مقال رأي بقلم: محمد قنديل مدوّن، ناشط حقوقي وناقد سياسي مغربي مستقل
بوابة الجزائر الإخبارية: لم يكن بلاغ الديوان الملكي المخزني الصادر عقب زلزال الفيتو الروسي بمجلس الأمن مجرد بيان بروتوكولي لتدبير تداعيات إنتكاسة دبلوماسية، بل وثيقة إرتباك سياسي وإعتراف غير مباشر بإفلاس الرهانات التي ظل القصر يراهن عليها لعقود. فبعدما إقتاتت المنظومة المخزنية على أوهام ( الشرعية الدولية )، وحاولت توظيف قرارات مجلس الأمن المتعاقبة لتكريس إحتلال الصحراء الغربية، وجدت نفسها أمام واقع دبلوماسي مغاير تماماً لحساباتها.

الفيتو الروسي أسقط المشروع الأمريكي الرامي إلى تجاوز خيار الإستفتاء وتكريس الأمر الواقع، لكن أبواق البلاط سارعت إلى ممارسة هوايتها المعتادة.. تحويل الهزيمة إلى إنتصار، والإنتكاسة إلى ( إنجاز تاريخي )، وإلباس العجز ثوب السيادة عبر إعلان ( عيد الوحدة ).
إنها بهلوانية سياسية مكشوفة، يحاول من خلالها القصر ومخزنه تسويق فشل واشنطن في تمرير مشروعها بإعتباره إنتصاراً مغربياً، وإيهام الداخل بأن مجرد تعثر المسار الأممي يعني حسم النزاع لصالح الإحتلال، والحقيقة أن الدعاية المخزنية لا تستطيع تغيير موازين القانون الدولي، ولا محو حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

لقد سقط القناع عن منظومة جعلت من قضية الصحراء الغربية أداة لتخدير المغاربة وإبتزازهم سياسياً وإقتصادياً، وحوّلت شعار ( الوحدة الترابية ) إلى مظلة لتبرير الإستبداد ونهب الثروات وإسكات الأصوات المعارضة.
لأكثر من نصف قرن، أستُنزفت مقدرات البلاد، ودُفعت الأجيال إلى تحمل كلفة صراع لم يكن للشعب المغربي قرار مستقل في تدبيره، بينما ظل القصر يحتكر القرار والثروة والسلطة… واليوم، وبعد إنكشاف هشاشة رهاناته الدبلوماسية، يبدو المخزن مستعداً لإعادة إنتاج المغامرة نفسها، ولو كان الثمن مزيداً من الفقر والتهميش والعسكرة، ومزيداً من الزج بالشعب في صراعات مفتوحة… فالنظام الذي يعجز عن بناء دولة المواطنة والعدالة والكرامة، لا يجد ما يقدمه سوى تعبئة وطنية مصطنعة، وأعداء خارجيين يختلقهم لتغطية عجزه الداخلي.
والأخطر من ذلك أن إرتهان القرار المغربي للتحالف الصهيوني، تحت غطاء التطبيع والشراكة الأمنية والعسكرية ( الحماية )، قد فتح الباب أمام إختراق عميق لمؤسسات الدولة ومفاصلها الإستراتيجية، فالتطبيع الذي سوّقه القصر بإعتباره مكسباً دبلوماسياً لم يكن مجرد تبادل علاقات ومصالح، بل أصبح مدخلاً لتوسيع النفوذ الأمني والعسكري والسياسي الإسرائيلي داخل المغرب، وفي ظل هذا الإرتهان، تتجاوز المخاطر حدود النزاع الصحراوي لتطال إستقلال القرار الوطني ووحدة النسيج الإجتماعي ومستقبل الدولة نفسها.
إن تحويل المغرب إلى قاعدة صهيونية متقدمة لخدمة حسابات إقليمية ودولية لا علاقة لها بمصالح الشعب يضع البلاد أمام مخاطر إستراتيجية حقيقية، ويجعل من حماية العرش أولوية تتقدم على حماية الوطن والمواطنين.

فالمفارقة الفاضحة أن النظام الذي يرفع شعار الوحدة يمعن في تعميق عوامل الإنقسام والتبعية، ويضع مستقبل البلاد رهينة تحالفات لا يملك الشعب المغربي حق مساءلتها أو تقرير مصيرها.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الدور الإماراتي الذي تحول إلى رافعة مالية وسياسية وعسكرية لمحاور إقليمية تتقاطع مصالحها مع المشروع الصهيوني، فالعلاقة بين أبوظبي والرباط لم تعد مجرد تعاون تقليدي بين كيانين، بل أصبحت جزءاً من شبكة تحالفات تتداخل فيها المصالح الأمنية والعسكرية والإقتصادية، والتبعية العمياء للمشروع الصهيوني، حيث تُستخدم فيها الأموال والنفوذ لتثبيت أنظمة الإستبداد وتوسيع مجال الهيمنة.

والمأساة أن المواطن المغربي يُطلب منه دفع فاتورة هذه السياسات من قوته ومستقبله، بينما تُنفق الموارد على سباق التسلح وتضخيم النفوذ الخارجي وصناعة إنتصارات إعلامية لا وجود لها إلا في بلاغات القصر وأبواق المخزن.
إن المغرب ليس ملكية خاصة للعرش، ولا خزينة مفتوحة لتمويل مغامرات المحاور، ولا ساحة خلفية لتصفية حسابات القوى الإقليمية.

أما الإدعاء بأن تعثر مجلس الأمن أو إنتهاء تفويض بعثة المينورسو يمكن أن يضع حداً للملف دولياً، فهو تضليل سياسي وقانوني لا يصمد أمام أبسط قواعد القانون الدولي، فبعثة المينورسو أُنشئت في سياق خطة التسوية الأممية المرتبطة بتنظيم الإستفتاء، وإستمرار النزاع أو تعثر آليات التسوية لا يلغي الصفة الدولية للإقليم، ولا يحوّل الإحتلال إلى سيادة معترف بها، ولا يسقط حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، كما أن أي تغيير في وضع البعثة أو طبيعة تفويضها لا يمنح الرباط تفويضاً بالتصرف في مستقبل الإقليم من جانب واحد، وهنا تتجلى المفارقة الكبرى.. الكيان الذي ظل يتشبث بالمظلة الأممية حين تخدم مصالحه، يريد اليوم التنصل من مرجعيتها حين تعجز عن فرض أجندته، إنه إنتقاء إنتهازي للشرعية الدولية، لا إيمان بالقانون ولا إحترام لقرارات المؤسسات الأممية.

ومن هنا، فإن الإحتفال بما يسمى ( عيد الوحدة ) عقب هذه الإنتكاسة ليس سوى محاولة بائسة لستر عورة الفشل السياسي، وتخدير الرأي العام بشعارات لا تسندها الوقائع، فكيف يتحدث القصر عن إنتصار تاريخي بعدما عجز حليفه الأمريكي عن تمرير مشروعه؟ وكيف يحوّل تعثر المسار الأممي إلى شهادة سيادة، بينما يظل النزاع قائماً وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير معترفاً به دولياً؟ وأي منطق هذا الذي يعتبر غياب المينورسو أو تقليص دورها مكسباً، بعدما ظل النظام يوظف وجودها لعقود في إدارة النزاع وتجميد إنفجاراته؟
لقد تحول بلاغ الديوان الملكي إلى صك إفلاس سياسي لمنظومة لا تجيد سوى صناعة الأوهام وتصدير الأزمات، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في سقوط رهان دبلوماسي بعينه، بل في إصرار القصر على مواصلة النهج ذاته.. إستنزاف المغرب، وإرتهان قراره، وتوظيف قضية الصحراء الغربية لتبرير الإستبداد، وتوسيع الإختراق الخارجي على حساب السيادة الوطنية.

إن إنقاذ البلاد من هذا المسار لا يكون بتقديس العرش ولا بترديد شعاراته، بل بكسر إحتكار السلطة والثروة، وإسقاط منظومة الإستبداد المخزنية، وإستعادة القرار الوطني من قبضة التحالفات المشبوهة، وقطع الطريق أمام تحويل المغرب إلى أداة في مشاريع الهيمنة الصهيونية والإقليمية.
كما أن السلام الحقيقي في المنطقة لن يُبنى على الإحتلال ولا على الإنكار ولا على فرض الأمر الواقع، بل بالإعتراف الصريح بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وفتح الطريق أمام حل عادل يضع حداً لعقود من الصراع والإستنزاف، أما بهلوانية البلاط، مهما علت أصواتها، فلن تحول الهزيمة إلى نصر، ولن تمنح الإحتلال شرعية لا يملكها.

ختاما؛ وفي ظل الوضع الإجتماعي والحقوقي والإقتصادي الكارثي الذي يرزح تحته الشعب المغربي، حيث تتفاقم معدلات الفقر والبطالة، وتتآكل القدرة الشرائية بفعل الغلاء وتفشي الريع وخصخصة المقدرات الوطنية، لم يعد المواطن البسيط يجد في سياسات المخزن سوى مزيد من الإفقار والتهميش وإنسداد الأفق. فالمنظومة التي حكمت بالحديد والنار، وجعلت من المقاربة الأمنية وسيلة لتكميم الأفواه وإعتقال الأصوات الحرة وملاحقة النشطاء، أثبتت عجزها عن تقديم أي مشروع تنموي حقيقي، وانكشفت صبيانيتها السياسية والدبلوماسية أمام وعي شعبي لم تعد تنطلي عليه مسرحيات البلاط وأوهام إنتصاراته الوهمية.
قد يبدو الصمت مخيماً على الشارع المغربي تحت وطأة القمع والترهيب، لكنه لا يعني القبول بالأمر الواقع، ولا إستعداد المغاربة لمواصلة التضحية بقوت أبنائهم ومستقبل أجيالهم من أجل ضمان بقاء عرش مستبد وشبكة من المستفيدين من ريع السلطة والحرب والأزمات.

لقد أستُنزفت ثروات البلاد لأزيد من نصف قرن تحت ذريعة ( القضية الوطنية )، وتآكلت قدرة هذا الخطاب على تعبئة الجماهير، بعدما باتت قطاعات واسعة من الشعب تربط بين إستمرار السياسات التوسعية في الصحراء الغربية وبين إستمرار الفقر والقمع ومصادرة الحريات داخل المغرب، وما الغليان الإجتماعي والإحتجاجات القطاعية المتصاعدة إلا مؤشرات على عمق الأزمة وإنسداد منافذ الإصلاح الحقيقي.
لن يظل المغاربة إلى الأبد وقوداً لمغامرات عصابة تضع بقاءها فوق مصالح الوطن، وترهن القرار الوطني للتحالفات الخارجية والمخططات الصهيونية.
فمهما طال زمن القبضة الأمنية، لن يكون القمع بديلاً عن الشرعية، ولا الترهيب ضمانة أبدية لإستمرار الإستبداد؛ وستأتي لحظة يستعيد فيها الشعب المغربي حقه في الحرية والكرامة والسيادة على ثرواته ومقدراته، ويضع حداً لعهد إحتكار السلطة ونهب الوطن.

















