بوابة الجزائر الإخبارية : تتسارع التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بصورة غير مسبوقة، حيث يعيد تقارب إسلام أباد والرياض وأنقرة تشكيل موازين القوى في الإقليم.
وفي خطوة حابسة للأنفاس، يتوجه هذا التحالف الثلاثي الناشئ نحو طهران، ليطرح تحركهم المفاجئ تساؤلات حارقة حول دوافع اختيار هذا التوقيت الحرج بالذات للتواصل مع الجار الإيراني. يأتي هذا الدبلوماسية المباغتة في لحظة فارقة تتأرجح فيها المنطقة على أطراف صفيح ساخن، وسط سباق محموم بين خيارات التهدئة وسيناريوهات المواجهة المفتوحة التي قد تعيد رسم الخارطة الإقليمية برمتها.

في تصريح خاص لـ “بوابة الجزائر”، يؤكد الدبلوماسي السابق والمحلل السياسي الإيراني، السيد هادي أفقهي، أن التحركات الأخيرة للتحالف الثلاثي الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان اتجاه طهران لا تعكس مجرد مناورة دبلوماسية عابرة، بل تمثل اعترافاً ضمنياً بحقيقة جيوسياسية ثابته مفادها أنه لا يمكن ترتيب أمن المنطقة أو اتخاذ قرار الحرب والسلم بمعزل عن إيران.
ويرى أفقهي أن القراءة الإيرانية الدقيقة لهذه التطورات تستند إلى إدراك التحالف الثلاثي لمفهوم “الردع الإيراني المتبادل“، حيث تعلم الرياض وأنقرة وإسلام أباد أن أي انفجار عسكري شامل لن يقتصر على جغرافيا محددة، بل سيمتد ليطال شريان الطاقة العالمي ومصالح جميع أطراف الإقليم.
ويضيف السيد هادي افقهي في حديثه لـ “بوابة الجزائر” أن توجه التحالف إلى طهران يأتي من باب إدارة المخاطر والتنسيق الاستباقي، وليس كـ “فرصة أخيرة لإملاء الشروط على إيران”، بل هو إدراك عالي المستوى بأن طهران تمتلك أوراق نفوذ قادرة على جعل تكلفة أي مواجهة غير قابلة للتحمل بالنسبة للجميع.
وفي السياق ذاته، يوضح أفقهي لـ “بوابة الجزائر” أن هذه الزيارة تأتي أيضاً ضمن محاولة جادة لاحتواء التصعيد وتجنب السيناريو الأشد قسوة، إذ لا ترغب دول التحالف في رؤية تصادم مباشر يُجبر فيه الجميع على اختيار معسكر محدد؛ فالسعودية تسعى لحماية مشاريعها الاقتصادية، وتخشى تركيا من اضطراب حدودها الشرقية وتأثر خطوط التجارة، بينما ترغب باكستان في تجنب اشتعال جبهة إضافية على حدودها مع طهران، وهو ما يجعل الزيارة، بحسب أفقهي، محاولة لتأمين حواف أمنية وممرات تواصل مفتوحة لمنع أي حسابات خاطئة قد تُدخل المنطقة في فراغ أمني لا يخدم سوى الأطراف الخارجية.
هندسة قواعد الاشتباك وتوظيف الثقل الإقليمي للتحالف
وفي حديثه لـ “بوابة الجزائر”، يشدد الدبلوماسي الإيراني السابق السيد هادي أفقهي على أن ميزان القوى يميل لصالح طهران في معادلة التكتيك والاستراتيجية؛ ففيما يتعلق بمنع الحرب، يبيّن أفقهي لـ “بوابة الجزائر” أن الدبلوماسية بالنسبة لإيران هي امتداد لفرض “قواعد الاشتباك”، إذ يمنح الحوار مع ثلاث قوى إقليمية بارزة طهران فرصة لتفكيك أي جبهة موحدة قد تُستخدم ضدها، وتأكيد أن استقرار الخليج والإقليم مرهون باحترام المصالح الأمنية الإيرانية.
أما فيما يخص ترتيبات ما قبل أو خلال الانفجار، فيشير أفقهي لـ “بوابة الجزائر” إلى أنه إذا كان الانفجار حتمياً، فإن القبول الإيراني بالحوار يضمن وضع خطوط حمراء تجنب البنية التحتية والمدنية التدمير الشامل، مع ابلاغ الجيران بأن القواعد العسكرية أو الأراضي التي قد تُستخدم لاستهداف إيران ستكون أهدافاً مشروعة.
وحول طبيعة الزيارة وما إذا كانت محاولة لمنع الحرب أم لترتيب أوراق الشرق الأوسط، يجزم أفقهي لـ “بوابة الجزائر” بأنها تنطوي على الهدفين معاً من منظور طهران؛ فهي محاولة لتفادي الحرب عبر رفع كلفة اتخاذ قرارها لدى الأطراف الإقليمية والدولية، وفي الوقت نفسه تعد اتفاقاً لتقليل الأضرار الجانبية وترتيب قواعد اللعبة في حال اندلاعها، بما يضمن عدم انجرار دول الجوار لتكون أطرافاً مباشرة في أي عدوان على إيران.
ويختتم أفقهي تصريحه لـ “بوابة الجزائر” بالتأكيد على أن المعسكر الإيراني ينظر إلى هذا التكتل بمنطق الفرصة وليس التهديد فقط، لكون وجود باكستان بوزنها النووي وتركيا بثقلها في حلف الناتو يوفر وسائط ثقيلة قادرة على نقل الرسائل الإيرانية الحاسمة للغرب وواشنطن بجدية وبشكل مباشر، مما يحوّل التحالف من أداة ضغط على طهران إلى شريط ناقل لرسائل الردع الإيرانية إلى أقصى مداها.



















