مقال رأي بقلم : غالي لنصاري، عضو المجلس الشعبي الوطني سابقا
بوابة الجزائر الإخبارية : ليست قوة الدول في قدرتها على تجنّب التحولات، وإنما في قدرتها على استيعابها، والاستعداد لمتطلباتها، وتحويل تحدياتها إلى فرص تعزز أمنها واستقرارها وتحفظ استقلال قرارها. وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، وما يرافقها من تحديات أمنية وتجاذبات جيوسياسية، تبرز أهمية المقاربة الجزائرية القائمة على حماية المصالح العليا للوطن، وتعزيز استقرار الجوار، والتمسك بثوابت السياسة الخارجية، في إطار رؤية استراتيجية تستجيب لمتطلبات المرحلة دون التفريط في المبادئ الوطنية.
وفي هذا السياق، يندرج تفعيل الأحكام الدستورية المتعلقة بإمكانية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الوطن، وفق الضوابط التي يحددها الدستور، ضمن مسؤولية الدولة في مواكبة التحولات الإقليمية وحماية مصالحها الاستراتيجية. فالأمن الوطني لم يعد منفصلًا عن محيطه الإقليمي، كما أن التحديات العابرة للحدود، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة والاضطرابات الأمنية، تفرض يقظة مستمرة وتنسيقًا فعالًا وتقديرًا مسؤولًا لمتطلبات الأمن والدفاع الوطنيين.لقد ظلت الجزائر، انطلاقًا من تاريخها النضالي وتجربتها مع الاستعمار، متمسكة بمبادئ السيادة الوطنية، واحترام استقلال الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتفضيل الحلول السياسية والسلمية للنزاعات. وهي مبادئ تشكل ركيزة ثابتة في سياستها الخارجية، ولا تتعارض مع امتلاك الدولة القدرة على التحرك المسؤول لحماية أمنها ومصالحها الحيوية، بل تقتضي ترجمتها إلى مواقف عملية تستجيب للتحولات وتحافظ على استقلال القرار الوطني.فالسيادة ليست مجرد شعار سياسي، وإنما مسؤولية وطنية ومؤسساتية تستوجب امتلاك أدوات حمايتها، وتقدير المخاطر التي تهددها، واتخاذ القرارات المناسبة في إطار الدستور والقانون. كما أن احترام سيادة الدول لا يعني تجاهل انعكاسات الأزمات المحيطة على أمن الوطن، وإنما يقتضي بناء علاقات تعاون متوازن تقوم على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والالتزام بالمرجعيات القانونية والمؤسساتية المنظمة للعلاقات بين الدول.وتكتسي منطقة الساحل والصحراء أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة إلى الجزائر، بالنظر إلى الامتدادات الجغرافية والروابط التاريخية والمصالح الأمنية والاقتصادية التي تجمع دول المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن استقرار جمهورية النيجر الشقيقة يمثل عنصرًا مهمًا في معادلة الأمن الإقليمي، كما أن حماية المصالح الاقتصادية والطاقوية المشتركة تندرج ضمن مقتضيات التعاون الثنائي المسؤول، الذي يحقق المصالح المتبادلة ويسهم في دعم الاستقرار والتنمية.وفي هذا الإطار، يكتسب القرار المتعلق بإرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى جمهورية النيجر، بهدف حماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة الجزائرية-النيجرية، دلالته في ارتباطه بحماية المصالح العليا للدولة، وتعزيز التعاون بين البلدين، ومواكبة المتغيرات الأمنية في المنطقة. وهو قرار يستند إلى المرجعية الدستورية، ويعكس أهمية التنسيق بين مؤسسات الدولة في التعامل مع القضايا المرتبطة بالأمن والدفاع والمصالح الاستراتيجية للجزائر.غير أن بناء الاستقرار المستدام في منطقة الساحل لا يمكن أن يتحقق بالمقاربة الأمنية وحدها، مهما بلغت أهميتها. فالأمن يرتبط كذلك بالتنمية الاقتصادية، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومكافحة الفقر والتهميش، وتوسيع فرص التعاون الإقليمي، ودعم قدرة الدول على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة. ومن ثم، فإن الرؤية الجزائرية مطالبة بمواصلة الجمع بين اليقظة الأمنية والعمل الدبلوماسي والمبادرات التنموية، بما يحول دون اتساع بؤر التوتر ويعزز فرص الاستقرار والتكامل الإفريقي.
وتبرز أهمية المادة 91 من الدستور في هذا السياق، باعتبارها جزءًا من الإطار الذي ينظم صلاحيات رئيس الجمهورية في مجال الدفاع الوطني والسياسة الخارجية، ويحدد الشروط الدستورية المتعلقة بإرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج. ويؤكد هذا الإطار أن القرارات السيادية الكبرى ترتبط بمسؤوليات دستورية واضحة، وبأدوار المؤسسات المعنية، بما يعزز شرعية القرار ويحفظ التوازن بين متطلبات الأمن الوطني والالتزامات القانونية للدولة.
إن قوة الدولة لا تقاس بمجرد امتلاك أدوات القوة، وإنما بحسن توظيفها، ووضوح أهدافها، ودقة تقدير نتائجها، ومدى ارتباطها بالمصلحة الوطنية. فالقوة، في منطق الدولة المسؤولة، ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الوطن وصون استقلاله والدفاع عن مصالحه، ضمن رؤية سياسية واضحة تحترم القانون وتراعي مقتضيات الاستقرار الإقليمي والدولي.
وتنسجم هذه المقاربة مع التوجهات التي يؤكد عليها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في ما يتعلق بصون السيادة الوطنية، وتعزيز استقلال القرار الجزائري، وحماية المصالح العليا للبلاد، وترسيخ دور الجزائر في محيطها الإفريقي.
كما تتقاطع مع المبادئ التي يقوم عليها خطاب الدولة الجزائرية بشأن رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتغليب الحلول السلمية، وتعزيز التعاون القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وهي مرتكزات ينبغي فهمها في إطار توجهات الدولة ومؤسساتها، لا باعتبارها مبررًا للتخلي عن الثوابت، وإنما أساسًا لتفعيلها بما يتناسب مع طبيعة التحديات الراهنة.
ومن هذا المنطلق، يندرج موقف التجمع الوطني الديمقراطي الداعم للقرارات السيادية التي تستهدف حماية المصالح العليا للوطن وتعزيز الاستقرار في الجوار، في إطار المسؤولية السياسية والوطنية تجاه قضايا الأمن والدفاع. فالدفاع عن الدولة ومؤسسات الجمهورية، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة، يقتضيان خطابًا سياسيًا رصينًا يواكب التحولات، ويدرك تعقيدات البيئة الإقليمية، ويؤكد أن استقلال القرار الوطني يمثل ركيزة أساسية في بناء دولة قوية وقادرة على حماية مصالحها.
كما أن الوفاء لتضحيات الشهداء لا يقتصر على استحضار الذاكرة الوطنية، وإنما يتجسد في صيانة استقلال الجزائر، وتعزيز مؤسساتها، وحماية وحدتها الترابية، وتحصين قرارها السيادي، والعمل على تحقيق تطلعات شعبها إلى الأمن والاستقرار والتنمية. فالدولة التي استرجعت سيادتها بتضحيات جسيمة تدرك أن الحفاظ عليها مسؤولية متجددة تفرض الاستعداد للمستقبل، والتمسك بالمبادئ، والقدرة على التعامل مع التحولات بوعي وحكمة.
إن الجزائر التي تتمسك بثوابتها الوطنية هي ذاتها الجزائر القادرة على تطوير أدوات عملها ومواكبة المتغيرات، بما يحفظ مصالحها ويعزز حضورها الإقليمي، دون التفريط في استقلال قرارها أو المساس بسيادة الدول الأخرى. وبين الحكمة والقدرة، وبين الدبلوماسية والجاهزية، تتجسد معادلة الدولة التي تجعل من السيادة ممارسة مسؤولة، ومن التعاون سبيلًا للاستقرار، ومن القوة أداة لحماية الوطن وصون مصالحه العليا.الجزائر أولًا، وسيادتها فوق كل اعتبار، ومصالح شعبها أساس كل قرار. عاشت الجزائر حرة مستقلة، والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر





















