يوم 3 جوان 2026، خلال اجتماع لجنة التوجيه الثلاثية المنعقد بالجزائر العاصمة، بمشاركة وزراء الطاقة ومسؤولي المؤسسات الوطنية المعنية من البلدان الثلاثة.
وقد أنجزت الدراسة المحينة شركة الاستشارات الهندسية الدولية «Penspen»، واعتمدتها الجزائر ونيجيريا والنيجر مرجعًا تقنيًا واقتصاديًا للمراحل اللاحقة من المشروع، قبل إعطاء إشارة انطلاق الأشغال في اليوم التالي.
ويعكس هذا التسلسل انتقال المشروع من التنسيق الفني والمؤسساتي إلى خطوات تنفيذية ملموسة، مع استمرار الحاجة إلى استكمال الترتيبات الاستثمارية والإنشائية على امتداد مساره.
من عبور الغاز إلى تصدير الخبرة الجزائرية نحو إفريقيا
تتجاوز الاستراتيجية الجزائرية المرتبطة بالأنبوب العابر للصحراء مسألة نقل الغاز النيجيري، لتشمل توسيع الحضور الاقتصادي والتقني لسوناطراك في القارة الإفريقية.
فخلال تصريحاته في موسكو، أكد محمد عرقاب أن الجزائر تعمل على مساعدة الدول الإفريقية في استغلال مواردها الطاقوية، من خلال نقل التكنولوجيا والخبرة الفنية وتطوير المشاريع المشتركة.
وأشار في هذا السياق إلى نشاط سوناطراك في النيجر، وإلى مشاريع مرتقبة في السنغال، فضلًا عن التعاون مع ناميبيا في تطوير البنى التحتية والخبرات المرتبطة بقطاع المحروقات.
ويمنح هذا التوجه المجمع الجزائري فرصًا لتوسيع نشاطه خارج الحدود الوطنية، سواء في الاستكشاف والإنتاج أو في الخدمات الهندسية والتكوين والمرافقة التقنية، مستفيدًا من الخبرة التي اكتسبها في تطوير الحقول وإدارة المنشآت الغازية.
أما بالنسبة إلى النيجر، فإن مرور الأنبوب عبر أراضيها يفتح آفاقًا اقتصادية مرتبطة بالاستثمار في البنية التحتية وفرص العمل والخدمات، فضلًا عن إمكان الاستفادة من الغاز في تلبية الاحتياجات المحلية ودعم الأنشطة الإنتاجية، بحسب الترتيبات التي ستُعتمد في تنفيذ المشروع.
وتكتسب هذه الأبعاد أهمية في منطقة الساحل، حيث يمكن أن يشكل تطوير البنية التحتية الطاقوية عاملًا مساعدًا على استقطاب استثمارات جديدة، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على توفر الطاقة واستقرار الإمدادات.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن المساهمة في تطوير هذه المشاريع تعزز موقعها شريكًا صناعيًا وتقنيًا للدول الإفريقية، وتفتح أمام مؤسساتها العمومية والخاصة فرصًا للمشاركة في سلاسل القيمة المرتبطة بصناعة المحروقات.

موسكو تضع الاستثمار في الغاز ضمن أولويات المرحلة المقبلة
تزامنت هذه التطورات مع مناقشات الاجتماع الوزاري لمنتدى الدول المصدرة للغاز، الذي انعقد بموسكو تحضيرًا للقمة الثامنة لرؤساء دول وحكومات المنتدى، المقررة يوم الثلاثاء 27 أكتوبر.
وشدد محمد عرقاب على ضرورة توفير الظروف الملائمة لاستقطاب الاستثمارات إلى صناعة الغاز، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تطوير الإنتاج وضمان استقرار الإمدادات على المدى الطويل.
وفي هذا الإطار، أشار إلى اهتمام عدد من الشركات الدولية الكبرى بالمشاركة في جولة العروض «ألجيريا بيد راوند 2026»، التي تندرج ضمن جهود الجزائر لتوسيع أنشطة الاستكشاف والإنتاج واستقطاب استثمارات جديدة إلى قطاع المحروقات.
كما كشف عن وجود ثلاثة مشاريع كبرى مشتركة بين الجزائر وروسيا تحقق نتائج وصفها بالإيجابية جدًا، مع توجه نحو توسيع التعاون في خدمات الآبار ونقل الغاز.
ويبرز هذا المسار سعي الجزائر إلى الجمع بين تطوير قدراتها الإنتاجية الوطنية وتوسيع شراكاتها الدولية، بما يسمح لها بالحفاظ على موقعها في أسواق الغاز والاستجابة لتطور الطلب العالمي.
وعلى الصعيد البيئي، عرض عرقاب نتائج جهود سوناطراك في خفض حرق الغاز، مؤكدًا تقليص الكميات المحروقة بمليار متر مكعب خلال السنوات الثلاث الماضية، مع استهداف الوصول إلى صفر حرق روتيني للغاز بحلول 2030.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية اقتصادية، لأن استرجاع الغاز الذي كان يُحرق يتيح توجيه كميات إضافية نحو الاستغلال، كما يساهم في خفض الانبعاثات وتحسين الأداء البيئي للصناعة الغازية.
وأشار الوزير كذلك إلى التعاون مع المفوضية الأوروبية في مجال خفض انبعاثات الميثان، في وقت تتزايد فيه أهمية المعايير البيئية ضمن شروط تجارة الغاز الدولية.
وفي موازاة ذلك، أكد اهتمام الجزائر بتطوير معهد أبحاث الغاز التابع للمنتدى، الذي يتخذ من الجزائر العاصمة مقرًا له، عبر توفير الوسائل التقنية اللازمة لتعزيز البحث والابتكار ونقل التكنولوجيا في مختلف مراحل سلسلة قيمة الغاز الطبيعي.
وتعزز هذه الجهود موقع الجزائر في التعاون الطاقوي الدولي، من خلال الجمع بين قدرات الإنتاج والتصدير والخبرة التقنية والمساهمة في تطوير المعرفة المرتبطة بصناعة الغاز.
وبين انطلاق الأشغال في أدرار وتجديد الالتزام النيجيري من موسكو، تتقدم الجزائر في مشروع يتيح لها توسيع دورها من منتج ومصدّر للغاز إلى مركز إقليمي يربط موارد الطاقة الإفريقية بالأسواق الدولية.










